مراجعة مسلسل #ملاك_رحمة
إخراج: محمد سمير قصة وسيناريو وحوار: أحمد محمد العوضي بطولة: شجون الهاجري، مرام، عبدالله التركماني، عبدالله عبدالرضا وآخرين
تدور الأحداث حول رحمة، ممرضة تعمل في أحد المستشفيات، شخصية تعاني من صدمات نفسية عميقة، وتعنيف وذل وإهانات، وهوس عاطفي شديد بشهاب، ما أدى إلى سلوكيات مضطربة.
من أقوى عناصر تميز العمل:
١- الإخراج
نجح الإخراج في خلق عنصر الإثارة والتشويق بدون حشو أو مط، وجاء عدد الحلقات (٨) مناسب جداً. كل مشهد كان مهم ويخدم تطور الأحداث بشكل تصاعدي ومنظم.
إختيار الكاست كان رائع، والجميع أبدع، وتحديداً شجون التي أتقنت تقمص الشخصية بإتقان، ولا يمكن تخيل أي ممثلة أخرى في هذا الدور سواها.
٢- الحبكة
الحبكة جاءت ممتازة، وتسلسل الأحداث كان منظم جداً دون أي ملل، مع مفاجأة قوية وغير متوقعة في النهاية.
٣- الأداءات
الأداءات كانت ممتازة، مع وجود كيمياء واضحة بين فريق العمل وتناغم جعل الشخصيات نابضة بالحياة. شجون في الأدوار المركبة تعتبر "نمبر ون". عبدالله التركماني في شخصية المحقق أبدع، وقد شاهدناه أيضاً في "وحش حولي" بنفس القوة والحضور.
وكذلك جميع الممثلين كلٌّ في دوره قدم أداء مميز ومقنع.
٤- الحوارات
تميز العمل بحوارات عميقة ومنطقية، كانت أقرب إلى الحكمة في كثير من المشاهد.
مثال من الحلقة الأولى؛ قالت رحمة: "لا أحد يسوي نفسه مصلح إجتماعي ويتكلم بالحسنى والفضيلة.. كلنا مثل مثل.. ما أحد أحسن من الثاني.. الفرق إنتوا مستورين، الله ساتر عليكم.. ولا بالصج ما أحد فيكم خالي"
ومن الحلقة الثانية؛ رحمة تخاطب مدير المستشفى بعد شكوى الإبن العاق: "دكتور إحنا ممرضات يعني ملائكة رحمة.. إحنا إهني مو بس عشان نعطي دوا.. أغلب المرضى اللي تشوفهم علاجهم كلمة طيبة وإيد تطبطب.. الأمراض النفسية أخطر بوايد من الأمراض اللي إحنا نعرفها ونسمع عنها" ثم تغادر المكتب بنظرة إحتقار للإبن العاق.
وفي الحلقة الخامسة؛ جاءت حوارات مؤثرة بين أم يوسف وولدها يوسف، وكذلك بين رحمة ويوسف، وكانت تحمل عمق إنساني واضح.
٥- تحليل الشخصيات
الشخصية الرئيسية كُتبت بعناية، مع الغوص في أعماق نفسية رحمة، بينما ساعدت الشخصيات الأخرى في توضيح أبعادها النفسية وتعقيداتها.
رحمة لم يقدمها العمل كشخصية شر مطلق، بل كإنسانة تعيش في بيئة قاسية خالية من المشاعر، ومع ذلك لم تفقد إنسانيتها بالكامل.
ففي الحلقة الثانية، ظهرت رحمة بصورة إنسانية جداً، حيث ذهبت إلى حفل خطبة صديقتها بسمة؛ رغم معاناتها الشديدة داخل بيتها والتعنيف، حيث حبستها ثريا بالكنغيةليوم واحد، وزوجها مسن وسلبي لا يحل ولا يربط. ورغم ذلك حضرت بكامل أناقتها وهدوئها.
ومن أبرز المواقف في ذلك اليوم:
-عندما احترق جزء من فستان صديقتها، أعطتها بروش أمها لإنقاذ الموقف.
-جلست تدعم صديقتها في أهم يوم بحياتها حتى النهاية بهدوء وإتزان واضح.
وفي الحلقة الثالثة، ظهرت رحمتها اتجاه المريضة نعيمة التي تعاني من ابن عاق، فقامت بمواساتها بلطف وحنان.
وفي الحلقة السابعة، أنقذت مريضة كانت تحاول رمي نفسها من النافذة.
كل هذه المواقف تؤكد أن رحمة شخصية متألمة، لكنها تحمل بداخلها إنسانية عالية ورحمة رغم كل ما تعرضت له.
كما ساهمت بعض الشخصيات في تخفيف حدة التوتر الدرامي، مثل يوسف (أحمد العوضي) وإبتسام (شوق الهادي)، حيث أضافت علاقتهما جانب من الأمل وسط عالم رحمة المليء بالألم.
