أُعلن أن دونالد ترمب خصم لي شخصيا
مضر رياض الدبس
2026.07.23 | 05:55 دمشق
قد يكون من البديهي أن إعلانَ خصومة مع رجلٍ بقوة دونالد ترمب، من قبل سوريٍ عاديٍ مثلي، مشروعٌ خاسر لا محالة، بل إن خسارته واضحة مثل عين الشمس، ولكن على أي حال، هذه من عادات السوريين العاديين هذه الأيام، عادة الإقدام على مغامراتٍ غير محسوبةٍ مع اللامعقول؛ فقد جربناها يومًا، وأدمنّا تجريبها.
وأنا اليوم أفعلها؛ فأعلن أن دونالد ترمب، رئيسَ الولايات المتحدة الأميركية، خصمٌ لي، وبيني وبينه منذ البارحة خصومة شخصية، والقصة كالآتي:
المادة كاملة 👇
أُعلن أن دونالد ترمب خصم لي شخصيا https://t.co/jDjg9W7IP4
🔹 "الإجماع الوطني الأوضح في سورية، إن لم نقل الأوحد، أنَّ الوطنية مكسورةٌ بفعل الضربات القاسية التي تعرّضت لها منذ 1963، وأنَّ سنوات الثورة، وما صاحبها من قتلٍ وظلمٍ وتهجير، فاقمت تصدّعات هذه الوطنية وتشظِّيها"
اقرأ مقال "مضر رياض الدبس"👇
https://t.co/L3r4ZkWfDb
عندما نتذكَر أي مجزرة، قد نتذكَّر أيضًا أن المجازر لا تقتل الإنسان فحسب، بل تعبث بالحدود الأخلاقية والتربوية التي تتيح للبشر أن يميزوا بين الخير والشر.
ولن يخرج مصطلح المجزرة من حياتنا إلا بنوعٍ جديد من تربية الذات، وتربية الأطفال؛ تربية أخلاقية إنسانية؛ فلا يوجد في هذه الدنيا مشروعٌ تاريخي، أو ديني، أو سياسي، أو أيًا يكن، يمكن أن يسوِّغ إهانة طفلٍ، أو عجوز، أو إنسانٍ بري؛ فكيف بقتلهم؟
وكما قال أدورنو محقًا: المطلب الأول لكل تربية هو ألَّا يتكرر أوشفيتز.
التربية الأخلاقية وحدها التي تضمن عدم تكرار المجزرة، وهي غير التربية الدينية؛ فالمرء قد يتديَّن لأنّه أخلاقي، ولكنَّه لا يكون أخلاقيًا لأنّه متديِّن؛ بل لأنّه تلقَّى تربيةً صالحة، على مستويات الأسرة، وال��جتمع، والدولة؛ فإن لم تجتمع هذه المستويات الثلاثة، فواحدة منها، وهذا أضعف الإيمان.
رحم الله شهداء مجزرة السويداء، وربط على قلوب أهليهم الطيبين.
هُزمت مصر أمام الأرجنتين؛ فماذا نفعل بعد الهزائم؟
خسرت مصر، ومن ثم خسر المشجعون العرب الذين شعروا بأنّ فوزها كان سيمثلهم، وبأنَّه، لو تحقق، لكان لهم منه نصيبٌ وافرٌ من الفخر. ويمكن أن نبقى كما نحن الآن، مُتمسكين بالقول بأننا فُزنا مع انَّنا هُزمنا، كما فعلنا في معظم حروبنا مع إسرائيل مثلًا؛ فهذا خيار سهل، وفيه قدرٌ من مواساة الذات المهزومة، لا سيما إذا تم تدعيمه بتضخيم أخ��اء التحكيم، ورفعها إلى مستوى المؤامرة، وبناء خطاب مظلومية وسردية تسوِّغ الإخفاق (مع أن وقوع هذه الأخطاء يظل واردًا دائمًا، ولا يمكن إنكاره بأي حال من الأحوال).
في الجزء الأخير من المباراة بدأ الطاقم الفني والعقل المدبِّر للفريق المصري، من دون أن يشعر، ببناء هذه المظلومية داخل الملعب، وانشغل بها وبتأدية دور المظلوم، على حساب التفكير في إعادة السيطرة على مجريات المباراة، وتوجيه اللاعبين، والمساهمة في الحفاظ على هدوئهم، وإعادة التخطيط للتعامل مع الوضع الجديد. وبدلًا من أن يرى اللاعبون مدربهم وطاقهم الفني هادئًا، يفكِّر معهم ويرشدهم، ويزودهم بالتعليمات الجديدة التي تلائم الوضع الجديد، رأوه يتلقى الإنذارات الصفراء والحمراء، ويصرخ بتوتر في وقتٍ كان يفترض فيه أن يكونوا هادئين رزينين يفكِّرون ويُرشدون.
هذا الهدوء المُتَّزن، وهذا اللجوء إلى التفكير المنطقي في اللحظات الثمينة، ضروريان جدًا، وبوجودهما حتى المؤامرة لا يمكن أن تمر علينا؛ فليس كلُّ البشر قابلين لأن يتم الت��مر عليهم..
كان هذا كله في حين كان الطاقم الفني الأرجنتيني يُفكِّر في خرق الدفاعات المصرية وقلب النتيجة، واستطاع أن يحافظ على معنويات لاعبيه، مع أنّهم كانوا خاسرين في معظم أوقات المباراة.
هذا الخيار تعودنا عليه؛ فمن السهل أن نقول إنّهم لا يسمحون لنا أن نفوز، ولا يسمحون لنا أن نتحرر، ولا يسمحون لنا بأن نكون ديمقراطيين، وإن الدنيا تتأمر علينا، وما إلى ذلك. ويمنح هذا النمط من التفكير النفسَ بعض المواساة والتسكين والرضا، لكن مصيبته أنَّه لا يتعلم من الهزيمة، ولا يحوِّل الإخفاق إلى خبرةٍ لازمة للفوز، ولا توقظ فيه الهزيمة روحَ النقد والتقويم اللازمة للنصر في ال��ستقبل.
التقويم، والمراجعة، ودراسة الأسباب العلمية التي أدت إلى الانهيار وقلب الفوز إلى خسارة، لا تزال جميعها غائبة عن ذهنية تفكيرنا بعد الهزائم، وإذا ظلت غائبة، فسوف تتكرر الخسارة، ويتكرر معها نمط التفكير بالمؤامرة.
