كثيرًا ما يلفت انتباههم صوتي، ذلك الصوت الذي يصفونه بالدلال، بينما أسمعه أنا عاديًّا، لا يختلف عن صوت أيّ امرأة أخرى ولعلّ المرء لا يُدرك ما في صوته من سحرٍ حتى يُصغي إليه بآذان الآخرين
كلما قرأت شعر ابن زيدون في ولّادة، شعرت أن بعض الحب خُلق ليُروى لا ليكتمل؛وأن الفراق وإن حرم العاشق من وصال محبوبه، قد يهب حكايته عمرًا أطول من أعمار العاشقين
من المثير للغرابة كيف تنتزع مني الرغبة حدّتي وتستبدل بها لينًا وخضوعًا، فأغدو أكثر تهذيبًا، وأميل إلى التودّد والمبالغة في الاحترام، حتى أجد لذّة في التذلّل لم أعهَدها في نفسي، وكأن الشهوة تعيد تشكيل طباعي دون أن أشعر.
أستفزّه بالكلمات، واتمادى في دلالي، مستندةً إلى يقيني بأنه لا يستطيع الوصول إليّ الآن، وأن بينه وبيني مسافةً تمنحني من الجرأة ما يكفي لأعبث بأعصابه وأختبر حدود صبره، وأتعمد استفزاز كبريائه، حتى يتبدّل صوته وتبدأ نبرة التوعّد بالتسلّل إلى كلماته !
«نصف ساعة وأتفاهم معك»
ربّاه، أما يعلم ماذا تفعل بي هذه الجملة؟ كيف تنتزع منّي جرأتي دفعةً واحدة، وتبدّد تلك الثقة التي كنت أستعرضها قبل لحظات؟ أعرف عندها أن الدقائق القادمة لن تمرّ بسلام، وأنني سأتحوّل من تلك المتغنّجة التي لا تكفّ عن استفزازه، إلى فتاةٍ تتوسّل إليه الرحمة
والمثير للسخرية أنّني قد أبدو أكثر الناس براءةً في أعينهم، بينما لا يخطر ببالهم ولو لوهلة أنّ خلف هذا الهدوء عقلًا بهذه الفوضى، وخلف هذا الوجه الملائكي أفكارًا بهذا القدر من الجرأة.
رغم ما أتحلّى به من ثقافةٍ وأدب، ورغم ملامحي البريئة التي تكاد تُشبه صفاء الملائكة
فإنّ في داخلي جانبًا آخر لا يمتّ لهذه الصورة بصلة جانبًا لا يُمكن لأحدٍ أن يتخيّل وجوده، ولا أن يتوقّع ما يدور خلف هذا الوجه الهادئ من أفكارٍ جريئة وتفاصيل لا تليق ببراءة ملامحي
جمال الجسد الناعم والرقيق له ضريبته الخاصة؛ أن تبلغ بكَ رهافة الملمس حدًّا يجعل أبسط الأشياء التي تلامس جلدك مصدرًا للانزعاج، فتتحسّس من خشونة بجامتك، أو تضيق بملمس فراشك، لا لشيء سوى أن بشرتك اعتادت اللطف حتى غدت لا تحتمل ما هو أخشن منه!
أستشعر رِقّة جسدي كلّما كنتُ بقربه وألمس في حضرته أنوثةً طاغيةً لا تستيقظ إلا على أعتاب رجولته، ولا تتجلّى بكامل سحرها إلا في حضرة خشونته؛ كأنّ في فحولته ما يستدعي منّي أرقّ ما في طبيعتي ويوقظ في أعماقي أنوثةً لا تعرف الظهور إلا معه.
في كل مرةٍ كان ينساب فيها صوته الخشن إلى مسامعي، كنتُ أشعر بهيمنةٍ آسرةٍ تتجاوز قدرتي على المقاومة، وبفحولةٍ في نبرته تُربك حواسي وتُشعل في جسدي ارتباكًا لا أستطيع إخفاءه حتى إنني كنتُ أشعر برطوبةٍ تتسلّل بين فخذيّ دون إرادةٍ مني، لمجرّد الإصغاء إليه ،كان لصوته وقعٌ يسلبني اتزاني
في كل مرة يُرغمني فيها على رفع بصري إلى عينيه، كنتُ أرى فيهما سطوة لا تقبل الجدل، وكبرياء يفرض حضوره دون استئذان وما إن تنفرج شفتاي لأُطلق زفرةً أو أُفصح عن اعتراضٍ خافت، حتى يسبقني بصوته: آششش.. فتتلاشى الكلمات قبل أن تولد
كان في صوته من الخشونة
ما يكفي ليُسكت الاعتراض
وفي نبرته من الحدة
ما يجعل التردد مستحيلًا
فما إن يأمر حتى أُصغي إليه على الفور، لا طاعةً فحسب، بل رهبةً من العاقبة التي قد تلي مخالفته