ومن أبرز اللحظات بينهما وأحلاها في الحلقة الخامسة رسالة يوسف إلى إبتسام: "إلى إبتسام.. أنا ذلك الذي بدأ يتحول من مرسال إلى مُرسل.. لا أعلم لماذا!…"
كانت هذه اللحظة مفصلية في بناء علاقة عاطفية جميلة، مليئة بالتداخلات الشعورية والأداءات المميزة.
٦- الرمزية
-رمزية في اسم "رحمة" لكنها تعيش في عالم يفتقد الرحمة!
-كذلك من أبرز الرموز في العمل، تعليق مرام البلوشي كرمزية عميقة لمعاناة البشر الداخلية: "قولي الحمد لله ترى كلنا يا يمه مليانين.. قصيص وبلاوي.. وياما ناس عندها شعور حلوة وطويلة وناعمة بس لو بتطلين بقلوبهم بتلاقينها مقصفة ومقصصة.. لو هموم الناس بشعرها كان ما تلاقين أحد على رأسه شعر"
٧- الفلاش باك
جاء الفلاش باك في نهاية الحلقة الخامسة في توقيت مناسب، ليكشف جزء من ماضي رحمة وزواجها من نوح ومعاناتها.
كما جاء فلاش باك آخر في الحلقة السابعة، ظهر فيه جانب من طفولة رحمة وعائلتها، حيث العنف الأسري من والدها اتجاه والدتها، ما ساهم في فهم جذور شخصيتها المعقدة.
٨- النهاية
جاءت النهاية بأحداث غير متوقعة ومبنية بإحكام، وقد حملت صدمة قوية للمُشاهد مع ختام درامي مميز ومؤثر.
وكانت آخر جملة في العمل عميقة ودلالية: "إذا مات القلب.. ذهبت الرحمة"
وهي جملة تلخص فكرة العمل بذكاء، وتعكس عمق الرسالة التي تدور حول غياب الرحمة في بعض الشخصيات، وعلى رأسها شهاب وثريا.
#ملاك_رحمة
هنا يظهر إبداع المخرج والكاتب والممثل في إيصال عمق الشخصية ومكنوناتها في لحظاتها مع نفسها، حيث تتجلى إنفعالاتها الحقيقية بعيداً عن أعين الناس والأقنعة.
في بداية الحلقة ٥، وبعد لحظة إنهيار رحمة ويأسها وصدمتها، وجهت الكاميرا نحو نفسها، لتدرك أن شهاب لم يخنها بقدر ما خانها خيالها وأحلامها، وأنه لم يعد لديها ملجأ تهرب إليه من واقعها المرير!
ثم جاء مشهد الرقص هذا؛ في توقيت مفاجئ، مباشرةً بعد الإنهيار، وهو إختيار إخراجي موفق كسر توقعات المُشاهد ومنح المشهد بُعد نفسي أعمق.
رقصت رحمة، لكن ليس فرحاً؛ بل حزناً. فالرقص هنا لم يكن إحتفال، بل وسيلة لتفريغ الألم ومحاولة للهروب المؤقت من وطأة الواقع.
لذلك جاء المشهد من أقوى مشاهد الحلقة على مستوى الأداء والإحساس، إذ جعل المُشاهد يعيش عمق المعاناة التي وصلت إليها الشخصية لحظة بلحظة، في تجسيد مؤثر لرؤية الكاتب والمخرج، وأداء فنان استطاع نقل هذا الألم بصدق وإقناع.
#ملاك_رحمة
في الحلقة ٣ .. رحمة مخاطبةً المرآة قالت:
"تدرون إني أخاف من كلام الناس أكثر من الموت.. لأن الناس إتقط حچي، وحسبالها الكل قاسي مثلها ويتحمل.. أدري كلنا بشر، وكلنا مثل مثل.. بس مو كلنا إنسان.. أقصد صعبة تلاقي شخص يحس فيك.. لأن الإحساس بالإنسان خصلة موجودة بس بالإنسان."
ثم فجأة دخلت عليها ثريا، فبدأت تتعامل معها بغير إنسانية ولا إحساس.. تتطنز على شكلها، وتهينها أكثر وأكثر.
ثريا مثلها مثل كثير غيرها… بشر، لكن الإحساس كان غائب في تصرفها!
شجون أبدعت في تجسيد شخصية "رحمة" في مسلسل #ملاك_رحمة، ونقلت للمُشاهد أدق مشاعرها وصراعاتها النفسية بصدق وإقناع. شخصية ممرضة تعيش بين الخيال والواقع، تحمل جراح طفولة قاسية، وعنف جسدي ونفسي، وتعاني من حب من طرف واحد، لتتشكل أمامنا شخصية معقدة ومؤلمة؛ قدمتها شجون بإحساس عالي جداً جداً🤎