من المفارقات أن ننتقل من أزمة تدهور قيمة العملة - والتي كان للإفراط في طباعتها سبباً رئيسياً بذلك التدهور - إلى أزمة شحّ في السيولة!
ما يقارب من 3 تريليون ريال خارج التداول فعلياً، محتجزة ومخزنة خارج المنظومة المصرفية.
المشكلة لم تعد في حجم النقود… بل في غياب إدارتها ودورانها.
وما زلنا نعول على إدارة البنك المركزي كثيراً في وضع الحلول والمعالجات اللازمة لمعالجتها أو حتى الحد منها.
بعيدًا عن التنظيرات التي ذهبت إليها بعض الآراء، فإن قرار البنك المركزي برفع الحد الأدنى لسعر الفائدة على الودائع يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح، لما له من دور مهم في تفعيل أدوات السياسة النقدية وتعزيز قدرتها على التأثير في السوق.
فهذا القرار من شأنه أن يعيد توجيه جزء من السيولة النقدية المحتجزة خارج الجهاز المصرفي - سواء لدى بعض التجار أو شركات الصرافة - نحو القنوات المصرفية الرسمية، عبر تحفيز الإيداع بدافع العائد، وهو ما يسهم في تحسين كفاءة إدارة الكتلة النقدية.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا القرار يظل مرهونًا بعدد من العوامل، أبرزها:
- مستوى الثقة في الجهاز المصرفي.
- استقرار سعر الصرف.
- قدرة البنك المركزي على فرض الالتزام على كافة الفاعلين في السوق.
وبالتالي، يمكن القول إن القرار يمثل أداة مهمة ضمن حزمة سياسات متكاملة تستهدف إعادة ضبط التوازن النقدي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
لو كان القمع يُخيف الشعوب ويُسكت صوتها، لكان علي عبد الله صالح قد أنهى الحراك الجنوبي منذ لحظته الأولى في 2007.
لكن الحقيقة أن القمع لا يُنهي القضايا… بل يُعمّقها.
لكنكم قومٌ لا تتعظون.
بيان هـام صادر عن الوفد الجنوبي في الرياض
يا جماهير شعبنا الجنوبي الأبيّ،
يا حماة الأرض والكرامة في حضرموت الإباء والصمود،
ببالغ الغضب والاعتزاز، يتابع الوفد الجنوبي في الرياض ما يتعرض له شعبنا الجنوبي الأبي في الداخل من اعتداءات وحشية وممارسات قمعية تتنافى مع كافة القيم الإنسانية والقوانين الدولية، جراء خروجه السلمي للتعبير عن تطلعاته وقضيته الوطنية العادلة.
إننا وأمام هذا الصلف والتمادي في استخدام القوة ضد المدنيين، ندين بأشد العبارات تلك الأفعال الهمجية التي تهدف إلى النيل من إرادة شعبنا وكسر عنفوانه والتي كان أخرها ما تعرض له أبناء شعبنا من المتظاهرين السلميين اليوم في مدينة المكلاء ، مؤكدين أن دماء الجنوبيين ليست رخيصة وأن سياسة الترهيب لن تزيدنا إلا ثباتاً على الحق.
وعليه، فإننا نحمّل الحكومة اليمنية ممثلةً بوزيري الدفاع والداخلية، وكذا محافظ محافظة حضرموت، المسؤولية الكاملة عن هذه الانتهاكات الصارخة، ونطالب بإقالتهم الفورية من مناصبهم وإحالتهم للتحقيق والمحاسبة على ما اقترفوه من جرائم بحق المتظاهرين السلميين.
كما نشدد على ضرورة فتح تحقيق عاجل وشفاف بإشراف دولي لكشف الجناة وضمان عدم تكرار هذه التجاوزات التي تقوض فرص السلم والأمن والإستقرار .
وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية تجاه تضحيات شعبنا، يعلن الوفد الجنوبي عن تعليق كافة أنشطته ومهامه الرسمية في الرياض فوراً، ويؤكد أن العودة لممارسة أي نشاط سياسي أو تفاوضي مرهونة بالاستجابة الكاملة لمطالبنا، وعلى رأسها إقالة المتسببين في هذه الأحداث ومحاسبتهم، ووقف كافة أشكال الاستفزاز والاستعراض بالقوة في مدن الجنوب.
إننا ندعو المجتمع الدولي والإقليمي، وفي مقدمتهم قيادة المملكة العربية السعودية، إلى التدخل الفوري لوقف هذه الانتهاكات وتوفير الحماية لشعبنا الجنوبي الذي يمارس حقه المشروع في التعبير والتظاهر السلمي، كما نهيب بكافة المنظمات الحقوقية والإنسانية القيام بواجبها في رصد وتعرية هذه الممارسات القمعية أمام الرأي العام العالمي.
ختاماً،
إن الوفد الجنوبي سيظل منحازاً بالكامل لإرادة الشعب في الميادين، ولن تكون طاولات الحوار إلا وسيلة لتحقيق تطلعاتكم.
كما نؤكد أن نضالنا مستمر حتى تطهير كل شبر من أرض الجنوب العربي.
المجد والخلود للشهداء الأبرار
الشفاء العاجل للجرحى.. الحرية للأسرى .
وإنه لنضال حتى الاستقلال
صادر عن الوفد الجنوبي
الرياض
4 ابريل 2026
من أزمة الرواتب.. إلى أزمة الغاز .. إلى الكهرباء.. الى الوقود .. إلى عجز السيولة…الخ.
عناوين تتكرر، لكن جوهرها واحد:
ليست عجزًا… بل إدارة ممنهجة لأزمات.
تُخلق حين يُراد لها أن تُخلق، وتنتهي حين يُسمح لها أن تنتهي.
جمعة طيبة ومباركة على الجميع
فجأة ودون سابق إنذار، برزت أمامنا أزمة خانقة في السيولة من العملة المحلية، بعد أن كانت الأسواق – وقبل فترة ليست ببعيدة – تشهد حالة من التكدس الكبير للنقد، الأمر الذي أدى حينها إلى تراجع قيمة العملة المحلية بشكل ملحوظ أمام العملات الأجنبية.
ومنذ موجة التحسن المفاجئة التي شهدتها العملة المحلية مع نهاية يوليو من العام الماضي، بدأت تتشكل ملامح أزمة جديدة تمثلت في اختفاء كميات كبيرة من الكتلة النقدية من التداول في الأسواق، وهو ما انعكس في صورة شح واضح في السيولة لدى التجار والمؤسسات وحتى لدى الأفراد.
ولا شك أن هذه الكتلة النقدية لم تختفِ فعليًا من الاقتصاد، وإنما خرجت من دائرة التداول، وبكل تأكيد فقد أصبحت مخزنة في خزائن خاصة لدى بعض البنوك وشركات الصرافة، وربما لدى بعض كبار التجار والمضاربين، بدوافع متعددة تتعلق بالتحوط أو المضاربة أو التخوف من تقلبات السوق.
وهنا يكمن جوهر المشكلة، فالأزمة لا تتعلق بحجم النقود المتوفرة في الاقتصاد بقدر ما تتعلق بتعطل الدورة النقدية للنقود، أي ببطء أو توقف انتقال الأموال بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
ففي الظروف الطبيعية، يفترض أن تتحرك النقود بشكل مستمر داخل الاقتصاد عبر البنوك وشركات الصرافة والأسواق، بحيث تنتقل من المدفوعات الحكومية إلى الأفراد، ومن الأفراد إلى التجار، ومن التجار إلى البنوك، ومن البنوك إلى البنك المركزي، ثم تعود إلى الدورة الاقتصادية مرة أخرى. لكن عندما تتعطل هذه الحلقة لأي سبب، فإن السيولة تصبح راكدة في بعض المواقع، بينما تظهر حالة من الشح في مواقع أخرى، وهو ما يخلق انطباعًا بوجود أزمة سيولة رغم أن جزءًا كبيرًا من النقود هو موجودًا بالفعل خارج دائرة التداول الفعلي.