ثمة بشرٌ قابلون لأن يتم التآمر عليهم، وثمة بشر، حتى لو تآمرت الدنيا كلها، لا تستطيع منعهم من الفوز. النوع الأول عاطفي م��ض، وفيه كسلٌ وتقصير، يميل إلى تعليق إخفاقاته على الآخرين، ولا ينقد ذاته ولا يقسو عليها؛ والنوع الثاني علمي، وموضوعي، وصارم في نقد ذاته، وفي بناء قدراته، والتعلم من أخطائه.
بطبيعة الحال، هذا كله لا ينفي أن المنتخب المصري كان رائعًا، بل كان مدهشًا بحق..
فُتِح هُرمز وأُغلِق هُرمز
مضر رياض الدبس
23 يونيو 2026 | آخر تحديث: 02:46 (توقيت القدس)
تضمّنت مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران وقفَ إطلاق النار في لبنان أيضاً. وما دامت إسرائيل ليست طرفاً في هذا التفاهم، فهذا يعني ضمناً أنّ الولايات المتحدة تعتقد أنّها قادرة على أمر إسرائيل بوقف إطلاق النار، وأنّ إسرائيل ستلتزم بهذا. ومن ثمّ، قدرة الولايات المتحدة على فعل الأمر، وعدم قدرة إسرائيل على رفضه، هما أكثر المعاني التي تفيد بها مذكّرة التفاهم هذه أهمّيةً. نقول "أمر" لأنّ المؤشّرات ��فيد بأنّ إسرائيل لم تكن على عِلم ببنود المذكّرة إلّا بعد أن أُنجزت. وبطبيعة الحال، يبدو التفاهم الأميركي الإيراني بهذه الصيغة كأنّه ورطةٌ بالنسبة إلى إسرائيل التي ترى نفسها دولةً ذات سيادة يفترض نظرياً ألّا يملي أحدٌ عليها شيئاً بصيغة الأمر، بل إنّه محرجٌ ومزعجٌ بالنسبة إلى حكومة يمينيّة متغطرسة تتصرّف بردِّة فعلٍ مبالغ فيها في المسائل الأمنية، منذ جرح "طوفان الأقصى" نرجسيّتها في أقلّ تقدير.
ويبدو الأمر أكثر إزعاجاً، وإحراجاً، بالنظر إلى أنّ هذه الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة تستقوي بعلاقتها الوثيقة مع إدارة ترامب الذي نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس واعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري، وأسدى إلى إسرائيل خدماتٍ كثيرة جعلت عضو الكنيست أمير أوحنا يقول إنّ ترامب "عملاق التاريخ اليهودي". وبدا هذا الوضع برأي إسرائيليين كثيرين كأنّه إخفاقٌ كبيرٌ في ترجمة كلِّ البلطجة العسكرية، والغطرسة، في الفترة الماض��ة، إلى إنجازاتٍ سياسية ملموسة. وقد عبّر عن هذا أخيراً مقالٌ في صحيفة إسرائيل هيوم المملوكة لمريام أديلسون، إحدى أبرز المتبرّعات لحملة ترامب الرئاسية، إذ عدّ المقال أنّ ترامب خان الإسرائيليين بإيقاف الحرب، ووصف الاتفاق مع إيران بأنّه "استسلامٌ لنظام إرهابي"، وكأنّ نظام نتنياهو كان يُلقي الورود على المنطقة وليس إرهابياً.
وعلى أيّ حال، في هذا الرأي كثير من الصحّة التي لا تنطبق على حكومة ترامب فحسب، بل أيضاً على حكومة نتنياهو، فمع قبول إدارة ترامب بتفاهم مثل الذي رأيناه، تبدو المسألة وكأنّها كانت فعلَ بلطجةٍ من أجل البلطجة ليس أكثر. فكما قال باراك أوباما م��قّاً: "لقد عدنا إلى ما كنّا عليه قبل أن نبدأ الحرب، إلا أنّنا ربّما أصبحنا أسوأ حالاً قليلاً"، وكأنّ كلفة الحرب الاقتصادية الباهظة، وكلُّ الاستعراضات والفانتازيا التي رافقتها، لا تساوي شيئاً بالمعنى السياسي، وقيمتها السياسية الفعلية تساوي صفراً، فلا تزال مشكلة النووي الإيراني قائمةً، ولا تزال منظومة إيران الصاروخية موجودةً، ولم نتحرّك عن الوضع الذي كان قائماً قبل أن ينسحب ترامب من اتفاق إيران مع إدارة أوباما.
وثمّة أيضاً نوعٌ آخر من البلطجة من أجل البلطجة، وهو أن ترفع إيران كلفة السلوك الإسرائيلي في لبنان إلى كلفة دولية بأن تعود إلى إغلاق مضيق هرمز، ردّاً على خرق إسرائيل وقف إطلاق النار في لبنان، وأن تُمعِن في البلطجة التي يديرها عقلٌ ولّادي لتملأ الأخبار العاجلة بـ"إيران تفتح المضيق"، و"إيران تغلق المضيق"، وإيران تطلق الصواريخ، وإيران توقف الصواريخ، مثل صبي يلعب برمي الحجارة على شبابيك الجيران في الحارة. وهذا النوع الإيراني من "البلطجة من أجل البلطجة" لا يختلف كثيراً عن النوع الأميركي الإسرائيلي.
وقد نقول، والحال هذه، إنّ ظاهرتين تتفاعلان في مضيق هرمز اليوم، وهما ظاهرتان اكتسحتا ذهنية الإنسان الأخير: الشعبوية المنتصرة ديمقراطياً، والبلطجة المسنودة بالمقدَّس. أنتجت الأولى ترامب بوصفه الوجه الأسود للديمقراطية الليبرالية، وأدّت هذه الشعبوية المنتصرة ديمقراطياً في أقوى الدول إلى تسطيح المجتمع العالمي ليتحوّل بمجمله إلى شيءٍ ��ختصره كلمة ترامب في قمّة مجموعة السبع في فرنسا عندما قال: "I am the boss" ("أنا المدير")، وكأنّ العالم تحوَّل في نظره إلى شركة كُبرى، أو إلى شبكة صفقات سريعة هو المدير التنفيذي فيها، فلم يعد يفرِّق بين "مؤسّسة ترامب" ومجموعة السبع أو المجتمع العالمي... وهكذا، صار عقل الرجل "البوص" يتخيّل أنّ رئيسة وزراء إيطاليا ترجوه من أجل صورة معه، قبل أن تخرج الأخيرة مستنكرةً هذا الكذب ومستغربةً. وهكذا، وبعقلية "البوص" المتضخّمة نفسها أجاب عن سؤال أحد الصحافيين عن حقّ مصر في الأمن المائي بأنّه وعبد الفتاح السيسي وقعا في حبّ بعضهما من النظرة الأولى، عندما التقيا في أثناء حملته الانتخابية الأولى، وأنّ الكيمياء بينهما عالية جدّاً، وما إلى هنالك من هذا الهراء.
