في ذكرى المولد النبوي الشريف، نستحضر سيرة سيدنا محمد ﷺ، رسول الرحمة والمحبة، وما حمله من قيمٍ عظيمة في العدل والتسامح والإحسان.
نسأل الله أن يعيد هذه المناسبة المباركة على لبنان وأمتنا العربية والإسلامية بالخير والسلام والأمان، وأن يحفظ أوطاننا وأهلنا من كل سوء.
كل عام وأنتم بخير، وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ﷺ
في عيد الجيش اللبناني، كل التحية والوفاء لرجال المؤسسة العسكرية الذين يحملون مسؤولية حماية الوطن وصون أمنه واستقراره.
يبقى الجيش اللبناني الضامن الأول للأمن، والركيزة الأساسية لفرض سيادة الدولة على كامل أراضيها. فلا دولة قوية من دون جيش قوي، ولا سيادة حقيقية إلا عندما يكون السلاح محصوراً بيد الجيش اللبناني وحده، فلا سلاح فوق سلاحه ولا إلى جانبه.
كل عام وجيشنا بألف خير، وكل الأمل بأن يبقى رمز الوحدة الوطنية وحامي لبنان السيد، الحر، والمستقل.
في الرابع من آب، لا نقف أمام ذكرى أليمة عابرة، بل أمام جرح لا يندمل، وأمام واحدة من أفظع الكوارث التي شهدها هذا العصر، وثالث أعنف انفجار غير نووي في تاريخ البشرية، جريمة محت أحياء بأكملها من بيروت، وحولت عاصمة الحرية إلى ركام ودمار، وانتزعت أرواح مئات الشهداء، وأدمت آلاف الجرحى، وشردت عشرات آلاف العائلات، وغرست في ذاكرة اللبنانيين ندوباً لن تمحوها الأيام ولا السنون.
هذه الذكرى لا يجب ان تكون محطة للنحيب، وليست يوماً لتنكيس الأعلام وإلقاء الخطب الموسمية المكررة، بل هي صرخة وطنية متجددة، لا تعرف السكوت ولا الهدنة ولا المهادنة، تطالب بكشف الحقيقة كاملة غير منقوصة، ومحاسبة كل من تسبب بهذه الفاجعة، أياً كان موقعه، أياً كان نفوذه، أياً كان انتماؤه، ولو بلغ من القوة والحصانة ما بلغ.
إن هذه الجريمة لا تسقط بالتقادم، ودماء الأبرياء ليست ملفاً للمساومة، ولا رقماً في معادلات السياسة، ولا ورقة تستخدم للابتزاز والتسويات. والعدالة المؤجلة ليست عدالة على الإطلاق، بل هي جريمة ثانية ترتكب كل يوم بحق الضحايا وذويهم، وبحق كل لبناني ما زال يحمل هذا الوجع في صدره.
إن المنظومة التي حكمت لبنان يوم وقوع الانفجار، وكل من توالى على السلطة بعدها حتى هذه اللحظة، يتحملون مسؤولية قانونية وأخلاقية ووطنية كاملة عن تعطيل العدالة، وعن تحويل هذا الملف رهينة للحسابات الضيقة والتدخلات والضغوط والصفقات، في استخفاف غير مسبوق بعقول اللبنانيين، وبحقهم الطبيعي والمقدس في معرفة من قتل أبناءهم.
كيف يعقل أن تمر ست سنوات كاملة على أكبر كارثة في تاريخ لبنان الحديث، دون لائحة اتهامية نهائية، ودون مثول مسؤول واحد أمام القضاء، ودون أن يعرف اللبنانيون من دمر عاصمتهم وقتل أبناءهم؟ هذا ليس تقصيراً، بل هو تواطؤ صريح، وفضيحة وطنية وقضائية وأخلاقية لا يجوز السكوت عنها لحظة واحدة إضافية.
من هنا، فإنني أطالب السلطة القضائية اللبنانية، بلا مواربة ولا تردد، وبكل شجاعة وجرأة، بأن تمضي فوراً ومن دون أي إبطاء أو خضوع لأي ضغط سياسي أو أمني أو حزبي، في استكمال كل ما ينص عليه القانون، وصولاً إلى إصدار القرار الاتهامي، وكشف الحقيقة كاملة أمام الرأي العام، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته، مهما علا شأنه، إلى محاكمة عادلة ينال فيها العقاب الذي يستحقه.
كما أطالب جميع السلطات الدستورية بالكف فوراً عن التستر خلف الحصانات والمواقع والنفوذ السياسي كدرع لتعطيل العدالة، فالحصانة لم تخلق لتكون ملاذاً للإفلات من العقاب، ولا يجوز، ولن يقبل، أن يبقى أي مسؤول فوق القانون مهما علا شأنه.
إن الدولة التي تعجز عن محاسبة المتسببين بأكبر كارثة في تاريخها الحديث، هي دولة تفتح الباب أمام تكرار الكارثة، وترسل رسالة خطيرة مفادها أن الإفلات من العقاب أصبح قاعدة راسخة، وأن دم اللبنانيين لم يعد يساوي شيئاً أمام مصالح منظومة فاسدة متكلسة.
لقد ان الأوان، بل تأخر الأوان، لكسر هذه الحلقة المفرغة من الإفلات والتستر والتواطؤ.
إن لبنان لا يبنى على المقابر الجماعية، ولا على طمس الأدلة، ولا على حماية المجرمين، ولا على تغييب العدالة. فالأوطان تبنى بالحقيقة، وتصان بالمحاسبة، وتحمى شعوبها بسيادة القانون لا بسيادة النفوذ والمال والسلاح.
وفي هذه الذكرى الأليمة، أنحني إجلالاً أمام أرواح الشهداء الطاهرة، وأتوجه إلى عائلاتهم وإلى كل الجرحى والمتضررين بالقول: إن قضيتكم ليست قضية ماض يطوى، بل قضية مستقبل لبنان بأسره. ولن يقوم وطن يحترم أبناءه ما لم تتحقق العدالة كاملة، غير منقوصة، ولا مؤجلة.
