سأكتفي بصديق يملأ الدنيا لأجلي سعادةً،سأكتفي بمن يريدني بقربه حُبا في الله،سأكتفي بحليمِ الطّبع البشُوش، وسأكتفي بمن يسعى جاهدا ليراني مبتسما،سأكتفي بك يا صديقي الصدُوق،فمن لي بإنسان مثل هذا؟،من لي بإنسان أراه كقلبي؟،من يكون توأم روحي؟،أين أنت؟"حفظ الله صديقا يراقب ملامحي ليطمئن"
ردد في قلبك بين الحين والآخر أنِ "اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلبي"، فإنه حتما سيكون ربيعا لقلبك يوما ما، وسترى منه في حياتك أثرا يختلف عن سالف مضيته، أو عهد دونه قضيته، أن يكون القرآن ربيع قلبك، معناه تلكم الفسحة الطيبة التي تجدها من أصل بركة القرآن، فأحِبّه واتلوه، تعِش رغدا.
أي شأن يجعلك تألف كلام الله، وأي أمر يعينك في طريق حفظه، خذ به يا فتى، واجعل له نصيبا من اهتمامك الأول، فما منح المرء عطية أجمل ولا أفضل ولا أعظم من ألفة يجدها مع القرآن، حين يتلوه ويأنس به، وحين يردده ويستلذه، ثم اسأل الله حظا منه تحيي به قلبك، وينشرح به صدرك.
رغم تفكيرك بالخلاص من ذنوبك، وإرادتك تركها بعد كل زلة وغفلة، لكن تلك الوقيعة منك في كل مرة ما زالت تطارد عزيمتك، وتكسر فيك طريق صلاح ترتجيه، وإن يكن الإدبار عن ضعف، فليكن الإقبال منك بقوة وإياك والانهيار مرتين، ولذ لباب الله بالتوبة مهما كثرت خطاياك وعظمت.
في هذا الوقت الذي لم يعد كأنه وقت، ليس عليك إلا أن تستثمره غاية الاستثمار، كتعلم علم واكتساب فن ودوام طاعة، فالوقت هو رأس مالك الحقيقي هذا الزمان، إن ضيعته ندمت، وإن فرطت فيه حزنت، ولعلك تعلم أن أكثر ضياع الشباب هواتفهم، تسرق أعمارهم وتبلي أجسام، ولعمري ما عقل من لها والتهى به.
وإذا بحثت عن الثبات وصفته، ووصفه وكيفيته، ستجد في كلام الله حبلك وثاقك الذي تشد به هزة نفسك، ما رأينا أفضل الثبات إلا فيه، يسلك أحدنا طريق القرآن فيلقى من اليسر شيئا ومن المغبة شيئا كثيرا، فإن صبر وواصل، كان ذلك علامة صدقه ودليل دربه، ثم ما عليه، إلا دعاء الله بمنة حفظ القرآن.
مهما يكن، لا تتحامل على نفسك سوء الظنون، فإن خطرات الظنون مهلكة للعبد، لا تزال به من حال إلى حال حتى يضيق عليه أمره ولو اتسع، ومن جعل من ظنه حكما، فليبشر فالغم والهم والحزن، نعوذ بالله من ذلك، لذا، إياك وهذا المسلك فاجتنبه، لا تداهم نيات الناس، وخذ بالخير محاملك، ودع الحياة تسير
إن تحيرت في طريق حفظك للقرآن أي الأوقات أحسن وأفضل، فاجعل لياليك خيارك، فإن الليالي ملهمة، تعين في الحفظ وتيسر الفهم، "قال الخطيب البغدادي رحمه الله: أفضل المذاكرة مذاكرة الليل"، واذا كانت في كلام الله مراجعة وحفظا، فذاك أصوب وأعون في وصولك للمراد،
في افتتاح هذا العام فكر مرة اخرى بتجديد حياتك وعاهد الله بإصلاح ذاتك، ففي النهاية، أنت المستفيد من نفسك حين تصلحها، اعتني بجمال خلوتك كما تعتني بجمال سمعتك، اهتم بمخبرك كما تهتم لمظهرك، ومن الحسنى أن تجمع بين دينك ودنياك، تجد سعادة في قلبك ورغدا في عيشك.
كل اجتماع في الخير جميل، وأجمله إن كان مع أهل الله وحفظة كلام الله، تلتقي تلكم الوجوه المملوءة بنور القرآن مع بعضها، وتتحلى المجالس بما يشبه اجتماع أهل الجنة، كلامهم فيما بينهم «أن سلام عليكم طبتم»، وطاب اللقاء بيننا وبينكم، فمحيا هذا بشر وسرور، ومحيا ذاك بسمة وحبور،
إن شق السبيل، فما شقت أسبابه ولا صعب مراسه، إن استعنت بالله دعاء، وتيقنت كلامه رجاء، فطريق القرآن درب وضاح للفتح والفلاح، فليكن عهدك معه الصدق، ولتتبع بيناته، ولئن فعلت، رأيت في سبيلك هداياته، ثم كنت به في تيسير وتسهيل، ينالك ارتياح لم تعهده، وانشراح لم تألفه.
الذي يريد فتوحات على قلبه عليه بتدريبات في نفسه، يسوي بها إيمانه وتقواه، ويُعدّل بها مسار هواه، وليكتفي بالأقل ولو شغلته دنياه، وهذا مسلك يتدرج به المرء في تربية نفسه، فلا يترك أذكار صباحه ومسائه ولو بذكر واحد، ولا يترك قراءة القرآن ولو صفحة واحدة، ولا يترك الصدقة على نفسه
سمة الاستقامة فيك، أن تمنح حياتك لكلام الله تلاوة وذكرا ووردا وحفظا، تستغني به عما يجول ويصول في هذه الدار، وبالك منه أن تهبه الكثير من وقت لتغنم به رضى الله، وهذه سمة جليلة وعلامة رفيعة، تزيد مقامك بقدر أنفاسك معه ونيتك له، فخذ ذلك بحرص منك وعمل، يهنى قلبك وتجمل معيشتك.
ما كان قوام قوة المسلمين إلا بشرع الله، ما تعززنا ولا ارتفع مقامنا إلا بذلك، كنا أهل علم وعلوم بثها الله وألهمها فينا عقولا رزينة ولا زالت، وكنا ملوكا وصناديد، نحصد الأمجاد ونبعث في ريع العدو خوفا ومهابة منا لا تزال غصة فيهم أبدا،