باقي المادة في الرابط الآتي:
فُتِح هُرمز وأُغلِق هُرمز https://t.co/lilwcvZqg6
أتصور انّنا ��مام حالة نادرة، أن تخرج دولة من الحرب، أضعف اقتصاديًا وعسكريًا، ولكن أقوى سياسيُا؛ مثلما خرجت البعثة الإيرانية من تحت الأرض الى منتجع بيرجنستوك على بحيرة لوسيرن..
وأمام حالة نادرة أخرى، وهي أن تخفق إدارة أمريكية في تحويل الانتصارات العسكرية والاقتصادية الى انتصار سياسي.
هذا، فيما يبدو، من نتائج تغول ذهنية المدير التنفيذي، والصفقات، والأعمال، على فن السياسة. ومن نتائج الشعبوية التي انتصرت بأدوات الديمقراطية، وأتاحت لنا الفرصة لنختبر عن قرب، ولأول مرة ربما، الوجه الأسود للديمقراطية التي بوساطتها وصلت شخصياتٌ مثل ترامب، وجي دي فانس، إلى سلطة دولة عظمى.
عينة من نوعية العلاقات الدولية مع ترامب:
منذ قليل، قال ترامب في لقائه مع السيسي على هامش قمة مجموعة السبع، أنّه والسيسي وقعا في حب بعضهما البعض من النظرة الأولى، منذ أن التقيا لأوَّل مرة في أحد فنادق أمريكا في حملته الانتخابية الأولى، وقال أنَّ "الكيمياء" بينهما كانت مدهشة، وأنَّ السيسي قال له يومها إنَّ عليه أن يفوز برئاسة الولايات المتحدة، وأضاف أنَّ السيسي لم يكن يريد حتى أن يلتقي منافسة ترامب في الانتخابات آنذاك، إلا أنّه التقى بها لاحقًا لأنّه "جنتل مان" فحسب..
وتخيلوا يا جماعة أنَّ قصة الحب الرومانسية هذه كانت جواب ترامب عن سؤال أحد الصحفيين حول موقف أمريكا من حق مصر في الأمن المائي!
وبالمناسبة سبق لترامب أن قال عن "حبيبه من النظرة الأولى" بأنّه "ديكتاتوره المفضَّل"..
نسأل الله أن يديم عليهما نعمة المحبة، وأن يلهمنا، نحن شعوب العالم، الصبر والعقل في هذا الزمان الصعب.
"الترند" والمشكلة.. وماذا بعد؟
مضر رياض الدبس
تلفزيون سوريا 2026.06.04 | 05:35 دمشق
تبدو المشكلات في سوريا هذه الأيام وكأنّها "ترندات"، وليست مشكلات.. يأتي "ترند"، ويذهب آخر، وتبقى الذهنية نفسها؛ فمع كل "ترند" ثمة مُهاجمون، ومهجومٌ عليهم، وثمة من يُدافع عن المَهجوم عليهم، وثمة من يهجم على المُدافعين، وهكذا إلى أن يتم نسيان الموضوع بوصفه مشكلة.
ومع ازدياد هذه الظاهرة رسوخًا وتكرارًا، لم يتبقَّ من فكرة التعامل مع المشكلات إلا ما يتركه أثر الهجوم والدفاع في البشر، وأثر العنف في نمط التفكير، وفي خيارات النقاش الوطني في المستقبل. أمَّا تشخيص المشكلات، ودراسة أسبابها، وطرائق علاجها، وتفاديها في المستقبل، فهذه كلها تصبح موضوعات جانبية، إن حصل وتجرأ أحدهم على تركيز الحديث فيها، يُقمع قمعًا شديدًا. وكأن الرسالة النهائية في سوريا هذه الأيام تقول: إياكَ والتفكير، فهذا بحد ذاته فعلٌ كفيلٌ با��تعداء الجمع الكبير، ويؤدي بصاحبه إلى الصعلكة؛ لأنَّه يُنبذ من قبل مجموعته العصبية، ولا يعود مشمولًا بالنعرة الضرورية للاستمرار في العيش هذا البلد الحُر.
على سبيل المثال، في الأيام القليلة الماضية كان لدينا ثلاثة عناوين وطنية كبرى تؤثر في حياة الناس بحق، وتستحق أن تكون موضوعات وطنية، وكان ينبغي أن نعالجها، ونتدبَّرُها، ونستخلص منها الدروس، ونحدد أسبابها بدقة، ونضمن ألَّا تتكرر في المستقبل بوساطة نقاشٍ عقلاني، هادئ وشفاف، على مستوى الدولة والمجتمع. كان العنوان الأول، فيضان نهر الفرات. والثاني، الإعلان عن استشهاد أطفال الدكتورة رانيا العباسي قتلًا على يد شبيح من أبشع شبيحة النظام البائد وأكثرهم إجرامًا. والثالث، مشكلة طلَّاب السويداء الذين سيظلون من دون امتحانات الشهادات الأساسية والثانوية. هذه عناوينُ مشكلاتٍ كبيرة لا يتم تناولها إلا بوصفها "ترندات"، سوف تُنسى قريبًا، ويتصدَّر غيرها، وهكذا. لذلك تم اختزال الموضوع الأول بزيا��ة الرئيس إلى دير الزور بعد اعتذاره بالنيابة عن أبيه بوصف هذا الاعتذار "ترندًا سابقًا مُتصلًا"، وتحوَّل الموضوع الثاني إلى هجومٍ على الباحثة التي أوقعت بالمجرم الشبيح بتهمة إخفاء معلومات، أو الدفاع عنها؛ وتحوَّل الموضوع الثالث، مثل العادة، إلى نقاشٍ مليء بالطائفية والميوعة والركاكة من مختلف الأطراف.
