" إن أسمى ذرى السعادة يجدها الإنسان عندما يكون مستعداً لأن يكون نفسه "
- ديزيدريوس إراسموس -
Cléo From 5 To 7 - 1962
" كليو من الخامسة إلى السابعة " دراما اجتماعية و نفسية مميزة جدا للبحث عن الذات والهوية في خضم الزيف الاجتماعي والمظاهر البراقة الكاذبة والمرض و الخوف من الموت للمخرجة الفرنسية آنييس فاردا الام الروحية للموجة الجديدة في السينما الفرنسية .
في "كليو من الخامسة الى السابعة" نعيش اجواء ساعتين حاسمتين في حياة شابة جميلة جدا تعمل كمطربة واعدة الا انها تعاني من النرجسية الشديدة , لنعيش مع كليو من الساعة الخامسة وحتى الساعة السابعة و بكل ما تحمل هاتين الساعتين من احداث مصيرية ودلالات هامة في حياتها , حيث انها تنتظر نتائج الخزعة التي ربما تؤكد إصابتها بمرض السرطان بكل ما يحمل ذلك الانتظار من خوف وقلق وايضا بكل المفاجات والاحداث التي يحملها هذا الانتظار والذي ربما يكون رحلتها في للعثور على ذاتها الحقيقة وهويتها الضائعة .
في هذه الدراما النفسية نحن امام تحول كبير على شخصية كليو , حيث كليو ما قبل المرض وانتظار نتائج الفحوصات الطبية , وكليو خلال الساعتين التي تنتظر بهما نتائج الفحوصات والتحولات التي تطرأ على شخصيتها ومعرفتها بنفسها , فكليو ما قبل المرض شابة جميلة جدا ولكن غارقة في نرجسيتها و في ذاتها المزيفة حيث تعتقد ان جمالها والذي هو محط اهتمام الجميع هو ذاتها وكينونتها الحقيقية, فهي الشابة الجميلة التي اعتادت الى ان ينظر اليها الجميع كأقنوم للجمال , انها الفتاة المدللة التي اعتادت ان تكون محل الاهتمام والنظر لللاخرين .
في " كليو من الخامسة الى السابعة " نحن امام رؤية سينمائية مميزة جدا عن الذات المزيفة والهوية الضائعة , حيث نعايش الصراع النفسي والازمة التي تعصف بكليو خلال ساعتين جراء تماهيها طوال حياتها مع ذاتها الزائفة متناسية ذاتها الحقيقية القابعة وراء كل هذه المظاهر الزائفة , فهي من عاشت حياتها كاملة في سعي دؤوب لنيل اعتراف الاخر بها كغاية نهائية دون ان تستطيع ادراك ذاتها الحقيقية وكان جمالها هو الوسيلة الى ذلك , فهي لا تعرف ذاتها الا من خلال النظر للمرآة ومن خلال الملابس الجميلة والمظاهر الاجتماعية الكاذبة واهتمام الاخرين بها بوصفها مطربة شابة وجميلة وتثير اهتمام الجميع , ربما تكون الذات الزائفة وبالاخص في هذا العصر الحديث هو ما نحياه جميعا وبشكل يومي , فلقد أصبح من الطبيعي في هذا العصر أن يُعرف الأفراد أنفسهم وفقا لسيرتهم الذاتية ووظائفهم وأماكن عيشهم ومظهرهم بل بواسطة بحساباتهم البنكية ومقدار ثرواتهم والتي اصبحت جزءا من سيرتهم الذاتية واحيانا تلعب دورا هاما في تسويق الافراد ضمن السياق التواصلي او في السياق الاجتماعي ، وبالتالي أصبحنا لا نستطيع التفريق بين ذواتنا الحقيقية وبين صورتنا التي نحاول إظهارها للمجتمع , بمعنى ادق وكأننا نترك ذاتنا الزائفة لتتعامل بدلا عنا مع هذا العالم بكل مفاهيمه ورموزه وسياقاته , وكأننا جميعا في حفلة تنكرية , فالجميع يقبع خلف قناع .
في هذه الدراما تأخذنا المخرجة آنييس فاردا في رحلة ممتعة جدا في البحث عن الذات الحقيقية او هويتنا الضائعة وذلك من خلال حكاية الشابة كليو , حيث تسلط الضوء وبكل براعة على القناع الاجتماعي الزائف او ذاتنا الزائفة وتبرز لنا النتائج المترتبة على تماهي الأفراد مع هذا القناع و على حساب ذواتهم الأصلية، وخطورة ان لا يدرك الأفراد حقيقة أن صورتهم الشخصية او ذاتهم الزائفة او قناعهم الاجتماعي ليست هي مجمل كيانهم ، بحيث من الضروري ان ندرك الفارق ما بين الذات الزائفة التي نقدم من خلالها انفسنا إلى العالم، وبين الذات الأصيلة التي قد لا تنطبق او تتوافق مع الصورة المثالية للمجتمع، وأن علينا أن نضع ذواتنا الحقيقية تحت المجهر ، والنظر إلى جوانب الضعف فيها و التي نحاول إخفاءها تحت القناع الاجتماعي .