البوست دا جميل أوي..
كانت تظن أن الزواج من نبي يعني أن السماء تعرف عنوان البيت.
وهذا صحيح. لكنها لم تفهم يومئذ أن السماء، حين تعرف عنوان بيتك، لا ترسل الورد بالضرورة.
الأنبياء ليسوا رجالًا يصلحون كثيرًا لحياة هادئة. يدخل أحدهم النار فيخرج منها، يخاصم قومه، يهدم أصنامهم، يهاجر من وطنه، ثم يعود مساءً فيسألونه: لماذا تأخرت عن العشاء؟
تزوجت هاجر رجلًا خرج سالما من قلب النار.
ولم يخطر ببالها أن أقسى ما ستراه معه لن يكون النار
بل ظهره وهو يبتعد..
تركها في وادٍ لا زرع فيه.
جراب تمر.
سقاء ماء.
طفل يرضع.
غادر. هل كان الأمر بسيطا عليه؟ نبي وقبلنا وقبلناه، مسئولية وحملها ورضيت أن أحملها معه.
لكن هنت عليك؟ كلمات لم يصرح به اللسان.
نادته:
لم يلتفت.
كررت السؤال.
ظل يمشي.
كان يعرف أن بعض الطاعات يفسدها أن تنظر خلفك.
فسألته السؤال الذي سقطت بعده كل الأسئلة بصوت لا يمكن أن يتجاهله.
آلله أمرك بهذا؟
قال:
نعم.
قالت:
إذن لا يضيعنا.
لكنها قالتها والسقاء ما زال فيه ماء.
ونظرت للطفل تستمد القوة.
جملة تزن جبلًا.
وسيأتي دور الجملة الحقيقي حين تشرب آخر قطرة، وتهز الوعاء، فلا يجيبها إلا صوت جلد يابس.
كانت لها صديقة لا تؤمن بالرومانسية، وترى في كل زواج مؤامرة محكمة لا يكتشفها المرء إلا بعد ليلة العُرس .
قالت لها قبل الرحيل:
الزواج من نبي يبدو جميلًا في الحكايات يا هاجر، لكن الأنبياء مشغولون بإنقاذ البشرية، وهناك ضحايا وقد تكونين واحدة منهم.
قالت هاجر:
اسكتي يا شيطانة.
أنا لست ضحية. معي الماء ومن صدري يجري مصدر حياة.
وشربت هاجر، فجرى اللبن في صدرها.
ورضع إسماعيل، فنام.
ثم نقص الماء.
فنقص اللبن.
ثم انتهى الماء.
فصار صدر الأم وعدًا لا طعامًا.
بكى إسماعيل.
وحين طال البكاء صار صراخًا.
ثم صار الصراخ أنينًا متقطعًا.
وهذا أسوأ.
فالطفل القوي يصرخ بما فيه.
أما حين يضعف، فإنه يبدأ في الاقتصاد حتى في ألمه.
نظرت إليه يتلوى، فلم تحتمل.
لو بقيت إلى جواره ستموت معه قبل أن يموت.
ولو ابتعدت ربما وجدت أحدًا.
وربما لا تجد.
لكن «ربما» في أرض خالية كانت أكبر ممتلكاتها.
رفعت رأسها.
كان الصفا أقرب مرتفع.
نحن نقول اليوم: الصفا، كأن الاسم كان معلقًا فوق الصخر منذ الأزل.
أما هي فرأت علوًّا فقط.
مكانًا تستطيع من فوقه أن توسع مساحة اليأس قليلًا.
تركته وصعدت.
في المرة الأولى، حملها الخوف قبل أن تتعب.
صعدت الصفا، ومسحت الوادي بعينيها.
لا راكب.
لا قافلة.
لا دخان نار.
لا أثر يدل على أن البشر قد اخترعوا أصلًا.
نادت.
فرد عليها صوتها نحيلًا، ثم ضاع.
هبطت.
وكان بين الصفا والمروة منخفض في الأرض. حين نزلت إليه حجبت تضاريس الوادي موضع الطفل عن عينيها، فرفعت طرف ثوبها وجرت جري إنسان يطارده ما لا يراه.
لم تكن تهرول نحو الماء.
كانت تهرول كي تعود فترى إسماعيل.
جاوزت بطن الوادي، وارتفعت الأرض، فعاد الموضع إلى بصرها
صعدت المروة.
نظرت طويلًا.
لا أحد.
قالت الصديقة في رأسها:
قلت لك… الزواج من نبي ليس عسلًا.
صرخت وهي تلهث كأنها تطارد الشيطان:
لو كنت هنا لأكلتك أنت بدل العسل.
ثم عادت إلى طفلها.
كان ما يزال حيًّا.
وهذه وحدها كانت بشرى تكفي لمحاولة جديدة.
في المرة الثانية لم تبحث عن الناس فقط؛ بحثت عن خطأ ارتكبته في المرة الأولى.
ربما لم تنظر جيدًا.
ربما حجبت الشمس رجلًا بعيدًا. رجل؟ أين رجلي؟ لماذا لم تعد يا ابراهيم؟
حسنا، نفذت أمر ربك. لكن لماذا لم تنظر لي مرة اخيرة؟
هُنت عليك؟ اسكتي أيتها الشيطانة..
هل مرت مرت قافلة بعد أن غادرت؟
فالإنسان حين يفشل أول مرة لا يصدّق الحقيقة؛ يفتش عن عيب في طريقة نظره.
صعدت الصفا.
وضعت يدها فوق عينيها.
نظرت يمينًا.
ثم يسارًا.
لا شيء.
قالت الصديقة:
جربتِ هذا الطريق.
قالت هاجر:
وجربت الجلوس.
قامت وهبطت.
وحين بلغت المنخفض جرت ثانية؛ أبطأ قليلًا، وأشد خوفًا.
صعدت المروة.
لم يظهر أحد.
لكنها عادت أسرع، فقد بدأت تفهم أن الرحلة ليست بين جبلين.
إنها بين نظرة إلى الأفق…
ونظرة إلى الطفل.
في المرة الثالثة صار للطريق وجه مألوف.
عرفت الحجر الذي يجرح القدم.
وعرفت أين تنحدر الأرض فجأة.
وعرفت اللحظة التي يختفي فيها إسماعيل عن بصرها، واللحظة التي يظهر فيها من جديد.
المصائب أيضًا تتحول مع الوقت إلى أماكن نعرفها.
نقول: هنا خفت.
وهنا كدت أسقط.
وهنا قلت إنني لن أستطيع، ثم استطعت خطوة جديدة.
لم تعد تمشي في مجهول كامل.
صنعت من العجز خريطة.
قالت الصديقة:
إلى متى ستذهبين وتعودين؟
قالت هاجر:
حتى يتغير شيء.
ضحكت الصديقة:
وإن لم يتغير؟
قالت هاجر:
أتغير أنا.
ثم صعدت.
لم تجد أحدًا.
https://t.co/Kw247H1hAT
اللي بيشوف إن الحب كرينج بيشوف إن المشاعر و العواطف عمومًا حاجة مُخزية و دة لإنه مش متصالح مع إنسانيته و لا بيبقى مُتصل بنفسه الحقيقية، مُجرد ما الإنسان يحس بإنسانيته؟ مش هيلاقي نفسه بيستخدم كلمة كرينج عشان مافيش حاجة هيحس بالخزي تجاهها. عشان كل حاجة وقتها هتكون مقبولة.