عندما تُسارع سوريا إلى إدانة الهجمات التي استهدفت المنشآت النفطية السعودية انطلاقا من الأراضي العراقية، وتُسمّي الجهة المنفذة صراحةً بأنها "ميليشيات تابعة لإيران"، فهي لا تُسجل موقفا سياسيا فحسب، بل تتعامل مع هذه الميليشيات على أنها تهديد للأمن الإقليمي الذي أصبحت جزءا من منظومته. وفي معادلات الحرب هذه، أصبح أمن سوريا والخليج جبهة أمنية تتشارك مصادر التهديد ومقتضيات الردع. وهذا الترابط لن يقتصر على بيانات التضامن أو المواقف السياسية المتبادلة إذا تعرضت سوريا مستقبلًا لأي تهديد من قبل هذه الميليشيات ومن يديرها، بل يؤسس لمنطق جديد يقوم على اعتبار أي تهديد يطال إحدى دول هذه المنظومة تهديدًا لبقية أطرافها. ما يتبلور اليوم بين سوريا ودول الخليج والأردن وتركيا ليس مجرد تنسيق سياسي عابر، بل بداية تشكّل بنية أمن إقليمي جديدة.
كل هذا الضجيج في القنوات العراقيّة وغيرها، لن يُجدي أمام مبدأ سعودي مُعلَن وواضح:
ما دام هناك فصائل في العراق تدين بولائها لإيران، وتضرب السعودية؛ فسيكون الردّ السعوديّ حاسمًا.
كلمة "انتهى" في التصريح تعني لا جدل في ذلك…
من يستوعب، فليعقل، ومن لا يستوعب، فسيدفع ثمن تهوّره.
كان حجم التعاطف مع سوريا ملفتا عقب الحادث المؤلم في البادية السورية. هذا التعاطف لم ينقطع يوما، منذ أول شهيد ولاجئ ونازح عقب الثورة، لكنه هذه المرة، يأخذ شكلا مختلفا، فهو تعاطف مع شعب حر، ليس فيه شفقة، بل تضامن ودعاء ومشاركة في المصاب، أساسه أن ما جرى في ذلك الحادث يمكن أن يحصل في اي مكان من العالم، لكن الموت بالبراميل لم يكن بحري الا في سوريا، لذلك فقد اختلف التعاطف وصار أكثر سوية وعدلا. رحم الله ضحايا الحادث والهم اهاليهم الصبر والسلوان.
هناك سمة غالبا ما تلازم كرام الناس، ألا وهي سرعتهم في الإشاحة والصد، زهدهم بالأشياء عند أدنى سبب، الكرماء لا يلحّون، لقد قالت العرب قديما "الحر عزوف". ومعضلة الكريم أنه يعيش عصر ينتمي إلى ثقافة أخرى، ثقافة تحث على التشبث بالأشياء واستغلال المواقف وعدم تفويت الفرص، عزيز النفس غريب في هذا الزمن.. يقول الشاعر الأول "ترّاك أمكنة إذا لم أرضها" ولو كان في عصرنا لقيل عنه غير ناجح ولا يحسن التكيف.
أثبت العدوان الأمريكي على إيران أن نظام الملالي يكن عداء مستحكما لدول المنطقة العربية ويتعامل معهم بعدائية وعنصرية واستعلاء.
ليس السبب كما يروج المتأيرنون العرب يكمن في القواعد الأمريكية، فقد اعتدت #إيران على العراق والكويت من قبل ولم تكن ثمة قواعد أمريكية في البلدين حينها.
العداء الإيراني لدول المنطقة بني على أسس عنصرية منذ زمن الشاه، ثم ألبسته الثورة الخومينية لباسا مذهبيا، فازدادت حدته.
لفهم السياسة الإيرانية يجب فهم الإيديولوجية المذهبية التي يقوم عليها النظام الثيوقراطي الحاكم، والتي ضمنها في دستوره.
فالسيطرة على المنطقة عبر تصدير المذهب "الثورة" جزء أصيل منها، وتوظيف الحركات الإسلامية "السنية" أداة مهمة، وقضية فلسطين هي الذريعة التي بموجبها استباح الملالي وميليشياتهم المنطقة بشعوبها.
ولن تنعم المنطقة بالاستقرار إلا بالتخلص من الإيديولوجتين الصهيونية والإيرانية.
غير ذلك فالمعركة مستمرة سواء بقيت القواعد الأمريكية أو تم تفكيكها.
لقد بددت هذه الحرب أسطورة الصبر الاستراتيجي والدهاء الإيراني، وكشفت عن قرارات اتسمت بالسطحية والسذاجة السياسية وتفويت الفرص، وسلوكٍ أشبه بأسلوب العصابات؛ أفضى إلى تدميرٍ شاملٍ وباهظ لإيران.
