مرّةً أخرى، استُهدف مستشفى المعمداني في قطاع غزة. بعد المجزرة التي راح ضحيتها ٥٠٠ شخص في بداية العدوان، يعود اليوم جيش العدو لاستهداف المستشفى. ما قصَفه العدو هو مبنى الطوارئ، مما أخرج المستشفى عن الخدمة.
ماذا يريد رئيس حكومة الاحتلال؟ تدمير الحياة في غزة، تدمير كل مقوّمات الحياة: تدمير المستشفيات، والمدارس، والبيوت، ومحطّات الكهرباء، والماء، والمخابز. لماذا؟ ليقول لأهل غزة: هذه السفن في البحر أمامكم، وهذه إندونيسيا والصومال مستعدّتان لاستقبالكم.
هذه الحرب لم تستهدف المقاومة، إنّما استهدفت أهل غزة.
هدف هذه الحرب: “موتوا، ومن يبقَ منكم حيًّا فليرحل، ومن لم يرحل سيُقتَل لاحقًا.” هذه هي حقيقة المعركة.
ما يجري في غزة اليوم سينتقل إلى الضفة الغربية لاحقًا، ثم إلى القدس، ثم إلى أبناء الأراضي المحتلّة عام ١٩٤٨. هؤلاء نائمون الآن، نضالهم محصور بلايك على وسائل التواصل، وغدًا، عندما تلامس النار أبوابهم، سيكون قد فات الأوان.
تغريدة طويلة عن اقالة رونين بار
لطالما روّج رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، أنه سيد الأمن. عمل طوال سنوات حكمه منذ عام 1996 على تثبيت هذه النظرية، فلم يدخل في حروب كبيرة (بالنسبة له، العمليات العسكرية والأيام القتالية لا تُعتبر حروبًا). فرض الأمن كان أساس حملته الانتخابية بعد عمليات حماس الاستشهادية عام 1996، وهي التي جعلته ينجح أمام الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز في انتخابات ذلك العام، رغم دعم الرئيس الأمريكي حينذاك، بيل كلينتون، للأخير.
طوال سنوات حكمه، واجه نتنياهو وزراء الأمن، ورؤساء الأركان، ورؤساء جهازي الموساد والشاباك. بالنسبة لنتنياهو، الولاء لشخصه أهم من الولاء للدولة، ومن بقي في موقعه في تلك المناصب كانوا يدينون له بالولاء المطلق، مثل رئيس الموساد الأسبق يوسي كوهين، الذي كان سابقًا مستشار نتنياهو للأمن القومي.
وفي نظرة تاريخية، منذ توليه منصبه، واجه نتنياهو في أيام السلم رئيس الموساد مائير داغان، الذي يُعتبر من الصقور ووالد العقيدة الهجومية في الموساد. اعتاد نتنياهو على تحجيم الضباط وقيادات الأجهزة الأمنية، وسعى في السنوات التي سبقت “طوفان الأقصى” عام 2023 إلى فرض إرادته السياسية على الجيش والأجهزة الأمنية، وتغيير الواقع الذي يقول إن إسرائيل عبارة عن “جيش له دولة” إلى “إسرائيل دولة لها جيش”.
كل هذا الصراع كان قبل السابع من أكتوبر، إلا أن صباح ذلك السبت، الذي حطّمت فيه المقاومة المفاهيم الثلاثة للأمن الإسرائيلي: الإنذار المبكر، الحرب القصيرة، والحسم السريع، دفع نتنياهو وحكومته اليمينية إلى استغلال الفرصة والاستفادة منها لتحجيم الجيش والأجهزة الأمنية، بهدف تنفيذ الأجندة السياسية لليمين الإسرائيلي. ففي خضم حرب هددت وجود دولة إسرائيل، أقال نتنياهو وزير الأمن يؤاف غالانت، وقلّص صلاحيات رئيس الموساد دافيد برنياع، وأجبر رئيس هيئة الأركان، هرتسي هاليفي، على تقديم استقالته، وحاليًا يسعى إلى إقالة رئيس الشاباك، رونين بار. (بيان بار الرافض لتقديم الاستقالة لا معنى له، إذ إنه سيُجبر على ذلك بعد إقرار الحكومة يوم الأربعاء المقبل إقالته، لأن في هيكلية الشاباك، نتنياهو هو الرئيس المباشر لبار). وفي وقت لاحق، سيعمل نتنياهو على إقالة المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا.