سيبقى الرابع من آب وصمة عار أبدية على جبين كل من عرقل الحقيقة، وكل من أخفى معلومة، وكل من حمى مجرماً، وكل من ظن أن الزمن كفيل بإسقاط حق الشهداء.
فلتعلم المنظومة كلها: الحقيقة لا تموت، والعدالة، مهما تأخرت، فلا بد آتية، ولو طال الزمن، وستطال الجميع.
تتوالى في الأيام الأخيرة محاولات مبرمجة لاستغلال خبر عدم حصول لقاء بين معالي وزير الخارجية السوري السيد أسعد الشيباني والسيدة بهية الحريري، أو أي فرد من أفراد عائلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بهدف الإيحاء بأن ما يستهدف هو الحريرية السياسية نفسها.
إننا نرفض هذا التضليل جملةً وتفصيلاً.
فالحريرية السياسية ليست موعداً بروتوكولياً، وليست صورةً تذكارية، وليست امتيازاً يمنحه مسؤول لهذا أو يحجبه عن ذاك. الحريرية السياسية مشروع وطني وسيادي وإصلاحي متكامل، أسسه الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعرقه وجهده وإمكاناته الشخصية، وختمه بدمه الزكي، عندما دفع حياته ثمناً لرفضه إخضاع لبنان ولتمسكه بالدولة الحرة المستقلة والمنفتحة على العالم.
ومن يحاول اليوم اختزال هذا المشروع التاريخي بشخص، أو بمجموعة أفراد، إنما يسيء أولاً إلى إرث الرئيس الشهيد قبل أن يسيء إلى أي أحد آخر.
لقد آن الأوان للقول بوضوح إن الحريرية السياسية أكبر من الجميع، وأكبر من أي زعامة، وأكبر من أي موقع أو مرحلة سياسية. إنها مدرسة وطنية صنعت نهضة لبنان، ورسخت الاعتدال، وربطت لبنان بعمقه العربي وبالمجتمع الدولي، وأعادت بناء الدولة بعد الحرب، وأثبتت أن التنمية والاعتدال والسيادة تشكل مشروعاً وطنياً متكاملاً لا مجرد شعار سياسي.
إن الذين يدعون اليوم انهم يتحدثون باسم الحريرية السياسية مطالبون أولاً بأن يسألوا أنفسهم: أين أصبح مشروع الدولة؟ وأين أصبحت السيادة؟ وأين أصبحت المؤسسات؟ وأين أصبح الاقتصاد الذي بناه الرئيس الشهيد؟ وأين أصبحت علاقات لبنان العربية والدولية التي كانت مصدر قوته واحترامه؟
فمنذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، جرت محاولات متكررة لاغتيال الحريرية السياسية. واليوم نقول إن أخطر هذه المحاولات لم تأت من خصومها، بل ممن ادعوا تمثيلها بينما ابتعدوا عن مبادئها، حتى كاد المشروع الذي استشهد من أجله رفيق الحريري أن يختزل إلى مجرد اسم أو إرث سياسي فارغ من مضمونه.
الحريرية السياسية ليست إرثاً يورث بالاسم، بل مسؤولية تكتسب بالفعل.
ومن هذا المنطلق، فإننا لا نطالب بشرعية مستمدة من رابطة الدم، بل من التزامنا الكامل بثوابت الرئيس الشهيد، ومن مواقفنا الوطنية المعلنة، ومن رؤيتنا الواضحة لبناء الدولة، ومن شبكة علاقاتنا العربية والإقليمية والدولية التي تقوم على الاحترام المتبادل والثقة، والتي تعكس استمرار حضور مشروع الرئيس الشهيد في وجدان الأشقاء والأصدقاء، لا باعتباره ذكرى، بل باعتباره مشروعاً قابلاً للإنقاذ وإعادة البناء.
ولذلك نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل:
إذا كان هناك من يعتقد أن تغييب هذا الشخص أو ذاك، أو تجاهل هذه الشخصية أو تلك، يعني نهاية الحريرية السياسية، فهو واهم ولا يعرف الحريرية السياسية أصلاً.
فالحريرية السياسية لم تبدأ بمنصب، ولن تنتهي بلقاء.
بدأت عندما قرر رفيق الحريري أن يجعل من لبنان دولة لا مزرعة، ومن المواطن شريكاً لا تابعاً، ومن الاعتدال قوة لا ضعفاً، ومن الانفتاح خياراً استراتيجياً لا تكتيكاً مؤقتاً.
وهذا المشروع مستمر، ولن يتوقف عند أحد، ولن يختطف من أحد، ولن يستخدم غطاءً لمن انحرف عنه أو تخلى عن مبادئه.
أما بالنسبة إلى العلاقات اللبنانية السورية، فإنها يجب أن تبنى على صفحة جديدة قائمة على الاحترام المتبادل بين دولتين سيدتين مستقلتين، وعلى معالجة كل الملفات العالقة بروح المسؤولية والشراكة، بما يحفظ كرامة الشعبين ويخدم استقرار المنطقة، بعيداً عن إرث الوصاية أو التبعية أو الاصطفافات التي أثبت التاريخ فشلها.
لذلك نحن نرحب بكل علاقة تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ونرفض في المقابل أي محاولة لاستثمار العلاقات الخارجية في تصفية حسابات داخلية أو إعادة رسم الأحجام السياسية وفق معايير لا تمت بصلة إلى الإرادة الشعبية أو إلى التاريخ الوطني.
ونحن نقول لكل اللبنانيين، ولكل الأشقاء والأصدقاء، إن الحريرية السياسية الأصيلة ستبقى حيث تكون الدولة، والسيادة، والإصلاح، والاعتدال، والكرامة الوطنية.
هذه هي الأمانة التي نحملها، وهذا هو العهد الذي لن نحيد عنه مهما اشتدت الضغوط أو تبدلت الظروف.
The Lebanese people, who have paid an unbearable price through the loss of their rights, their opportunities, their savings, their dignity, and their prospects for the future, possess today the wisdom, experience, and political awareness necessary to distinguish clearly between those who seek to rescue the state and those who seek merely to preserve the system that destroyed it. They are fully capable of identifying the path that leads to national recovery and rejecting those whose words, actions, and conduct have contributed to Lebanon’s prolonged collapse, regardless of title, position, or affiliation.