هذه الموضوعات الثلاث المتزامنة في طرحها هذه الايام، تستحقُّ ورشة تفكيرٍ وطني كبرى، لأن المتضررين بسببها يستحقون حلولًا منصفة؛ ولأن هذه الموضوعات مؤشرٌ لنوعية مشكلات البلد في المستقبل. وهي من نوعية المشكلات الخطيرة؛ ليس لأنَّنا أخفقنا في تفادي وقوعها، ولا لأنَّنا أخفقنا في ابتكار حلولٍ لها فحسب، بل لأنَّ طريقة تعاطينا معها طريقةٌ قاصرة، وليس لدينا طريقة للتعبير عن هذا القصور إلا بأن نحوِّل مشكلاتنا إلى "ترندات" فنبدو وكأننا "مناضلون"، وهذا النوع من "النضال" هو الوحيد الذي أتقنه كثيرٌ من السوريين خلال الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، ��ضافةً إلى حمل السلاح بطبيعة الحال.
إذا كان تعاطي الفضاء العمومي السوري مع هذه المشكلات الثلاث المتزامنة مثالًا على طرائق فعلنا وتفكيرنا، فعلينا أن نقر بغياب أي فعلٍ حقيقي للتعامل معها يستحق أن نقول أنَّه فعلٌ مهمٌ؛ فلا زيارة الرئيس لدير الزور، والتطبيل المرافق لها، أوقفت فيضان النهر، ولا خلع الرئيس رداءه اعتذارًا عن كلام أبيه (كما يفيد "الترند") يعيد الضحايا أو يعوِّض المحصول التالف من أثر الفيضان. (وهذا بطبيعة الحال لا يلغي أهمية أن يزور الرئيس المتضررين، لكنَّ النقد هنا لطريقة فهم الموضوع بعقل "الترند" وليس للزيارة نفسها). وأيضًا، لم تغيِّر حملة الهجوم على الباحثة التي نشرت التسجيلات المصوَّرة لأمجد يوسف، أو حملة الدفاع عنها، شيئًا في معنى العدالة الانتقالية، ولم تعطِنا الحملتان تصورًا للطريقة التي ينبغي أن نفهم بوساطتها العدالة الانتقالية وأهدافها. وفي السياق نفسه لم تُنقذ السجالات الطائفية بين الموتورين أكثرَ من أربعة عشر ألف طالبٍ في السويداء من رسوبٍ أكيد، بينهم محرومون للسنة الثانية على التوالي؛ ولم تنقذهم سجالات الشامتين، ولا حتى سجالات المتعاطفين..
باقي المادة في الرابط الآتي:
https://t.co/pG2UkcYyGa
الذي يُسمى "عقلَ الدولة"؟
مضر رياض الدبس
2026.05.07 | 05:17 دمشق
535356
وضع القراءة
+A
حجم الخط
-A
لا يوجد، في هذه الدنيا كلّها، رجلٌ، أو امرأة، يمتلك "عقلَ دولة"، أو يدير ثورةً بـ "عقل�� دولة"، إلا إذا أردنا أن نتغاضى عن اللاعقلانية، والحمولة الشعبوية في هذا التوصيف، وعن نيّات بعض السوريين في بناء طرائق المديح بصورةٍ جديدةٍ قديمة، تلائم الأدب أكثر ممَّا تلائم السياسة.
هذا بطبيعة الحال، ليس لأنَّ البشر كلّهم مُقصِّرون في امتلاك "عقل دولة"، بل لأنَّ "عقلَ الدولة" مفهومٌ لا يمكن أن نطلقه على فردٍ واحد، من دون أن نخون دلالته، ومعناه، والغرض من نحته؛ فـ "عقل الدولة" هو عقل التفكير المؤسَّسي لجماعةٍ من البشر يربطها عقدٌ اجتماعي، وإنّنا، عندما نستخدم هذا المجاز، فنحن، بالضرورة، نعني وجودَ شرطين يعملان معًا في الحياة العمومية للجماعة. الشرط الأول هو وجود تقاليد عمومية تُحفِّز قابليةَ المشاركة في التفكير معًا، والقدرةَ على العمل مع الناس مؤسسيًّا على نطاقٍ واسع من دون الادعاء بامتلاك الحقيقة، والشرط الثاني هو وجود القانون الناظم لهذه المؤسَّسات، وبناء التقاليد المؤصَّلة قانونيًا، والقابلة للتطور. مجموع هذين الشرطين معًا هو ما يمكن أن نسميه ذهنية عمل الدولة. إذًا لنقل إنَّها قابلية المشاركة، والعمل ضمن المؤسسة، والمرونة العقائدية اللازمة لتحقيق لذلك، مضافًا إليها القانون الذي يضعه ممثلو الشعب ليمثِّل روحَ الشعب، وطرائق تعاقدهم الاجتماعي. لذلك، فإنَّ عقل الدولة هو عقل الجماعة (وليس عقل واحدٍ من رجالاتها، أو نسائها) مضافًا إليه العقد الاجتماعي، والقانون الذي اتفق عليه المواطنون معًا، وصاغوه بأنفسهم بوساطة ممثلين اختاروهم بإرادتهم.
ليس من باب لوم أحد، أو التقليل من قيمة أحدٍ، أو من قيمة تجربة جماعة، فليس هذا موضوعنا إطلاقًا، إنما هو من باب الحث على التفكير ببدء هذه الورشة السياسية المُهمَّة، أي ورشة بناء "عقل الدولة"، وهي نفسها ورشة ابتكار الشعب السوري من جديد.
وأيضًا، ثمة فرقٌ مفهوميٌّ بين عقل الدولة، والعقل المؤسِّس للدولة، ومع ذلك، لا يوجد فردٌ يمكن أن نقول إنّه يمتلك عقلًا مؤسِّسًا للدولة إلّا إذا أردنا التبشير بديكتاتورٍ جديد. العقل المُؤسِّس للدولة، هو القابل للتفاعل المدني الذي يؤدي إلى التعاقد وتدبير الاختلاف، أي إنّه وبكلمة واحدة، عقلٌ مديني. وبما أن التعاقد لا يتم إلا مع حضور آخر، والاختلاف أيضًا لا يعني شيئًا من دون تنوع، فهذا يعني أن العقلَ المؤسِّس للدولة هو عقلُ مُجتمع، وليس عقل فرد، ومن ثم، بما أنّه عقلٌ مديني؛ فهو بالضرورة عقل مجتمعٍ مدني يتحوّل بموجبه هذا المجتمع إلى شعب، والشعب هو القابل فحسب لامتلاك عقل دولة.