نحن نعيش في زمن يشهد ولادة إسرائيل جديدة. خارجيًا، ستبقى إسرائيل في حالة حرب واحتكاك دائم مع أعدائها. إسرائيل الجديدة غيّرت مفهومها للأمن القومي وشكله، كما غيّرت نظامها الأمني وقيادتها العسكرية، بحيث أصبحت تحت سيطرة المؤسسة السياسية، بجيش يضم ضباطًا يمينيين من سكان المستوطنات.
أما نحن، فأمامنا تحديات كثيرة، أهمها تغيير عقليتنا وطرق المواجهة مع إسرائيل، والخروج من المعتقدات القديمة التي كانت تقول إن إسرائيل لا تقوم بعمل عسكري إذا كان رئيس حكومتها خارج البلاد، فقد قامت يوم كان نتنياهو في الأمم المتحدة باغتيال الأمين العام السابق لحزب الله، السيد الشهيد حسن نصرالله. أمامنا الكثير من العمل، وأوله قراءة إسرائيل بطريقة جديدة، لأننا أمام إسرائيل جديدة
اعتبر البعض أن هذه التغريدة نقدٌ لمقابلة الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، لكن هذا غير صحيح. هذه التغريدة نقدٌ لإعلام المحور، وتحديدًا لقناة المنار، التي كانت، في كل مرة بعد خطاب السيد الشهيد حسن نصرالله، تستضيف ضيفين لا ثالث لهما لتحليل الخطاب.
ما كان يُميز السيد حسن نصرالله أن خطاباته كانت واضحة للجميع، بحيث يمكن لعالم الذرة فهمها، كما يمكن لرجل بسيط استيعابها، ولم يكن بحاجة إلى أي محلل لشرح ما قاله.
أما مقابلة الأمس، فقد كان الشيخ نعيم قاسم فيها حقيقيًا، شفافًا، وواضحًا جدًا، وما قاله لا يحتاج إلى تحليل. ولكن، إذا كان الهدف من وجود المحللين هو تثبيت بعض النقاط وتوضيحها، فأعتقد أن ضيوف القناة لا يفعلون ذلك، ولا يرسخون سردية الحزب، بل في بعض الأحيان يقدمون سردية مغايرة كليًا.
أعلم أنني قد أتعرض للهجوم، لكن النقد هنا نابع من المحبة والحرص على قناة حزب الله.
لذلك، على القناة تنويع ضيوفها عبر استضافة سياسيين للحديث في السياسة بدلًا من المحللين، واستضافة معنيين بالشأن العام بدلًا من المحللين غير المتخصصين.
كل ما كان ينقُلُه إعلام المقاومة عن الإعلام الإسرائيلي قبل الحرب -وما زال- عن ضعف في الجيش،والثغرات بين المستوى السياسي والعسكري،وعن رؤساء المستوطنات حول انعدام الأمن وغيره،هو عبارة عن طُعم نبتلِعُهُ ونبني عليه،وللأسف..حتّى الآن لم يستوعب أحد هذا الأمر..
كيف لكل هذا أن ينقضي..؟
هل يغسِل الماءُ ذاكِرةَ التُّرابيّين..؟
أم هل لِسُباتٍ طويلٍ أن يوقِفَ تَدَفُّقَ الأحزانِ في أورِدَتِهِم..؟
الجوابُ لا،لا يغسِلُ الماءُ معدنَ الذاكرة..ولا السّباتُ يكبحُ انبِعاثَ الحياةِ في أرواح المكلومين..ولا انقِضاءَ للحُزن بعد اليومِ البَتّةَ البَتّة..