History will not absolve you.
History does not forgive those who squander opportunities, who destroy the resources of their nation, or who condemn their people to poverty, exile, and despair.
The Lebanese people have endured for far too long, certainly longer than any people should ever be expected to endure.
Lebanon deserves life. Lebanon deserves a future worthy of its history, its people, and its potential. And that future is coming, regardless of how desperately the forces of the past attempt to delay its arrival.
As for us, we will continue to confront this failed order politically, morally, and democratically. For nations are not governed by imagined numbers, manufactured majorities, or artificial claims of supremacy. They are ultimately shaped by the will of their people and by the hearts of those who have endured injustice, humiliation, deprivation, and broken promises until they can endure no more.
When a people’s conscience awakens and rises, it becomes the most powerful force in history.
And woe to those who choose to stand in its path.
إن المتغيرات الاستراتيجية الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، وتحديداً في الشرق الأوسط والمشرق العربي، لم تعد مجرد مؤشرات عابرة، بل وقائع راسخة تعيد تشكيل موازين العالم والمنطقة بأكملها. فالعراق عاد ليؤكد عمق انتمائه العربي ودوره الطبيعي في محيطه، مثبتاً أن كل محاولات اقتلاعه من جذوره التاريخية لم تكن إلا أوهاماً سقطت أمام منطق التاريخ والجغرافيا. وسوريا تستعيد اليوم موقعها كحاضنة طبيعية لبلاد الشام، فيما يواصل الأردن، بثبات ورسوخ، تجسيد نموذج الاستقرار والعقلانية السياسية، مواكباً هذه التحولات الكبرى بثقة من يعرف موقعه في المعادلة الجديدة.
وسط هذا المشهد الدولي والإقليمي المتغير، بهذه الوتيرة وهذا العمق، يقف لبنان أمام استحقاق لا مجال لتجاهله، فمن المستحيل، بل من غير المنطقي، أن يستمر هذا الوطن رهينة منظومة سقطت سياسياً وأخلاقياً ووطنياً، ولم يبق لديها من وسائل البقاء سوى المناورة تلو المناورة، حفاظاً على امتيازات بنيت على أنقاض الدولة ومستقبل أجيالها بأكملها.
لقد راهنت هذه المنظومة طويلاً على نظريات استهلكت نفسها، سواء من خلال التذرع بحماية مكونات هي في غنى عن مثل هذه الحماية المزعومة، أو من خلال التمسك بأوهام تفوق عددي لم يعد له أي قيمة استراتيجية في ظل المعادلات الإقليمية الجديدة، وبالتالي فإن حكم الأقليات قد سقط الى غير رجعة، ومن يحاول اليوم السباحة عكس هذا التيار التاريخي الجارف، فإن مصيره الغرق المحتوم. ولذلك نؤكد بكل وضوح وحزم، لن نسمح، تحت أي عنوان أو ظرف أو معادلة، بأن يسحب لبنان معها إلى تلك القعر.
إن لبنان ليس جزيرة معزولة عن محيطه الطبيعي والتاريخي، ومن لم يستوعب حتى الساعة حجم المعادلة الدولية والإقليمية الجديدة فتلك مشكلته الخاصة، أما أن يحاول ترجمة أوهامه إلى وقائع على حساب الوطن وشعبه، فهذا ما لن يكون مقبولاً ولن يكون ممكناً بأي شكل من الأشكال. فالقائم على الوهم لا يحصد إلا الوهم، والساعي خلف السراب لا يقود إلا إلى الخراب.
لقد انتهى زمن هذا النظام وهذه المنظومة، ولن تقوم لهما قيامة بعد اليوم. فالشعب اللبناني، الذي دفع من حقوقه وإمكاناته وكرامة عيشه أثماناً لا تحتمل، يملك من الذكاء والفطنة والتجربة ما يكفي ليرى بوضوح لا لبس فيه، ويختار بكل كفاءة الجهة القادرة على إنقاذه من أقوال وأفعال وممارسات هذه المنظومة، أياً كانت صفتها أو موقعها.
التاريخ لن يرحمكم.
التاريخ لا يرحم من أضاع الفرص، ولا من بدد مقدرات الوطن، ولا من دفع شعبه إلى الفقر والهجرة والانكسار.
لقد صبر اللبنانيون طويلاً، ومؤكداً أكثر مما ينبغي.
إن لبنان يستحق الحياة، ويستحق مستقبلاً أفضل، وهذا المستقبل آت، مهما حاولت قوى الماضي أن تؤخر وصوله.
ونحن سنواجهكم، فليس بالأعداد الوهمية تحكم الشعوب، بل بالقلوب التي امتلأت قهراً وظلماً وانكساراً حتى انتفضت. وويل لمن يقف في طريق انتفاضتها.
لم يعد في الإمكان إقناع اللبنانيين بعد اليوم بأن إعادة إنتاج الفشل تشكل مشروع إنقاذ، أو أن تدوير الأزمة ذاتها بأدواتها ورموزها ومساراتها قادر على انتشال لبنان من أعمق انهيار شهده منذ قيام دولته الحديثة. فقد أسقطت التجربة كل الأوهام، وأفضى الواقع إلى حكم لا استئناف منه: المنظومة التي قادت البلاد إلى الانهيار لا تملك مفاتيح الخروج منه.
إن أي محاولة لتعويم هذه المنظومة أو إعادة تشغيلها تحت مسميات جديدة ليست مشروع حل، بل هي في جوهرها مشروع إطالة الأزمة وتأجيل انفجارها الكبير، على حساب شعب استنزف صبره، وتاكلت ثقته بكل وعد لم يتحول إلى فعل، وبكل شعار لم يصمد أمام اختبار الحقيقة.
لقد ثبت بما لا يقبل الجدل أن الرهان على من أخفقوا هو رهان خاسر بطبيعته وأن الرهان على الفاشلين رهان فاشل، وأن من عجزوا عن بناء الدولة في زمن الاستقرار لن يكون لهم الدور ولا القدرة على إنقاذها في زمن الخطر الوجودي. وثبت كذلك أن التمسك بالمعادلات البائدة ومحاولة فرضها على واقع إقليمي ودولي متحول ليس سوى إنكار للحقائق وتهرب من مواجهة الأسباب الجذرية للانهيار.