استنادًا إلى ما سبق، وبما أننا نعرف جميعًا حقيقةَ أننا لم نمر إلى الدولة من طريق المجتمع المدني، وأن شرطي ذهنية الدولة لم يتحققا في أيٍ من تجاربنا؛ فعلينا أن ندرك أننا، إلى الآن، لم نخطُ أيَّ خطوةٍ في تأسيس الدولة مدينيًا، لا سابقًا ولا الآن، ولا في إدلب ولا في غيرها.
المادة كاملة في الرابط الآتي:
ما الذي يُسمى "عقلَ الدولة"؟ https://t.co/svwV13oWtS
القائِل نعم والقائِل لا
آراء
مضر رياض الدبس
03 مايو 2026
نشرت وزارة الداخلية السورية قبل أيامٍ قليلة تسجيلاً مصوّراً بعنوان "عدو الغوطتين"، ظهر فيه طيَّارون كانوا في سلاح الجو إبَّان حكم النظام البائد، ممَّن نفذوا مجازر ضد مدنيين أبرياء، وقتلوا أطفالاً. ونعرف، نحن السوريين، جيّداً ماذا فعل هؤلاء، ولم نتعافَ بعد ممَّا فعلوا، ولكنَّ الجديد الآن أنّنا نراهم، ونستمع إلى أقوالهم في التحقيق، ونعرف وجوههم.
ويمكن أن نفكِّر بطريقتين، كلتاهما على القدر نفسه من الأهمية؛ وكلٌّ منهما من حقوقنا تجاه أنفسنا، ومن واجباتنا إزاء المجتمع العالمي. الأولى قانونية تحيل على ضرورة محاكمة هؤلاء المجرمين، وتحقيق العدالة بوصفها حقّاً للإنسانية جمعاء، لا للسوريين وأهالي الضحايا فحسب. والثانية فكرية سياسية أخلاقية، تحيل على أفعال التعلُّم، والتفكير، واستخلاص الدروس والقواعد الأخلاقية، والعملية، والسياسية، الكفيلة بمنع تكرار هذه الحوادث في المستقبل. ويتناول هذا النص الطريقةَ الثانية بالتحديد، علّه يساهم في بدء ورشة وطنية لاستخلاص العِبر المهمة لنا بوصفنا سوريين، والتي لا تقلّ أهميتها عن أهمية العدالة الانتقالية، والبدء بهذه الورشة من واجباتنا تجاه الشهداء، مثل ما هو واجبٌ تجاه ذواتنا، إضافةً إلى أنّها ورشةٌ تساهم في عدم تكرار هذه المآسي في أي مكانٍ آخر في هذا العالم.
بعد هذه المقدمة، يمكن أن نفكّر في الموضوع انطلاقًا من مفهومٍ عريض نسميه "إنتاج ضحايا مشاركين في الجريمة". وننظر إلى هذا المفهوم أصلًا قام عليه حكمُ سوريةَ بالعنفِ والجريمةِ نصف قرن؛ فالنظام البائد كان يقتلنا بأيدينا، ويتجسّس علينا بآذاننا، ويتلصَّص علينا بعيوننا. بهذا المعنى، لم يكتفِ طوال فترة حكمه بإنتاج ضحايا، بل كان حريصًا على إنتاج ضحايا مشاركين في الجريمة، وقد نجح في ذلك. عندما يقول الطيّار ميزر صوَّان بأنّه لم يكن قادرًا أن يقول "لا"؛ لأن هذا سيهدّد حياته، وحياة عائلته كلّها، فإنّه قد يكون محقّاً. مع أن هذا الكلام، لا يجعل منه بريئاً بأي حال، إلا أنَّه يعني أنّه يعرف أن شخصاً آخر، قاتلاً مثله، سيتلقى أمراً بتصفيته إذا سو��ّلت له نفسه أن يقول "لا"، وهذا الأمر الثاني، أيضاً، من النوع الذي لا يستطيع المأمور رفض تنفيذه للأسباب نفسها، وهكذا، تستمر السلسلة إلى أن تصل إلى رأس الحُكم والمجرم الأكبر، الذي يحكُم في العمق بقابلية هؤلاء البشر ليكونوا ضحايا مشاركين في الجريمة
.
استناداً إلى هذا نقول: إذا عالج الضحايا قابليتهم ليكونوا مشاركين في الجريمة، عندها فحسب نضمن انتفاء إمكان��ة وصول المجرمين إلى سدّة الحكم، وعدم تكرار ما حدث. هكذا، يصير سؤال المستقبل كلُّه يدور حول فكرة أساسية: كيف يُحصِّن المرءُ شخصيَّته بحيث لا تكون قابلة لأن تكون ضحيةً مشاركة في الجريمة، تحت أي ظرف؛ فأن يكون أحدنا ضحيةً أمرٌ لا نستطيع تجنبه دائماً، ولكن أن نكون ضحايا مشاركين في الجريمة لعدم قدرتنا على رفض الأوامر غير الأخلاقية، وغير الإنسانية، فهذا أمرٌ قابلٌ للتهذيب، وللتدبير، ويمكن ابتكار تحصيناتٍ أخلاقية تضمن عدم تكراره بتعلُّم فن السياسة، وفن "العمل معاً" بوصفهما شرطين لازمين لإنهاء الإذعان. وربما، في هذه المنطقة بالذات، يكمن الدرس.
هذا الدرس مهمٌّ لل��ميع، ولكنّه أكثر أهمية لمن يشارك في إدارة المرحلة الانتقالية، ولمن يمتلك السلطة السياسية بما تتضمّنه هذه الملكيَّة من مسؤولية أخلاقية إزاء هذا المجتمع المنكوب. هؤلاء تحديداً، لكي يحصِّنوا ذواتهم، ينبغي أن يتعلّموا فن الحُكم بالمفهومات، ويبنوا هذا الفن على أنقاض مفهوم الحكم بالإمَّعات. وفي هذا السياق، كانت كلمة المُحقق الذي يحقق مع اللواء الطيار صوان ميزر مهمَّة وصحيحة، حيث قال في التسجيل المصوَّر نفسه إنَّ "شخصية ميزر ضعيفة". ويمكن أن يُضاف إلى كلامه أنَّ الشخصيات الضعيفة قابلةٌ لتصير مجرمة، وتحديداً إذا عدنا اليوم إلى فكرة الاعتماد عليهم تحت إغراء أنّهم يطيعون بإذعان، ويتقنون التطبيل.
