يدك يا بابا...
يدك التي أمسكت بيدي على الطرقات، وقادتني في النزهات، وحمتني على مفترقات الحياة وفي أصعب الأوقات.
يدك المرتجفة التي كانت تسكب لي قهوة الصباح.
يدك التي تلاحمت مع يدي ولم تفارقها حتى بعد الممات.
يدك التي زرعت التين والزيتون بحب لم يعرف السكون.
يدك يدي، أنظر إليها وأبتسم، وأراك مبتسماً أيها الراحل الذي لم يرحل، بل حيٌّ في القلب لم يزل.
ثمرة الروح
نقل لنا أنطوان دو سانت إكزوبيري حواراً مع "الأمير الصغير" الذي قال ببراءته المعهودة: "يزرع الناس لديكم خمسة آلاف وردة في حديقة واحدة، ومع ذلك لا يجدون ما يبحثون عنه". فأجبت: "لا يجدونه". فأضاف: "ومع ذلك، فإن ما يبحثون عنه قد يكون موجوداً في وردة واحدة، أو في قليل من الماء".
نجد الاكتفاء أيضاً في اللقاءات الروحية التي نغوص فيها في الأعماق أو نُحلّق في الأعالي، مبتعدين عن السطحية والصغائر، وعن مرآة لا تعكس سوى المظاهر المتغيرة على الدوام. فحين نلتقي بصدق نرتقي، وتنتفي أسباب المشاحنات والحروب.
أما ثمرة هذا اللقاء فهي سكينةٌ لطالما بحث عنها الإنسان وسط ضوضاء عالمٍ ماديٍّ متشظٍّ، أنكر الروح واكتفى بمظاهر خادعة وعابرة تقوده إلى الهلاك.
متى ينتهي الليل ويبدأ النهار؟
استوقفتني حكايةٌ قديمة عن حاخامٍ عجوز سأل تلاميذه ذات مرة: كيف يمكنهم معرفة متى ينتهي الليل ويبدأ النهار؟
أجابه أحدهم: "هل يكون ذلك عندما ترى حيواناً من بعيد وتُميّز ما إذا كان خروفاً أم كلباً؟" فردَّ الحاخام: "لا". فقال آخر: "هل يكون ذلك عندما تنظر إلى شجرة من بعيد وتُميّز ما إذا كانت تينةً أم خوخةً؟" أجاب الحاخام: "لا". فسأله التلاميذ: "ما هو إذن؟" قال: "هو أن تنظر إلى وجه أي رجل أو امرأة فترى فيه أخاك أو أختك؛ فإذا لم تستطع رؤية ذلك، فما زال الليل حالكاً".
إنَّ ليل القرن الحادي والعشرين حالكٌ جداً؛ بل هو أحلك من القرن الذي سبقه، حيث كانت الحروب تندلع ثم تتوقف، وتُعقد معاهدات السلام، وتتفرغ دولٌ لتطوير مجتمعاتها وتقنياتها، متنافسةً بالعلم والسلم لتحقيق رفاهية الإنسان وصون كرامته.
أما ليلنا اليوم، فلا نُميّز فيه شيئاً؛ ظلمةٌ وظلمٌ يتفاقمان، وأرواحٌ بريئة تُهدر في حروبٍ لا تنتهي، وعداواتٌ مصطنعة واصطفافاتٌ تنذر بحروبٍ جديدة تعتمد أحدث الأسلحة وأشدها فتكاً بالإنسان والأرض.
لقد سُخّر كل التقدم للقضاء على الآخرين، وبين إبادةٍ وأخرى يضمحل العالم القديم وتتلاشى معه القيم الإنسانية، وتحل الروبوتات مكان البشر تحت أنظار عالمٍ أصمَّ وأبكم وأعمى، لا يُحاكم من ارتكب الإبادات الجماعية، لا بل يُحضّر للمزيد منها تحت شعاراتٍ طنّانة لا تُقنع طفلاً بصدقيتها.
إنَّ جنون القادة ومجونهم يسخران الاختراعات العلمية لخدمة مصالحهم الآنيّة، ضاربين عرض الحائط بمصير البشرية.
فمن يوقف هذا الانفجار القادم لا محالة إذا استمر هذا الانحدار؟
متى ينجلي هذا الليل الذي طال؟
متى تشرق شمس الرحمة في قلب الحكّام؟