إن إحدى أهم المشكلات في هذا السياق، تتمثل في عدم التزام البنوك وشركات الصرافة بالاحتفاظ بسقوف محددة من السيولة أو بإيداع جزء من أرصدتها لدى البنك المركزي وفقًا للضوابط التنظيمية المعمول بها، وذلك بسبب تخوف هذه المؤسسات من عدم قدرة البنك المركزي على تلبية طلباتها بالسحب عند الحاجة، خصوصا في ظل العجز المالي الكبير الذي يواجهه البنك المركزي والضغوط التي يتعرض لها نتيجة محدودية الموارد وارتفاع الالتزامات.
هذا التخوف – سواء كان مبرراً أو مبالغاً فيه – أدى عمليا إلى إضعاف العلاقة بين البنك المركزي والقطاع المصرفي، وأصبح كثير من المؤسسات المالية يفضل الاحتفاظ بسيولة كبيرة خارج النظام النقدي الرسمي كنوع من التحوط، وهو ما يؤدي إلى تعطيل جزء مهم وكبير من الكتلة النقدية ويحد من قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة في السوق
ومن هنا فإن معالجة هذه المشكلة ينبغي أن يبدأ أولاً بتفعيل الدورة النقدية للنقود وإعادة إدخال الكتلة النقدية المخزنة إلى السوق، بدلاً من اللجوء مباشرة إلى خيارات قد تكون أكثر خطورة مثل التوسع في طباعة العملة. ويتطلب ذلك في المقام الأول قيام البنك المركزي بتعزيز دوره في إدارة السيولة داخل النظام المالي، والعمل على إعادة بناء الثقة مع البنوك وشركات الصرافة، بحيث تشعر هذه المؤسسات بالاطمئنان إلى قدرتها على إيداع السيولة لدى البنك المركزي واستعادتها عند الحاجة.
كما أن من الضروري إعادة تفعيل الضوابط التنظيمية الخاصة بالسيولة، بما في ذلك إلزام البنوك وشركات الصرافة بالاحتفاظ بسقوف محددة من السيولة داخل النظام المصرفي، وإيداع جزء منها لدى البنك المركزي وفق الأطر المنظمة للعمل المصرفي. فوجود سيولة كبيرة محتجزة خارج هذه المنظومة يحد من قدرة البنك المركزي على إدارة السوق النقدية بكفاءة.
ومن الإجراءات المهمة كذلك مراقبة الممارسات الاحتكارية أو المضاربية التي قد تدفع بعض الأطراف إلى تخزين النقد خارج التداول بهدف التأثير على السوق أو تحقيق مكاسب قصيرة الأجل، فمثل هذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى اختلال في السيولة بل قد تخلق تقلبات حادة في سعر الصرف.
إن النقود التي تبقى حبيسة الخزائن تفقد جزءاً كبيرا من وظيفتها الاقتصادية، بينما النقود التي تتحرك باستمرار داخل الاقتصاد هي التي تسهم في تنشيط التجارة وتحفيز الإنتاج واستقرار المعاملات اليومية. ولذلك فإن نجاح السياسة النقدية لا يقاس فقط بحجم الكتلة النقدية، بل بمدى قدرتها على الدوران الفعلي داخل الاقتصاد.
وفي هذا السياق، فإن التحدي الحقيقي أمام البنك المركزي والحكومة يتمثل اليوم في إعادة تشغيل الدورة النقدية للنقود وضمان انتقالها بشكل طبيعي بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين. فمتى ما عادت النقود إلى الحركة، فإن جزءاً كبيراً من أزمة السيولة سيتراجع تلقائيا دون الحاجة إلى إجراءات استثنائية قد تزيد من تعقيدات المشهد النقدي في المستقبل
د. مساعد القطيبي
١٧ مارس ٢٠٢٦
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾
بين واقع نشتكيه ومستقبل نصنعه… تقف إرادة الإنسان وقدرته على تغيير ما في نفسه أولاً.
فالتغيير يبدأ من الداخل، ومن هناك يبدأ طريق النهوض.