غير أن لبنان ليس قدراً مغلقاً، ولا هو محكوم بالاختيار بين استمرار الانهيار وبين إعادة إنتاج أسبابه. فالبديل الوطني السيادي الإصلاحي موجود، والطاقات البشرية والاقتصادية الكفيلة بإطلاقه موجودة، والدعم الإقليمي والدولي لكل مشروع جاد لبناء الدولة موجود وجاهز، شريطة أن تتوافر الإرادة السياسية الصادقة، والرؤية الاستراتيجية الواضحة، والقيادة الجديرة بحمل مشروع الإنقاذ الحقيقي.
إن المنطقة بأسرها تشهد اليوم تحولات تاريخية تعلن من خلالها بوضوح أن زمن منظومات الهيمنة والفساد والتعطيل والجمود السياسي إنتهى بلا رجعة.
لقد تغير الزمن، وتغيرت المنطقة، وتبدلت موازين السياسة والاقتصاد والتنمية تبدلاً جوهرياً. ومن يعتقد اليوم أنه قادر على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء إنما يراهن على أوهام لن تصمد طويلاً أمام حركة التاريخ وإرادة الشعوب.
لذلك فإنني أجزم أن إرادة بناء الدولة ستنتصر في نهاية المطاف، لأن منطق المستقبل أعمق جذوراً وأبعد أفقاً من إرث الانهيار، ولأن الشعوب وإن طال صبرها وتكاثرت جراحها، فإنها لا تقبل إلى الأبد أن تظل رهينة منظومات أثبتت إفلاسها أمام أبنائها وأمام التاريخ والعالم معاً.
إن ما يحصل اليوم من تطورات متسارعة ومتلاحقة يكشف بجلاء وبصورة لا تقبل الجدل، حجم الانهيار العميق الذي أوصلت إليه وطننا الحبيب، منظومة فاسدة ومفسدة نخرت جسد الدولة اللبنانية من الداخل، وحولت مؤسساتها الوطنية إلى ساحات نفوذ ومصالح ومحاور ضيقة، وضربت في الصميم أسس السيادة والقانون والدستور، وزجت بلبنان في عزلة عربية ودولية لم يشهد لها تاريخه مثيلاً.
لقد رفعنا الصوت عالياً، مراراً وتكراراً، محذرين من خطورة إبقاء هذه المنظومة قابضة على مفاصل الدولة ومفاتيح قرارها، ومن عواقب تحويل لبنان إلى رهينة لمشاريع خارجية وأجندات غريبة تتناقض جذرياً مع مصالح الشعب اللبناني وهويته الأصيلة وتاريخه الاقتصادي والسياسي والانفتاحي العريق. اليوم تثبت الوقائع مجدداً أن هذه الطبقة السياسية والأمنية والمالية المتشابكة المصالح لم تعد عبئاً داخلياً ثقيلاً فحسب، بل باتت موضع اتهام وملاحقة ومحاسبة على الصعيد الدولي، بعد أن أسهمت بصورة مباشرة وممنهجة في تدمير الاقتصاد الوطني وإسقاط القطاع المالي وتفكيك مؤسسات الدولة وتحطيم الثقة العربية والدولية بلبنان.
وإن كل من يسعى اليوم إلى تبرير استمرار هذه المنظومة أو الدفاع عنها أو التغطية على ممارساتها أو التعاون معها تحت أي مسمى أو عنوان، إنما يشارك بوعي كامل في إبقاء لبنان غارقاً في وحل الانهيار والفوضى والعزلة والانكشاف التام. فالمشكلة لم تعد في تشخيص الأزمة أو توصيف أبعادها، بل في الإصرار المتعمد والممنهج على حماية أسبابها وصون أدواتها وتحصين رموزها.
لقد تهاوت كل الشعارات وانكشفت كل الأقنعة أمام حقيقة راسخة لا مفر منها: لا قيام لدولة في ظل سلاح خارج عن الشرعية وموجه بأجندات غير وطنية، ولا مستقبل للبنان في ظل منظومة قامت على المحاصصة والفساد والتبعية، وأحكمت إمساكها بمسار التعطيل وتدمير المؤسسات والانقلاب المستمر على اتفاق الطائف وتطيير روحيته ومندرجاته.
ومن هنا، فإن الحريرية الوطنية والسياسية، بما تمثل ومن تمثل، وبما تحمله من مشروع اعتدال عربي وسيادي وإنمائي متكامل، وبما تختزنه من تجربة دولة راسخة ومؤسسات وانفتاح وعلاقات عربية ودولية متينة، تبقى القوة الوطنية المركزية المؤهلة والمعنية أولاً بإنقاذ لبنان وإعادته إلى مسار التعافي الحقيقي، بعيداً عن المغامرات العبثية والسياسات الانتحارية التي أوصلت اللبنانيين إلى الفقر والانهيار والهجرة القسرية وفقدان الأمل.
إن المنطقة بأسرها تدخل اليوم مرحلة تحولات كبرى وعميقة، والتغيير الإيجابي والتاريخي الذي شهدناه لدى الأشقاء في العراق وسوريا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن زمن الأنظمة المغلقة ومنظومات الفساد والسيطرة والتعطيل لم يكن ولن يكون قدراً محتوماً وأبدياً، وأن إرادة الشعوب في استعادة دولها وسيادتها واستقرارها ستبقى دائماً أقوى من مشاريع الفوضى والانهيار، مهما عظمت التحديات وجسمت التضحيات.
وسيأتي التغيير… لأنه بات ضرورة وطنية وتاريخية جوهرية لا قبل لأحد بوقفها، ولأن لبنان لا يمكن ولن يقبل أن يبقى أسيراً لمنظومة أثبتت فشلها الذريع وسقوطها الأخلاقي والسياسي أمام شعبها وأمام ضمير العالم.
في مثل هذا اليوم من عام 2008، اجتاح مسلحو حزب الله بيروت بالسلاح الذي قيل للبنانيين إنه “سلاح مقاومة”، فتحوّل إلى سلاح ترهيب في الداخل، ووجّه إلى صدور أبناء الوطن بدل أن يكون لحماية الوطن.