ثمة مفهوماتٌ في تركة نظام الأسد لا تزال تعمل في البلاد، ولا يقلُّ وجودها خطورةً عن وجود النظام البائد نفسه. ولأنّ العمل بالمفهومات لا يزال حرفةً نادرةً في هذا البلد؛ تبقى هذه التركة خطيرةً بحق. وليس لدى السوريين الفريق المؤهل لتفكيك هذه المفهومات القاتلة، لذلك لا تزال تعمل بكامل شرِّها. وستبقى هذه التركة "المفاهيمية" الخطيرة تعمل، ما دام أصحاب القرار الجُدد لا يتقنون العمل بالمفهومات، ولا يقدِّرون تأثيرها، ولا يتعلمون تدبيرها، والتمييز بين أنواعها..
المادة كاملة في الرابط الآتي:
https://t.co/nINCiCHVXf
إنّه حدثٌ مهمٌ، واستثنائي للقلب وللعقل، أن نرى وجه الطيَّار الذي قصف دوما بقنبلةٍ فراغية في صيف 2015، ونستمع إليه. ومع حدثٍ مثل هذا ينبغي أن نفكِّر كثيرًا.. أذكر يومها أنني كتبت إلى هذا الطيَّار تحديدًا، وقد رسمت في رأسي، من دون قصدٍ، كيف تبدو ملامحه وتقاسيم وجهه. لا أخفي أنَّ الوجه الذي رأيته في فيديو التحقيق معه أمس، لم يكن مطابقًا لما رسمت في رأسي؛ فالوجه الذي رأيناه يشبه وجه الضحايا في الشكل: أقصد له شكل الإنسان نفسه.
ثمة، من دون شك، الكثير الذي ينبغي أن نفكِّر فيه في لحظةٍ مثل هذه، ولكنِّي اخترتُ أن أبدأ التفكير من استدعاء نص كتبته إلى هذا الطيّار بعد مجزرة سوق دوما، من دون أن أعرف في حينها من هو، وأعيد نشر ما كتبتُ إليه في حينه بالحرف؛ فأنا أعرف اليوم من كنت أخاطب.
التفكير في هذا الحدث المعرفي الكبير يمنع تكراره، وما يعكِّر صفو هذا الكلام الآن، ويكدِّر النفس، هو أنّنا يمكن أن نتوقع أن نصًا مثل هذا النص، قد كتبه أحدهم، بعد التحرير، إلى قاتلٍ آخر، وأنَّ يومًا سيأتي، ويعيد نشره مثل ما أفعل أنا اليوم.
إنّه نصٌ قديم كتبته بعد مجزرة سوق دوما بيومين، ونشرته في حينها، وكان إلى "ميزر صوَّان" الذي لم أكن أعرف اسمه وشكله، ��نشره الآن لكي أبدأ منه في التفكير بما قاله في اثناء التحقيق معه الذي نُشر أمس ضمن تسجيل مُصوَّر بعنوان "عدو الغوطتين"، والذي كان من الأفضل أن يكون عنوانه "عدو الإنسانية".
علَّني من خلال إعادة نشر هذا النص أستأنف التفكير في الواقعة على طريقة العاديين؛ ففي هذا البلد، خيرُ ما يمكن للمرء أن يفعل، من بين الأفعال المُمكنة، هو أن يفكِّر.
دوما: نَغَمٌ يَتفَجَّع مِن وَترٍ يَتوَجَّع (في 17/08/2015)
مجزرة في آب. للمرة الثانية، هَيَّئنَا لدوما القصيدة كلها..
يُحَلِّقُ الطيَّارُ فوقَ السوقِ الشعبي، يرتدي فَصلاً من "المُمانعة": أُقتل كي تكون.. خمسين عاماً كان يُهيَّأُ لهذا الجنون.. نَهَمُ الإبادةِ وتَضخُمُ الأيدولوجي الإجرامي يُعيدَان إنتاجَ الكوجيتو الديكارتي؛ فيغدو في رأسه: نحن نقتل إذاً نحن موجودون.
خرج الممكنُ من مستحيلِ المنطقي يا دوما. الصفارةُ المُدججةُ بأخبار الطائرة وهمجيّة الطيَّار تُهيّئان ل��احة الغَنم ما يجعلُ الرعبَ أقلَّ أضرارِها، ما يَخلطُ الصِّوات بالأصوات بالدخان بالأشلاء بالمجزرة... إن تألَّقَ البيانُ يُطابقُ مقتضى الحال، لكن شيئاً في العبارات ليس مثل صمودك يا دوما أَبينُ... تَفيضُ الصورةُ عن جملتها أمام بسطةٍ للخضار يُحتَضَرُ صاحبُها، فيما ينتشرُ الناجون في مساحةٍ بين الساحة والمقبرة، مساحةٌ لم تكن كبيرةً بما يكفي ليُعبِّرَ مسؤولٌ أمميٌ، كان قريباً، تعبيراً أبعدَ من التعبير عن ذهوله، ولم تكن صغيرةً بما يكفي ليتجاهلها القدر.
نحن لن نَرحلَ جماعةً ويشيّعُنا النسيان: نحن نموت إذاً نحن موجودون..
هنيئاً لكَ هذا النصر الذي ستصفُه لرفاقك ل��لاً وبه تتفاخر. يا بطلاً بكبسة زر، يا بطلاً أسقط الصاروخ الفراغي على سوقٍ شعبي وانتشى كأنه في نزهة إلى طبريا بعد تحريرها. لكن لا تبالغ الليلة كثيراً يا شريكي في الوطن، ولا تنسى أن الإنسانية للإنسان كالشيء في الميزا��: بها يُقدَّر. قل أنك ورفاقك قمتم بعشرِ غارات، لا تبخس حقَّك، ولكن لا تزيد. قل أنَّكم قتلتم خمسةً وثلاثين طفلاً دون العاشرة، وأسقطتم أطناناً من المتفجرات، وانتظر التصفيق. ولا تزاود على رفاقك فهم أيضاً مثلك حماةٌ للديار ونفوسهم أباةٌ وماضيهم مجيد.
