مع فرحتِنا برفعِ العقوبات كإنجاز سياسيٍّ على طريقِ نهضةِ سوريا الجديدةِ ، وشُكْرِنا مَن جعلهمُ اللهُ سبباً في ذلكَ من أَشِقّائنا ، ودعائِنا بأن ُيرفَع الظلمُ أيضاً عن أهلنا في غزّةَ .. فإنه يجب أن تتعلق قلوبنا بالله وحده فالنصر من عنده وقدْ مَنّ به علينا سابقا مع انقطاع الأسباب وخذلان الناس وهو قادرٌ على سلبِه منّا إن عصيناه وبغينا في الأرض بغير الحقِّ حتى لو كانتِ الأسبابُ مؤاتيةً لنا .
اللهمّ إنْ تَكِلْنا إلى أنفسِنا تَكِلْنا إلى ضعفٍ وعورةٍ وذنبٍ وخطيئةٍ وإنّ عبادَك في سوريّا لا يثقونَ إلا برحمتِكَ وواسعِ فضلِك يا غنيُّ يا كريمُ .
في كل خبر موت لعظيم من عظماء أمتنا لا أتذكر إلا نفسي ومن أعرف، ولا أنعى إلا نفسي ومن أعرف... فليس الخوف على من مات في سبيل الله، بل الخوف من الذي يعيش حياة زخرف تافهة، تزجره آيات الله الشرعية -بكتاب ربه وسنة نبيه- والكونية- بما يراه من سنن الله حوله وأحوال الصادقين فيها وأخذ الله للمجرمين-، ثم لا يزداد إلا نفورا واستمساكا بدنياه الفانية... ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه...
رحم الله أبا خالد، كان أمة وحده... رجل اختار الظل واختار الله أن يكون اسمه بين الناس في سجل العاملين الباذلين الذين مذ ساروا لم يلتفتوا!
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[ التوبة: 111]
.
اللهم استعملنا ولا تستبدلنا... الله عسلنا واستعملنا ولا تستبدلنا، اللهم اجعل حياتنا ومماتنا في سبيلك وانتشلنا من وحل الدنيا ودرنها إلى ميادين العمل التي ترضاها وترضى بها عنا..
في وقت أمرتنا يا الله أن نستبشر فيه بما بايعوك (فَٱسۡتَبۡشِرُوا۟ بِبَیۡعِكُمُ ٱلَّذِی بَایَعۡتُم بِهِ)، وعيوننا فيه تدمع، وقلوبنا عليهم تحزن، فلا نقول إلا ما يرضيك يارب، إنا لله وإنا إليه راجعون!
استعملنا يارب، اجعل لنا سهماً في الفتح،
بايعناك يارب، اجمعنا بهم في عليين يارب..
"أخذ الراية زيد فأصيب،
ثم أخذها جعفر فأصيب،
ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب،
ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة، ففُتح له،
وما يسرنا أنهم عندنا"
[صحيح البخاري]
لا يمكن الحكم على تجربة بأنها ناجحة أو فاشلة إلا إذا اتفقنا على المعيار الذي نحكم به، فمثلاً قد تجد شخصًا يبتذل نفسه ويسترخصها كي يصل إلى منصب فإذا وصل رأى نفسه ناجحا، لأن معيار النجاح عنده هو الوصول بحد ذاته. وهناك شخص يرى ذلك فشلاً؛ لأن معيار النجاح عنده هو الحفاظ على كرامته، هكذا نجد اختلاف المعايير يؤدي إلى اختلاف الأحكام.
طبق الأمر نفسه على طوفان الأقصى، الحكم عليه يعتمد على المعيار الذي تحكم به، والذين ينتقدون الطوفان اليوم يحكمون عليه بمعيار الكلفة، فبما أن الكلفة عالية فهي بنظرهم عملية خاطئة. لكن معيار الكُلفة ليس صحيحًا دائمًا، بدليل أن الجميع اليوم سعيد بانتصار الثورة السورية رغم أن كلفتها أكبر من كلفة غزة بأضعاف مضاعفة، والجميع يفخر بالثورة الجزائرية التي كانت كلفتها أكبر بكثير من كلفة غزة، والجميع يعد الاتحاد السوفيتي منتصرًا حين طرد النازيين مع أن الاتحاد السوفيتي خسر عشرين مليون إنسان!
ثم لو كنا سنحكم بمعيار الكُلفة فهذا يعني أن إسرائيل لو احتلت أي بلد عربي فالواجب ألا يقاومها أحد، لأن مقاومتها سيكون لها كُلفة كبيرة على أرواح الناس، وهكذا نجد أن معيار الكلفة يقودنا إلى خيار وحيد أمام إسرائيل، وهو خيار الاستسلام.
ثم لماذا نتحدث عن كلفة الحرب ولا نتحدث عن كلفة السلام؟ الضفة الغربية خسرت أكثر من أربعين بالمئة من مساحتها بسبب السلام، و٨٠٠ ألف محتل صهيوني استوطن الضفة بسبب السلام، فلماذا تهمنا كُلفة الحرب ونتهرب من الحديث عن كلفة السلام؟
هل الكلام السابق يعني أن الكلفة ليست مهمة؟ لا شك أنها مهمة وجوهرية، لكن يجب أن نضيف لها معيارًا آخر، وهو معيار الجدوى، فالكلفة إذا لم تكن لها جدوى مناسبة فإنها مجرد طيش وعبث.
فهل كان الطوفان مجديًا في مشروع استنزاف الكيان الصهيوني؟
حول هذا السؤال ينبغي أن يكون نقاشنا جميعًا، وشخصيًا أرى أنها كانت ذات جدوى عالية فعلاً، ويمكن أن نذكر عشرات الأسباب التي تثبت هذه الجدوى، وقد اعترف الصهاينة أنفسهم بكثير منها، لكن الجدوى المركزية في اعتقادي هو أن الطوفان وضع إسرائيل على مسار الانحدار بشكل عملي، فأن تضرب المقاومة عمق الأمن الإسرائيلي بما يؤدي إلى أكبر هجرة في تاريخ إسرائيل، ثم تحشد إسرائيل كل قوتها وبدعم مطلق من القوى الغربية لمدة سنة ونصف، ثم بعد ذلك كله تخرج المقاومة صامدة ومتماسكة وكأن الحرب كانت يومًا أو بعض يوم، هذا كله لهو أكبر ضربة حقيقية لإرادة البقاء للمجتمع الصهيوني، وأكبر ضربة لإرادة القتال للمؤسسة العسكرية، وحين تضرب إرادة البقاء وإرادة القتال معًا فأنت عمليًا تكون قد وضعت إسرائيل على مسار التدحرج من القمة.