السابع من أيار لم يكن مجرد حدث عابر، بل يوم سقط فيه منطق الدولة أمام منطق الميليشيا، ودفعت فيه بيروت وأهلها ثمن مشروع يقوم على القوة والتهديد وفرض الإرادة بالقوة.
بعد كل هذه السنوات، ما زال اللبنانيون يدفعون ثمن السلاح الخارج عن سلطة الدولة: عزلة، انهيار، خوف، وحروب لا قرار لهم فيها.
وحدها الدولة تحمي اللبنانيين، ووحده الجيش الشرعي يضمن الأمن والسيادة، أما السلاح غير الشرعي فلم يجلب للبنان إلا الدمار والانقسام.
السابع من أيار سيبقى وصمة سوداء في تاريخ من وجّه السلاح إلى الداخل، وذكرى مؤلمة في وجدان البيروتيين خاصةً واللبنانيين عامةً، ودليلاً قاطعاً على أن لا مستقبل للبنان إلا بدولة قوية عادلة، لا شريك لها في السيادة ولا منافس لها في السلاح.
ما جرى في بيروت اليوم مرفوض بكل المقاييس.
إطلاق النار على المدنيين أمر لا يمكن القبول به تحت أي ذريعة، أمن البيروتيين ليس ساحة فوضى، ولا يجوز أن يتحول المواطن إلى ضحية بين تجاوزات بعض العناصر الأمنية من جهة، وعبث الخارجين على القانون من جهة أخرى.
بيروت لن تُحكم بمنطق الترويع، لا من أي جهة كانت. المطلوب تحقيق شفاف وفوري يحدد المسؤوليات ويحاسب كل من أطلق النار أو اعتدى على الناس.
الدولة القوية تُبنى بالمحاسبة، وهيبة القانون لا تتجزأ.
لبنان لن يُنقذ بمنظومة فاشلة عجزت عن حماية الدولة وسيادتها، وتحولت إلى طوق ثقيل حول عنق الوطن. إنهاء دورها لم يعد خياراً سياسياً، بل واجب وطني عاجل.
الطريق الوحيد إلى الاستقرار: تطبيق القرارات الدولية بشكل كامل وتحديداً القرارين 1559 و1701، واستعادة الدولة لاحتكار السلاح. أي دولة لا تحكم قبضتها على السلاح لا تستحق السيادة.
الاعتداءات على القوات الدولية وسقوط الضحايا من بين الاصدقاء الفرنسيين هو نتاج طبيعي لهذه الفوضى التي رعتها المنظومة.
من هنا لا بد لنا من تنبيه المجتمع الدولي: استمرار هذا العبث يهدد لبنان والعالم.
حان وقت الحسم: إما دولة قوية تطبق الشرعية الدولية، أو انهيار وعزلة.
والخيار الأخير لن نقبل به تحت اي ظرف كان.
الأبواق الإيرانية التي يمثلها اليومَ سياسياً متعجرفاً، التي تحاول تشويه نهج الشهيد رفيق الحريري، والتي تجرؤ على إعطاء اللبنانيين دروساً في الوطنية، هي ذاتها التي حوَّلت لبنان على مدى عقود إلى ساحة للفوضى والدمار ومسرحٍ لصراعاتها الدموية.
نهج الشهيد رفيق الحريري كان مشروع دولةٍ حرَّةٍ سيدةٍ مزدهرة، مشروع إعمار واقتصاد وعلاقات عربية أصيلة وراسخة، وليس مشروع ميليشيات طائفية ولا ساحات نفوذٍ وصراعات مفتعلة وفتن.
من يراهن على طمس هذا النهج، أو على إخضاع اللبنانيين بمنطق التهديد والوصاية، سيدرك حتماً أن مشروع الدولة الذي قاده الشهيد رفيق الحريري أبقى من كل مشاريع الهيمنة الواهية.
وأما أنتم، فسوف تجدون أنفسكم في يوم قريب جداً أنكم بحاجةٍ ماسَّة إلى نهج رفيق الحريري، وسترون أنكم مدفوعون لدقِّ باب "الحريرية" السياسية طالبين ما كنتم ترفضونه اليوم .
إن الزمن يومٌ معكم، والف عليكم.
فمن يزرع الريح لا يحصد إلا العواصف.
قلوبنا اليوم مع أهلنا في بيروت وكل لبنان الذين دفعوا ثمناً غالياً من دمائهم وأمنهم جراء الهجمات العنيفة التي أصابت العاصمة ومناطق عدة. أتقدّم بأحرّ التعازي من عائلات الضحايا، وأتمنى الشفاء العاجل للجرحى، وأدعو الله أن يحفظ لبنان وأهله، وأن يبقى تضامننا الإنساني السلاح الأقوى في مواجهة هذه المحنة الأليمه.
إنّ إيماننا المطلق بسلام عادل وشامل لا ينفصل عن إيماننا بأن السلام الحقيقي يبدأ بإعادة بناء الدولة اللبنانية نفسها، واستعادة سيادتها، وتحرير قرارها الوطني من أي وصاية أو سلاح خارج إطارها، لأن الدولة القوية وحدها هي القادرة على حماية الاتفاق، وصون حدوده، ومنع تحويله إلى ورقة تفاوضية بيد أي طرف خارجي.
إنّ القواعد التي نتحدث عنها اليوم ليست مطلباً سياسياً فئوياً، ولا مشروعاً مرحلياً، بل هي المعادلة الوحيدة القادرة على إنتاج سلام مقبول ومستدام، سلام يحمي لبنان من انتكاسات جديدة، ويمنع تكرار التجارب المريرة التي دفع اللبنانيون أثمانها من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم.
ومن هنا، فإننا نحذّر بوضوح من أن أي مفاوضات تُدار في ظل دولة ضعيفة وسلاح منفلت وقرار سيادي مُصادَر، لن تنتج سلاماً، بل ستنتج تسوية هشة قابلة للانفجار عند أول اختبار إقليمي.
لقد وصل لبنان إلى لحظة تاريخية لا تحتمل التردد ولا المناورة.