عرّف الرئيس السوري أحمد الشرع سياسة سوريا بأنها مزيج بين حدّة السيوف الدمشقية ولين الحرير في استعارة تجمع بين القوة والدبلوماسية. لكنّ استدعاءه الجريء للسيوف الدمشقية، والتذكير بحدّتها في هذا الظرف تحديدًا، لا يبدو مجرد استحضار لرمز تاريخي، بل رسالة سياسية مبطنة إلى من يعتقد أن رهان سوريا على الدبلوماسية نابع من غياب البدائل وأن مرونتها تعكس محدودية خياراتها.
أَمضيت يومين مثمرين في دمشق، قابلت فيهما مجموعة من النخب السياسية والثقافية، واتاحت لي وزارة الثقافة متكرمة فرصة الالتقاء بجمهور من السوريين في قاعة المكتبة الوطنية عبر محاضرة عن الوضع الراهن في المنطقة.
هذه هي الزيارة الثانية لي إلى دمشق بعد التحرير، وأكرر ما هو يقيني عندي:أن سوريا هي أمل المشرق، وحصنه، وعمقه. هذا اليقين لم يحصل لمجرد موقع سوريا الجيوسياسي الحاسم، بل لأن فيها شعبا مؤهل للقيادة، وتحمل المسؤولية. يكفي أنه بعد أكثر من ستة عقود من التجريف الفكري والسياسي والاقتصادي والأخلاقية للدولة، ما زال الناس في سوريا يقرأون، ويهتمون بالفكر، و بالجدل وببناء الدولة. هذا بالأمر ليس طبيعيا، فلدينا ثلاثة أجيال على الأقل، تأسست وسط فقاعة من الخراب و الاستبداد وتزييف الوعي والتاريخ، بل على الفصل ما بين الشعب والدولة، واعتبار السوريين رعايا لا مواطنين. عموما كانت الثورة بحد ذاتها هي طريقة السوريين لكسر تلك الفقاعة، وبناء واقع جديد هم صانعوه ولم يجلبه لهم أحد. هذا هو بالضبط سر تلك القوة عند السوريين، أنهم يشعرون جميعا بالعزّة، عزّة الإنجاز بالثورة والانتصار فيها. حينما يقوم سواك بتغيير قدرك عبر التدخل العسكري لاسقاط النظام فذلك سيشعرك بالعار، ويبقى الأمر ملازم لك، أما أن تغير أقدارك بيدك، وتدفع تضحيات دون ذلك، فهو ما يفرق النصر إلى إستعادة الكرامة والكثير الكثير من الاعتزاز بالذات والوطن والهوية.
هذا ما وجدته على الأقل في عيون السوريين، وعند الحوار مع المثقفين والأكاديميبن، ومنهم وزير الثقافة الشاعر والمثقف محمد ياسين صالح، َوهو مجرد نموذج للمسؤول السوري الجديد الذي يعطي هو والعاملين معه من وقته وجهده ما يتجاوز حتى المطلوب منه، دون أن يفكر بالمقابل أو يسعى له. الحمد لله أننا نستعيد سوريا، وستكون ملهمة للمنطقة ومركز تحولاتها كما كانت دوما من قبل.
في عام 2023، عندما ضرب زلزال السادس من شباط المدمّر سوريا وتركيا، كانت مناطق شمال غربي سوريا الأكثر تضرراً في سوريا، ومع ذلك لم تتمكن فرق الإنقاذ الدولية من الوصول إليها في الساعات والأيام الحاسمة الأولى بسبب الظروف السياسة حينها، كما لم يسمح نظام الأسد لأي فريق أو مساعدات أن تعبر من مناطق سيطرته إلى أرياف إدلب وحلب.
يومها، وجد السوريون في شمال غربي سوريا أنفسهم أمام كارثة كبرى بإمكانات محدودة، ووقف الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، ومعه الأهالي، في مواجهة العجز والوقت وجبال من الركام، كانوا يسابقون الزمن، وينبشون بأيديهم بين الأنقاض، بحثاً عن حياة يمكن إنقاذها، وعن صوت ما يزال يقاوم تحت الركام ونجحنا يومها بإنقاذ مئات الأرواح.
أما اليوم، وفي سوريا التي نريدها ونؤمن بها، سوريا التي تحفظ قيمة الإنسان، أرسلت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث فريق بحث وإنقاذ متخصص، يضم عناصر من الذين استجابوا لكارثة زلزال شباط 2023، ليقطعوا مسافة تتجاوز 10 آلاف كيلومتر، ويشاركوا في أعمال الإنقاذ والاستجابة الإنسانية عقب الزلزال الذي ضرب فنزويلا.
هذه هي سوريا التي نحلم بها، سوريا التي لا تنسى ألمها، لكنها تحوّله إلى تضامن، سوريا التي ترى في إنقاذ الأرواح واجباً إنسانياً مشتركاً، يتجاوز الحدود والجغرافيا والسياسة.