عزيزي فتحي بن لزرق @fathibnlazrq
لقد رسمتَ نصف المشهد الحالي، وربما الجزء الأكبر منه، لكن تبقى هناك أجزاء مهمة لم تكتمل بعد.
صحيح أن بعض التجار والصرافين قاموا باحتجاز جزء كبير من السيولة المحلية، ما أدى إلى ظهور عجز نسبي في العرض النقدي داخل السوق. غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي التوقف عنده أولاً هو: ما الذي دفع هؤلاء إلى احتجاز كميات هائلة من النقد المحلي؟
بتقديري الشخصي فإن ذلك يعود لسببين رئيسيين:
السبب الأول:
توقعات بحدوث موجة تحسن جديدة في قيمة العملة المحلية، وهي توقعات يُعتقد أن البنك المركزي عمل عليها منذ فترة. فبعد المرحلة الأولى من التحسن التي شهدها الريال اليمني تقريبًا في أغسطس الماضي، والتي نجح خلالها البنك المركزي في المحافظة على سعر الصرف عند مستوى معين (425–428 ريال يمني لكل ريال سعودي)، شاع في أوساط التجار حديث عن مرحلة ثانية مرتقبة مع مطلع العام الحالي.
وبناءً على تسريبات متداولة حول نية البنك المركزي إحداث هذا التحسن، لجأ كثير من التجار إلى الاحتفاظ بالريال اليمني والتخلص من جزء من العملات الأجنبية، على أمل إعادة شرائها لاحقا بسعر أقل بعد تحسن قيمة العملة المحلية.
السبب الثاني:
وهو سلوك معتاد تمارسه بعض شبكات الصرافين عبر تفاهمات غير معلنة، تهدف إلى رسم مسار معين لسعر الصرف. ويتم ذلك من خلال سحب كميات كبيرة من النقد المحلي مقابل ضخ العملات الأجنبية، لخلق حالة توازن مصطنعة في السوق.
هذا التوازن يسمح لهم بشراء العملات الأجنبية بأسعار منخفضة، ثم يعقب ذلك ضخ مفاجئ للسيولة المحلية، ما يؤدي إلى تدهور قيمة الريال وارتفاع أسعار العملات الأجنبية، ليقوموا لاحقاً ببيع ما جمعوه من عملات بأسعار مرتفعة جداً.
ولكم أن تتصوّروا حجم الأرباح التي تتحقق من مثل هذه العمليات.
بهذه الأساليب، يتحكم بعض الصرافين (من بنوك وشركات ومنشآت صرافة وتجار) في حركة السوق المصرفية. وإذا لم يتدخل البنك المركزي بسياسات حازمة وإجراءات صارمة، فإن السوق قد يعود إلى حالة اضطراب جديدة في أي لحظة.
ومع ذلك، نتوقع أن البنك المركزي أصبح اليوم أكثر قدرة على التعامل مع السيناريوهات التي اعتاد بعض كبار المضاربين رسمها داخل السوق المحلية، وأكثر استعداداً لإفشال محاولات العبث بسعر الصرف إن أُحسن استخدام الأدوات المتاحة.
د. مساعد القطيبي
١٨فبراير ٢٠٢٦
انظر لسفاهة كلامك، ودناءة أسلوبك…
فبأمثالك كره الناس الوحدة وكفروا بها، وازدادوا تشبثاً في الخلاص منكم ومن مستنقعاتكم.
قس ضآلة لغتك وابتذال طرحك بما قاله الأستاذ محمد الغيثي،
وستدرك حينها من يملك موقفاً، ومن لا يملك إلا الضجيج.
وهنا لا يسعنا الا ان نقول فيك ما قاله الشاعر:
وما ضرَّ بحرَ الفراتِ يومًا
إذا خاضَ بعضُ الكلابِ فيهِ
سلام الله على "المثلث" وأهله، الرجال الصادقين.