لحظة تُفرض فيها الخيارات الكبرى، ويُعاد فيها رسم توازنات المنطقة، وتُختبر فيها قدرة الدول على حماية مصالحها ومستقبل شعوبها.
وفي هذه اللحظة، نقول بوضوح:
إن لبنان لا يحتاج إلى سلام شكلي، بل إلى سلام سيادي.
ولا يحتاج إلى تسويات مؤقتة، بل إلى اتفاقات ثابتة تحميها دولة قوية.
ولا يحتاج إلى سلطة عاجزة، بل إلى دولة حقيقية تملك قرارها وتفرض احترامها.
إن الطريق إلى السلام الحقيقي يمرّ أولاً عبر استعادة الدولة اللبنانية من قبضة الفشل والسلاح غير الشرعي، وبناء مؤسسات قوية قادرة على حماية الوطن والتفاوض باسمه بثقة وصلابة.
فإما أن يكون لبنان دولة قوية تصنع السلام من موقع السيادة،
وإما أن يُدفع إلى تسويات قسرية تُكرس ضعفه وتهدد مستقبله
وهذا ما لن نقبل به، ولن نصمت حياله، ولن نساوم عليه.
بهاء رفيق الحريري
٢٠٢٦/٤/١٢
إن بدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية، وفي مقرّ وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، يشكّل محطة مفصلية بالغة الحساسية في تاريخ لبنان الحديث، لا يمكن التعامل معها بعقلية المناورات، ولا بعقلية السلطة التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار، ولا بمنطق التسويات الهشة التي أثبتت التجارب أنها لا تنتج إلا أزمات متلاحقة.
إنّ السلام، بالنسبة لنا، ليس شعاراً ظرفياً ولا مناورة سياسية، بل مسألة جوهرية تتصل بمصير لبنان ومستقبل أجياله. لكننا نؤكد بوضوح لا لبس فيه أن السلام الحقيقي ليس أي سلام، بل هو سلام الأقوياء القائم على توازن الشرعية والقوة، لا سلام الضعفاء الذي يتحوّل إلى استسلام مقنّع، ولا سلام العاجزين الذي يولّد انتكاسات أخطر من الحروب نفسها.
ومن هنا، فإن السؤال الأساسي الذي يجب أن يُطرح اليوم، داخلياً وخارجياً، ليس فقط: هل ستُعقد المفاوضات؟
بل: من يمتلك الشرعية والقوة والمصداقية ليقود سلاماً دائماً باسم لبنان؟
إنّ الحقيقة التي لم يعد ممكناً إنكارها، باعتراف اللبنانيين والمجتمعين الإقليمي والدولي على حدّ سواء، هي أن المنظومة الحاكمة في لبنان فقدت أهلية القيادة وفقدت صدقيتها السياسية والمؤسساتية، بعدما فشلت فشلاً ذريعاً في بناء دولة المؤسسات، وعجزت عن حماية سيادة لبنان، وسمحت بقيام دويلة مسلّحة خارج إطار الدولة، تتحكم بقرار الحرب والسلم، وتضع لبنان في قلب صراعات إقليمية لا طاقة له على تحمّل نتائجها.
لقد أثبتت التجربة المريرة أن الدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع أن تصنع سلاماً، والدولة التي لا تملك قرارها لا تستطيع أن تضمن اتفاقاً، والسلطة التي عجزت عن إدارة شؤون شعبها لا يمكن أن تكون مرجعاً موثوقاً في أخطر مفاوضات تتعلق بمصير الوطن.
لقد تعلّمنا من الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن الخلاص الوحيد للبنان يبدأ من الداخل، من إقامة دولة مؤسسات قوية، دولة قانون وعدالة، دولة قادرة على إدارة ملفاتها الداخلية بكفاءة، وعلى مخاطبة العالم بثقة، وعلى الدخول في أي مفاوضات من موقع الدولة لا من موقع الضعف أو الارتهان.
إنّ أي سلام عادل وشامل لا يمكن أن يقوم إلا على أسس واضحة وثابتة، في مقدّمها قيام دولة لبنانية قوية يحميها جيشها الوطني وحده، ويُحصر السلاح بيده دون سواه، ليكون المرجع الأمني الوحيد الممسك بزمام المبادرة الأمنية داخلياً وعلى الحدود، ولتكون الدولة وحدها صاحبة القرار السيادي في السلم والحرب.
إنّ هذه القواعد ليست شروطاً سياسية عابرة، بل هي الضمانة الوحيدة لسلام قابل للحياة، سلام لا يُفرض على اللبنانيين، ولا يُرتهن للخارج، ولا يُباع مقابل مكاسب سياسية آنية، بل يُبنى على أساس قوة الدولة وشرعيتها، ويحظى بقبول وطني جامع.
وفي هذا السياق، فإننا نؤكد أن الدور الأميركي، باعتبار الولايات المتحدة الراعي الأساسي لهذه المفاوضات، يشكّل عاملاً محورياً في ضمان نجاح أي مسار تفاوضي. فالولايات المتحدة، بما تملكه من نفوذ سياسي وأمني، ليست مجرد وسيط، بل مرجع أساسي وضامن مباشر لأي اتفاق محتمل، ومسؤولة بشكل واضح عن ضمان تنفيذه ومنع انهياره تحت ضغط الوقائع الإقليمية أو المناورات السياسية.
كما نؤكد أن الجانب الإسرائيلي، وفي مقدّمته حكومة بنيامين نتنياهو، لا يستطيع الاستمرار في سياسة المناورة إلى ما لا نهاية، سواء بدوافع داخلية إسرائيلية أو بحسابات إقليمية، لأن استمرار سياسة فرض الوقائع بالقوة لن ينتج استقراراً، بل سيؤدي إلى دورات متكررة من التصعيد وعدم الاستقرار، تهدد أمن المنطقة بأكملها.