هذا نصرُكم وكم من نصرٍ مثل نصركم أضاعه بيتان من قصيدة وأردياه مهزوما، حيث ليس للهزيمة لسانٌ يلهج يا مستنصراً بالهزيمة. من يستنصر لأنه قتل أبناء وطنه الشرفاء الأحرار مهزوم، لأن إنسانيته أصيبت في مقتل.
اجلس لنفسك واصغِ لصوت دوما: نغمٌ يتفجع من وترٍ يَتوَجَّع ينتَحِرُ فيهِ التنويرُ ويَنحَرُهُ النَشاز..
صوت دوما زفافُ الشهداء محمولين على صهوات الأمل الجامح، وعلى صلواتٍ لا تنتهي.. صوت دوما هو صوتُ سورية صوتُ الحرية الذي يجعل المستحيل أنيَّل، وما المستحيل إلا جمرة المعاني المتَّقدةِ تحت رماد المجزرة.. صوت دوما إرادةُ الحياة التي من أجلها لا بد "أن يستجيب القدر"، وليس لنا أن نريد ما لم نكن أحراراً، فالإرادة سمة الأحرار ومعدنهم.
تعني الحرب كما قاربها المُفكِّر العسكري البروسي "فون كلاوزفيتس" استمرارًا للسياسة بأدواتٍ أخرى، ولكن، صار ممكنًا اليوم أن نقول إن الحرب استمرارٌ للصفقات التجارية بأدواتٍ أخرى.
وإن لم تقل الحداثة، وحضارة الإنسان الأخير، كلمتهما النهائية الحاسمة في هذا التغيُّر في فهم الحرب، ستكون له تبعات كارثية على الإنسانية كلِّها من دون شك؛ فالصراع الذي نعيشه الآن بين الخمينية من جهة، والترامبيَّة _ النتياهويَّة من جهة أخرى، هو صراعُ الهمجيات بكل ما تعني الكلمة من معنى. هو صراعُ همجياتٍ لم يبقَ لدينا معه ترفُ انتقاد فكرة صامويل هنتنغتون حول "صراع الحضارات".
كتبتُ هذه المادة قبل ستة أعوام، وأجدها لا تزال صالحةً إلى اليوم. بل صارت الآن أكثر وضوحًا بعد أن فسَّر الواقع كثيرًا ممّا ورد فيها.
ضاع شادي ومات سمير: المُضطربون وسؤال المصير
العربي الجديد، 03/06/2020
https://t.co/XDHtV07YgJ
كيف نفكِّر في السياسة في مجتمعٍ صار جلُّ أ��راده جنودًا في حالة النفير؟ شخصيًا تنتابني نوبة ضحكٍ ممزوجة بنحيبٍ داخلي عندما أسمع في الإعلام مطبلين، ومطبلات، موالين ومعارضين، مقتنعين أنهم "يتكلمون في السياسة"، وكأن السياسة تطبيلٌ وتطبيلٌ معاكس! لعمري، إننا نعيش في الظلام، نعيش المُطلق الذي قال هيغل أنَّه كالليل الذي تبدو فيه كلُّ البقرات سوداء؛ فتذوب الفروق داخل وحدة التجانس التي أسس لها النظام البائد، ونفقد وحدة الكثرة التي أسست لها التنسيقيات وفكرة الثورة الأولى؛ فالوحدة الحقيقية لا تلغي الاختلاف، بل تتكوَّن منه. وعندما نسمعُ كلمة "مكونات"، متبوعةً بتوصيفات تطلق بثقة مثل، "المُكوٍّن الكردي"، و "المُكوِّن الدرزي"، والمُكوِّن العلوي"، و "المُكوِّن السني" وإلى ما هنالك؛ فمن الطبيعي أن يشعر الناجون مِنَّا أننا شعبٌ يتكوَّن من جنودٍ وليس من مواطنين، وأن كلَّ تسميةٍ لهذه "المكونات" ليست في الواقع أكثر من تسميةٍ عصبيةٍ لفصيلٍ.
يخشى كاتب هذه السطور أننا ما نزال شعب الإعداد العقائدي والتربية العسكرية، التي كانت في المدارس، والمؤسسات الحكومية، وفي المحاكم، وفي السجون، وفي دور العبادة، وفي الطرقات، وفي كلِّ الأماكن. ولا شك أننا قد تحررنا من مضمون تلك المرحلة، ولكن لم نتحرر من منهج التفكير الذي اكتسبناه تلقينًا بالعصا طوال نصف قرنٍ مضى. والجندي، وإن كان نبيلًا، فإنّه لن يعرف الحقيقة في حياته العسكرية والفصائلية، لأنَّه يرى الحقيقة وحدةً مبهمة بلا تمايز، وتفريقٌ مطلق تمثِّله ثنائية العدو والصديق، أمّا حفظ الاختلاف داخل وحدة عقلانية دينامية؛ فهذا مفهومٌ مدني لا يتقنه الجنود، ونحن، يا للأسف، صرنا شعبًا من ��نود. ولذلك ثمة خشيةٌ أكبر، وهي أننا، مع هذه الحالة، لن نعود قادرين على فهم الله عزَّ وجل إلا بوصفه "ربّ الجنود"؛ وهذا الفهم، إضافةً إلى أنّ كارثيته مجربةٌ في التاريخ الإنساني؛ فإنّه يحرمنا من فهم الله بوصفه "ربّ العالمين".
المادة كاملة في الرابط الآتي:
كي لا نكون شعباً من جُنود https://t.co/nPjIH23WH7
و
يبدو الآن واضحًا أكثر من أي وقتٍ مضى أن الذهنية العقائدية التي تتسلل إلى الذهنيات السياسة على حساب مصلحة الإنسان ورفاهه وسلامة أبنائه في المستقبل، هي بالضبط ذاك البعد الروحاني في السياسة الذي رآه فوكو في إيران وانبهر به، فيما كان هو مصدر الكوارث في الماضي، وسيكون، على الأرجح، الشيء الأبرز الذي يهدد المنطقة في المستقبل ما لم نعتبر. وبطبيعة الحال، هذه ليست إدانةً لفوكو أو ملامةً، فالمسألة بالنسبة لشخصٍ غربي التكوين مغرية ولافتة، كما كانت "الروحانية السنيَّة" مغريةً ولافتةً بالنسبة للكثير من مثقفي سورية، الذين يرون انتصار الشعب السوري على بشار الأسد في أحد أوجهه انتصارًا للسنيَّة السياسية على الخمينية أيضًا. ولكن، يرى كاتب هذه السطور أننا قد عانينا ما يكفي لنقول إنَّ إغلاق البعد الروحاني في السياسة هو أهم ما يمكن أن نقوم به بوصفنا شعوبًا تريد الحياة الكريمة، والسلام العادل، ولا تمتلك إمكانية فرض إرادتها هذه بالقوة العسكرية، أو التكنولوجية، في عصر الحروب الهجينة والذك��ء الاصطناعي.