ولا قلق .. فقد سبق لهؤلاء أن حاصروا المثلث والجنوب، بل غزوه عسكرياً مرتين في 1994 و2015، ومورست بحق أهله، وبحق الجنوب عامة، كل أشكال الاحتلال والجريمة والإقصاء، لكن النتيجة كانت دائماً سقوط مشاريع الهيمنة والاحتلال وبقاء الجنوب ومثلثه البطل صامدين.
وللأسف ان هذا الخطاب يصدر عن مسؤول يحمل صفة رسمية، وهو في الوقت نفسه من الذين سُلّمت صنعاء في عهدهم للحوثيين، ثم طُردوا منها، وعجزوا طوال أكثر من 11 عاماً عن تحريرها.
والسؤال المشروع اليوم:
إذا كان هذا هو الخطاب تجاه الجنوب من شخصية رسمية، فكيف سيكون الحال لو مُكّنت هذه العقليات من تقرير مصير مناطق لم ولن تخضع لهم أصلاً؟
الجنوب والمثلث لم يكن يوماً مصدر فوضى، بل كان خط الدفاع الأول في مواجهة مليشيات الحوثي، وقدم تضحيات كبيرة دفاعاً عن قضيته وأمن المنطقة كلها.
ومن "يتفرج" او "يتساهل" مع هكذا خطاب تحريضي خطير يأتي ضمن عملية ممنهجة سيدرك خطورته إذا قاد - لا سمح الله - الى انتاج الفوضى، خاصة ان التجربة قد اثبتت ان استهداف الجنوب وفرض الحلول بالقوة أو بعقلية المنتصر لا يصنع استقراراً ولا يبني دولة،
ونصيحتي ان أوقفوا هكذا خطاب غير مسؤول …..
قمع المتظاهرين السلميين لن يكسر إرادة الشعب، بل سيزيده إصرارا واندفاعا نحو تصعيد أكبر. فالقبضة الأمنية لا تصنع استقراراً، بل تدفع الأوضاع إلى مزيد من التعقيد حتى تخرج عن السيطرة.
والتاريخ شاهد على الأنظمة التي راهنت على القوة لإسكات الشعوب فسقطت أمام إرادتها. فإرادة الشعوب إذا نهضت لا تُهزم.
في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى وضوح الأولويات أكثر من أي وقت مضى، من المؤسف ان تنشغل بعض النخب اليمنية باستهداف الجنوب وقضيته وجماهيره ورموزه، بينما يتراجع الحديث عن الخطر الحقيقي الذي ما زال يهدد المنطقة بأسرها والمتمثل في ميليشيات الحوثي الإرهابية.
وفي السياق ذاته، فإن تكرار الحديث عن "الوحدة" لا يغيّر حقيقة الواقع السياسي والشعبي القائم على الأرض، والذي أثبت ان تجاهل المتغيرات أو القفز فوق إرادة الناس لم يعد ممكناً، وهو ما يتطلب المضي في مسار سياسي مسؤول ومدعوم إقليمياً يعالج جذور الأزمة ويقود إلى حلول واقعية ومستدامة.
لذلك نقول لإخوتنا:
إن الاستقرار لا يصنعه تجاهل أصل المشكلة ولا إعادة إنتاج تجارب أثبتت فشلها وعجزها، بل يبدأ بمسارين واضحين:
⁃حلّ قضية الجنوب بما يلبي تطلعات شعبه واحترام إرادته في تقرير مصيره، لأن أي حلول تتجاوز هذه الحقيقة سيكون مصيرها الفشل، مهما تغيّرت العناوين أو الصيغ.
⁃إنهاء مصدر التهديد في الشمال والمتمثل في ميليشيات الحوثي الإرهابية.
ختاماً، التاريخ يثبت أن الأزمات لا تُحل بتغيير العناوين، بل بمواجهة الحقائق كما هي، وأي حلول لا تقوم على هذين المسارين لن تجد طريقها للتنفيذ مهما بدت ممكنة على الورق.
يُحكى أن رجلاً كان يملك مركباً يعبر به الركاب بين ضفتي نهر، وقد ذاع عنه أنه لا تمر امرأة على مركبه إلا ويغتصبها، حتى صار ذلك أمراً مسلّماً به بين الناس، ولم تُعرف امرأة نجت من فعله.