ما كشفه تقرير رويترز بتاريخ ٢٠٢٦/٣/٢١ عن إعادة هيكلة وتنظيم وتدريب حزب الله بإشراف ومشاركة ضباط من الحرس الثوري الإيراني منذ ٢٠٢٤، ليس وليد لحظة، بل هو تتويج لمسار كنا نفضحه ونحذر منه منذ أكثر من سنة ونصف، إن المنظومة الحاكمة لم تحمِ الدولة بل حمت السلاح غير الشرعي، ولم تدّعِ السلم الأهلي إلا لتغطية شراكة فعلية مع مشروع يضع قرار الحرب والسلم خارج الدولة، ولم تكتفِ بحماية هذا المشروع، بل تحالفت معه وتعاونت لتأمين غطائه السياسي.
إن كانت هذه المنظومة تجهل حجم الانخراط المباشر للحرس الثوري في قرار الحرب والسلم على أراضيها، فتلك مصيبة تُفقد الدولة معناها. وإن كانت تعلم وتوافق وتساند، فالمصيبة أعظم: إنها شراكة في تفكيك الوطن تحت عنوان وهمي.
موقفي الثابت والنهائي اليوم أوضح من أي وقت مضى: لا إصلاح مع هذه المنظومة، لا دولة مع بقائها، لا مستقبل مع استمرارها في مواقع القرار. إبعادها فوراً لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية جامعة لإعادة لبنان إلى مساره الطبيعي في محيطه العربي والعالم، قبل فوات الأوان.
إنّ ما نشهده اليوم من قرارات متلاحقة ومناورات سياسية تحت عناوين ظاهرها سيادي وباطنها إنقاذي للمنظومة الحاكمة، يؤكد مرة جديدة أن هذه السلطة لم تتعلّم شيئاً من الانهيار الذي تسببت به، ولم تتخلَّ لحظة عن سياساتها القائمة على الخداع، والمناورة، وإطالة عمرها على حساب الدولة والشعب.
إنّ خطوة إبعاد السفير الإيراني، التي حاولت المنظومة تسويقها كإنجاز سيادي، ليست في جوهرها سوى مناورة سياسية مكشوفة، هدفها امتصاص الغضب الداخلي والخارجي، وإعادة تعويم سلطة فقدت شرعيتها الوطنية والأخلاقية. فالمشكلة لم تكن يوماً في وجود سفير، بل في السماح المنهجي والمقصود بتغلغل الحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية، وتمركزه في مواقع عسكرية تابعة لحزب الله، وممارسة أنشطة عسكرية وأمنية من داخل لبنان خدمةً لمصالح طهران، على حساب سيادة الدولة وأمن شعبها.
كان الأجدر بهذه السلطة، لو كانت تملك الحد الأدنى من الإرادة الوطنية، أن تمنع منذ البداية دخول الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان، وأن ترفض تحويل أراضيه إلى منصة عسكرية إقليمية. لكنها لم تفعل، لأنها شريكة في هذا المسار، ومستفيدة منه، ومتواطئة في نتائجه الكارثية.
لقد تحمّل لبنان، بسبب هذه السياسات، أثماناً تدميرية لا يمكن لأي دولة أن تتحملها، سياسياً، وأمنياً، واقتصادياً، ومالياً. فقد دُمّرت بنية الدولة، واستُنزفت مقدراتها، وتآكلت مؤسساتها، وتحوّل شعبها إلى رهينة للفقر والانهيار، فيما استمرت المنظومة في إدارة البلاد بعقلية الصفقات، والمحاصصة، والهروب إلى الأمام.
ومع ذلك، فإن الوقت لم يفت بعد
لا يزال بإمكان فرنسا، ومعها المجتمع الدولي، تصحيح المسار، والاصرار على سياسة حماية الدولة اللبنانية وشعبها، عبر دعم مشروع استعادة السيادة، وتعزيز مؤسسات الدولة الشرعية، وفرض المساءلة على كل من تسبّب في هذا الانهيار التاريخي.
إنّ الحقيقة التي لم يعد ممكناً تجاهلها هي أن المنظومة الحاكمة في لبنان لم تعد مجرد سلطة فاشلة، بل تحوّلت إلى عبء وجودي على الدولة، وعائق مباشر أمام أي مشروع إنقاذ حقيقي.
وإنّ استمرارها في الحكم، تحت أي عنوان أو تسوية، لن يعني سوى استمرار الانهيار، وتكريس فقدان الدولة، وتعميق معاناة اللبنانيين.
لقد آن الأوان لكشف الحقائق بلا مواربة، ولمحاسبة المسؤولين بلا استثناء، ووضع حدّ نهائي لسياسات التضليل والتسويف التي دمّرت لبنان.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى مناورات شكلية، ولا إلى قرارات استعراضية، بل إلى إرادة سيادية حقيقية، تعيد بناء الدولة، وتحمي حدودها، وتصون كرامة شعبها.
فإما أن يُستعاد لبنان دولةً سيدةً حرةً،
وإما أن يستمر رهينةً لمنظومة لم تجلب له سوى الانهيار.
ولن يكون اللبنانيون بعد اليوم شهوداً صامتين على تدمير وطنهم.
يحلّ العيد هذا العام ولبنان يمرّ في واحدة من أصعب مراحله، بين وجع النزوح، وقلق المستقبل، وتحديات تهدد استقراره وهويته. ومع ذلك، يبقى إيماننا راسخاً بأن هذا الشعب الذي صمد في وجه المحن، قادر على النهوض مجدداً بإرادته ووحدته.
في هذه الأيام المباركة، نتوجه بتحية لكل عائلة تواجه الألم بصبر وكرامة. إن مسؤوليتنا اليوم أكبر من أي وقت مضى، مسؤولية استعادة الدولة، وترسيخ الأمن، وبناء مستقبل يليق بتضحيات اللبنانيين.
نسأل الله أن يحمل هذا العيد معه بداية الخلاص، وأن يعيد لبنان وطناً آمناً مستقراً، يجمع أبناءه على مشروع إنقاذ حقيقي، حاسم وجذري.
كلي ثقه وأمل ان العيد القادم سيحمل معه الخير والبركه والسلام للبنان وشعبه الطيب
فطر مبارك.