العِبرة السورية في قصة إيران https://t.co/oJjGufl8bC
في زمانٍ مَضى، حذَّر اليونانيون الفرسَ من الاستهانة بقوتهم في المعارك لأنَّهم جميعًا يخشون قانونَ مدينتهم بالقدر نفسه الذي يخشى فيه الفرس مَلكَهم.
والواقع أن الإنفاق العسكري، والصواريخ، والقنبلة النووية، والطائرات، وما إلى هنالك من معداتٍ عسكرية، لا تصنع جيشًا؛ بل قد يُعوِّق التسليح إنشاءَ جيشٍ حقيقي..
السوري المحظوظ، هو الذي تجمعه علاقةٌ حميميةٌ بمفهوم الحياة، وهو من هؤلاء الذين آمنوا بالثورة وصولاً إلى أنّه يتمتع ��ليوم بوفرةٍ من "ترف التفكير"؛ فمن لا يزال يفكِّر في زمانٍ صار التفكير فيه ترفاً، محظوظٌ بحق. والسوري المحظوظ ليس الذي نجا من كلِّ طرائق الموت التي أحاطت به فحسب، بل الذي نجا من أثر الرعب؛ فالرعب يشلُّ قدرة البشر على التفكير، فيصبح المرعوب مستعداً للفعل أكثر من استعداده للتفكير، ولفعل الحرب والمخاطرة بحياته أكثر من فعل السلم وصون حياة البشر. ذلك لأنَّ الفعل عنده أسهل من التفكير وأسرع. والحرية هي الوحيدة القادرة على تبديد هيمنة الرعب على البشر، لأنها الوحيدة القادرة على جعل البشر يفكِّرون.
المشكلة أن شلل التفكير يجعل البشر يذعنون لمن يعطيهم وعداً بالخلاص، وبطبيعة الحال، لا يقدِّم التفكير وعوداً، لكنَّ الوعود تقدَّم بسخاءٍ من الزعماء الأيديولوجيين، والشعبويين، ورجال الدين، وزعماء العصبيات، والعصابات. وهكذا يصير الإذعان لهؤلاء مترادفاً مع درء الخطر، ويصي�� المحظوظ بحقٍ هو من نجا من هذا كله بأنّه لا يزال يفكٍّر ولا ينتظر وعداً من أحد. والإذعان مؤشرٌ من مؤشرات غياب الحرية، وانتصارُ موهبة التمجيد على موهبة النقد، وهذا يعني ضعف قدرة البشر على أن يكونوا محكومين؛ فقابلية أن نكون محكومين، يعني قابلية المزج بين الإذعان والعصيان، وهذا يعني أن قابلية أن نكون محكومين هي نفسها قابلية الإنسان لصناعة تاريخه بنفسه. فكما يقول إيرك فروم: التاريخ قد بدأ بفعل عصيان، وقد ينتهي بفعل إذعان. وبالفعل: بدأ التاريخ السوري المعاصر في 2011 بفعل عصيان، والآن قد ينتهي بفعل إذعان. ولنلاحظ أمراً خطيراً، أن الإذعان في هذا البلد صار مرادفاً "للحسّ السليم"؛ فلدى الجميع من ينبغي أن يُذعنوا له، لكي يعصوا أحداً غيره؛
المادة كاملة في الرابط الآتي
كيف تنجو الأكثرية السورية https://t.co/RjwnMgDJB3
الطائفيون جميعهم أخوةٌ بالمنهج وبالرضاعة، أيًا يكن انتماؤهم الطائفي أو الديني؛ فالتربية نفسها، والبيئة نفسها، والأفق الذهني نفسه، ومن ثم الخلاف بينهم دائمًا عائلي، يقع في قريةٍ عالمية صغيرة لا تتدخل في الخلافات العائلية ما دامت بعيدةً عن أبناء القرية، لكنّها تنتظر القوي الذي سيحسم الصراع لتبارك له وتستكمل معه مصالحها. وأحيانًا، تدعم الطرفين معًا، وتقوُّي بعضهم على بعض، وتنتظر إبادة العائلة عن بكرة أبيها لتترحم عليهم وتتقاسم التركة. هكذا مثلًا، تحاربت الطوائف في لبنان وانتصر يومها كلٌ من نظام الأسد وإسرائيل، وخسر كلُّ اللبنانيين.
انتشرت في منتصف القرن التاسع عشر صورةً نمطيةً تفيد بأنَّ المسيحيين حلفاء فرنسا، ومن ثم صار كلُّ مسيحيٍ خائن، وكان من نتائج هذا التعميم أن انتقلت الأحداث الطائفية بين الدروز والموارنة في لبنان إلى دمشق، مع أن مسيحيي دمشق ليسوا من الموارنة. وقد نقول إنَّ رفع فرنسا شعار "حماية المسيحيين" في حينه، أدَّى إلى كارثة؛ فالموارنة طلبوا الحماية الدولية ليدمجوا أنفسهم في المسألة الشرقية آنذاك، وهذا في النتيجة ضرَّهم وعرَّضهم لمجزرة امتدَّت إلى دمشق.
وهذا أمرٌ يشبه بعضًا ممَّا يحصل اليوم، لأنَّه قد يتكرر مع الدروز؛ فانتشار وهم الحماية الإسرائيلية قد يكون سببًا في كارثة بموجب المبدأ نفسه، ويصير البحث عن شخصٍ يشبه عبد القادر الجزائري ضرورةً إنسانية وأخلاقية وسياسية، لإنقاذ الدروز من أنفسهم بالدرجة الأولى، ومن قاتلهم المُباشر بالدرجة الثانية.