وذات يوم بلغ خبره امرأة اشتهرت بالشجاعة والقوة، فقررت أن تتحداه. صعدت إلى مركبه وهي تمطره بالتهديد والوعيد، مترقبة اللحظة التي سيحاول فيها الاعتداء عليها كما فعل مع غيرها. غير أن الرجل ظل صامتاً، ومضى المركب حتى اقترب من الضفة الأخرى، دون أن يصدر عنه ما كانت تنتظره.
عندها سألته باستغراب: لماذا لم تفعل بي ما تفعل بسائر النساء؟
أجابها ببرود: لا حاجة لي بذلك. لكن اعلمي شيئًا واحداً… لن يصدقك أحد إن قلتِ إنك عبرتِ على مركبي دون أن تُغتَصبي. فالناس موقنون أن كل امرأة صعدت معي لم تنزل إلا وقد تعرضت للاغتصاب، ولن يشذّوا عن هذا الاعتقاد من أجلك.
الشاهد من هذه الحكاية: أن سمعة الناس غالباً ما تدان على هذا النحو، حيث يُدان الأشخاص أحياناً ليس بما اقترفوه، بل بالمكان الذي مرّوا به. وكم تنطبق هذه الحكاية على حال من ذهبوا اليوم إلى الرياض؛ فما إن يذهب أحدهم إليها، حتى تتسابق الاتهامات، ويُوزَّع التخوين، وكأن الذنب ملازم للوجهة لا للموقف، وللظنّ لا للحقيقة.
وتظل مصفاة عدن خير شاهد على حجم المؤامرات التي تستهدف المنشآت الإنتاجية والخدمية في الجنوب، وأصدق تعبير عن حالة الفشل الحكومي الذي وقف عاجزاً عن استعادة نشاطها الانتاجي ودورها الاقتصادي في البلد.
من الواضح اليوم، وبلا أي لبس، أن "بعض"أنصار الأحزاب التقليدية المأزومة والفاشلة يقودون حملة تنمّر سياسي وضغط نفسي مشبع بالحقد ضد شعب الجنوب، في لحظة سياسية شديدة الحساسية والخطورة.
هذه القوى لم تعد تميّز بين خصومتها مع أشخاص أو مكونات، وبين استهداف شعب كامل وقضية عادلة، وكأن الكراهية صارت برنامجها السياسي الوحيد.
المفارقة أن كثيرًا من هذه الأصوات التي تزايد وتحرّض، لا تملك اليوم أرضًا ولا حاضنة ولا شرعية شعبية، ومع ذلك تتعمد تصعيد خطابها كلما اقتربت لحظة تشكيل الحكومة، في محاولة مكشوفة للالتفاف على استحقاقات الجنوب وتجاوز مطالب أبنائه.
وهنا نقولها بوضوح:
المناصفة، بصيغتها الحالية، ليست عادله، ولا يمكن أن تكون عادلة بين أصحاب الأرض ومن لا يملك أرضًا ولا تمثيلًا حقيقيًا عليها. وأي حكومة لا تلبّي الحد الأعلى من الشراكة الفعلية مع قوى الحراك الجنوبي بكل مكوناته، ستكون حكومة فاشلة منذ لحظة إعلانها حيث ان الشراكة الحقيقية ليست منّة من أحد، بل هي استحقاق تفرضه التضحيات والحاضنة الشعبية.
كما أن أي حكومة تُقحم في صفوفها أسماء فاشلة، معروفة بعدائها لشعب الجنوب وقضيته، لن يكون لها موطئ قدم على أرض الجنوب، وستبقى حكومة معزولة، محصورة خلف الأسوار، أو حكومة منفى تبحث لها عن أرض غير أرضنا.
هذه مرحلة حساسة، وشعب الجنوب ليس في وارد القبول بإعادة إنتاج الإقصاء أو الاستعلاء أو الوصاية.
الأرض أرضنا.
والقرار قرارنا.
ومن لا يحترم ذلك… فليبحث له عن مكان آخر.
#احمد_الصالح