بهاء رفيق الحريري
منذ اللحظة التي وصل فيها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى بيروت في أعقاب كارثة الرابع من آب 2020، قدّم نفسه بوصفه حاملاً لمبادرة إنقاذ للبنان. وقد تعهّد أمام الشعب اللبناني والمجتمع الدولي بأن فرنسا لن تسمح بانهيار الدولة اللبنانية تحت وطأة الفساد والسلاح غير الشرعي. يومها سمع اللبنانيون وعوداً كبيرة بالإصلاح والمحاسبة وإعادة بناء الدولة.
لكن بعد أكثر من خمس سنوات على إطلاق تلك التعهدات، يحق للبنانيين أن يطرحوا سؤالاً واضحاً ومباشراً: ماذا حققت هذه المبادرة فعلياً للبنان؟ وهل كانت تهدف حقاً إلى إنقاذ الدولة، أم أنها صُمّمت لإعادة تأهيل المنظومة السياسية نفسها التي دمّرتها؟
إن التجربة منذ عام 2020 كشفت حقيقة مؤلمة. فمبادراته لم تُضعف المنظومة الحاكمة التي فكّكت لبنان، بل وفّرت لها عملياً مظلة سياسية ودبلوماسية مكّنتها من الاستمرار. إنها المنظومة نفسها التي دفعت الدولة إلى الانهيار الكامل، ونهبت الاقتصاد الوطني، وأفرغت المؤسسات العامة من مضمونها، وحوّلت لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
واللبنانيون يعرفون جيداً طبيعة هذه المنظومة. فهي منظومة لا يبتعد إجرامها كثيراً عن إجرام النظام المجرم الذي انهار في سوريا. منظومة شاركت سياسياً وأمنياً في التغطية على الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري، وأسهمت في تدمير الدولة السورية، ووقفت متفرجة فيما كان مئات الآلاف من السوريين يُقتلون ويُشرَّد الملايين منهم. واليوم، تسعى هذه المنظومة نفسها إلى الاستمرار في حكم لبنان وكأن شيئاً لم يكن.
والأكثر إثارة للقلق أن هذه المنظومة لم تحظَ يوماً بقبول حقيقي في العالم العربي أو في المجتمع الدولي. فقد كانت دائماً موضع شك ورفض وانعدام ثقة عميق. وهي اليوم مرفوضة إقليمياً ودولياً، ومرفوضة بشكل متزايد من غالبية اللبنانيين الذين دفعوا ثمن فسادها وانهيارها. أما القوة الوحيدة التي أبقتها على قيد الحياة فهي الدعم الإيراني؛ وهو الدعم الذي جرّ لبنان من كارثة إلى أخرى، ومن عزلة إلى عزلة أعمق، حتى أصبح بلدنا خارج المدار الطبيعي لكلٍ من العالم العربي والمجتمع الدولي.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم على الرئيس إيمانويل ماكرون شخصياً: ما هو الدور الحقيقي الذي تلعبه في لبنان؟ هل هو الدفاع عن الدولة اللبنانية، أم حماية المنظومة نفسها التي دمّرت هذه الدولة؟
إن ما يثير القلق العميق أن سياساته منذ عام 2020 ساهمت عملياً في إطالة عمر هذه الطبقة السياسية الفاشلة. وكثيرون في لبنان يرون أن هذه السياسات وفّرت لها غطاءً سياسياً فرنسياً، تجسّد بشخصه، مكّنها من الاستمرار في الإمساك بالدولة رغم سقوطها الكامل سياسياً وأخلاقياً.
ولهذا السبب، لم يعد الأمر مجرد قضية سياسية، بل أصبح مسألة مسؤولية تاريخية. فهل يدرك الرئيس أن إعادة تعويم هذه المنظومة تعني عملياً المساهمة في تدمير ما تبقى من قدرة لبنان على الصمود؟ وهل يدرك أن الاستمرار في حمايتها سياسياً وأخلاقياً يساهم في تعميق عزلة لبنان عن المجتمع الدولي والعالم العربي؟
إن لبنان اليوم لا يحتاج إلى إدارة أزمته، بل إلى اقتلاع جذورها. ولا يمكن لأي مبادرة دولية أن تنجح إذا قامت على إعادة إنتاج القوى نفسها التي أوصلت البلاد إلى هذا الانهيار التاريخي.
فالمنظومة التي جرى حمايتها طويلاً باسم الواقعية السياسية، وبشخصه تحديداً، هي نفسها التي أنتجت الفساد والسلاح غير الشرعي والانهيار الاقتصادي. وهي أيضاً البيئة السياسية نفسها التي أدت إلى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الرجل الذي أعاد لبنان إلى الخريطة العربية والدولية قبل أن يُدفع البلد مجدداً إلى العزلة والخراب.
إن اللبنانيين يستحقون اليوم جواباً واضحاً منه: ماذا يريد فعلاً للبنان؟ وإلى أين يريد أن تقود مبادراته البلاد بعد أكثر من خمس سنوات من الفشل المتكرر؟ هل الهدف حقاً إنقاذ لبنان، أم إبقاؤه كساحة نفوذ أخيرة تعتقد فرنسا - ماكرون أنها لا تزال قادرة على التأثير فيها، حتى ولو كان ذلك على حساب الشعب اللبناني ومستقبله؟
إن لبنان ليس ورقة تفاوض جيوسياسية بيد أحد، ولا يمكن أن يبقى ساحة اختبار لمبادرات فاشلة. لبنان دولة ذات سيادة يجب أن تعود إلى استقلالها، وإلى محيطها العربي الطبيعي، وإلى المجتمع الدولي الذي أُبعدت عنه بفعل المنظومة نفسها التي يبدو، للأسف، أن هناك إصراراً على إعادة تدويرها.
لقد سقطت الأقنعة، وانكشفت الأجندات، ولم يعد مقبولاً الاستمرار في إنقاذ من دمّر لبنان.
إن الشعب اللبناني لن يقبل بعد اليوم بإدارة انهياره، بل هو مصمّم على استعادة دولته وإعادة لبنان إلى مكانه الطبيعي بين الدول الحرة ذات السيادة، دول لها مستقبل يليق بشعوبها.
إن قول الحقيقة ليس ترفاً، بل مسؤولية تاريخية أمام الشعب اللبناني وأمام العالم.
بهاء رفيق الحريري