ساطع نورالدين
تخريفات ترامب..لن تخيف اللبنانيين والسوريين
لا يؤخذ على محمل الجد كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير عن الاستعانة بالرئيس السوري احمد الشرع لنزع سلاح حزب الله في لبنان. هو مجرد هذيانِ رجلٍ خرفٍ، يخوض غمار السياسة الدولية، من دون أي تقدير للعواقب ولا حتى للأعراف والتقاليد.. بما فيها الأميركية التي لا تزال تحميه من المحاسبة والمراقبة، وتضع بقية دول العالم في حيرة دائمة حول كيفية التعامل معه.
الاستنتاج بأن ترامب كان يخرّف عندما تحدث عن مثل هذا الدور للشرع في لبنان، وهو على الأرجح آخر من سمعه من أحد مستشاريه، وأول ما خطر في باله عندما تذكر مشكلة صديقه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع حزب الله، لا ينفي حقيقة الخطر الذي يمثله التفوه بمثل هذه الفكرة أمام شعبين ونظامين لا يتمتعان بالحصانة الكافية لتفادي التورط مجدداً في صراع داخلي يمكن ان يعيدهما الى ما هو أسوأ من الحقبة الاسدية السوداء في تاريخ الدولتين.
والمفارقة أن الأمل الوحيد للخروج من هذه الورطة، هو ان يلتقط نتنياهو إشارة ترامب، ويحسن سلوكه اللبناني، ويلتزم بالعمل العسكري الجراحي ضد حزب الله، حتى لا تضطر واشنطن الى استبداله بالرئيس السوري الذي يقوم بأداء "رائع" حسب تعبير الرئيس الاميركي، في ضبط التنظيمات والمليشيات المسلحة التي جرى استيعابها في مؤسسات الدولة السورية الجديدة. وعدا ذلك فإن إثارة الأحقاد والضغائن اللبنانية والسورية المتبادلة، لن تحتاج الى الكثير من الجهد والوقت، لكي تزيل الحدود المصطنعة بين البلدين والشعبين!
"تخريفة" ترامب اللبنانية الأخيرة، والتي تفوق تخريفاته السابقة عن القمة المرجوة بين الرئيس جوزف عون وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي، كانت في الأصل موجهة الى نتنياهو، الذي لا يكن الود أيضاً لحليف أميركا الجديد في دمشق، ولا يثق بأنه سيظل منضبطاً بالتعليمات الأميركية والتركية..و لا يتمنى ان يرسل الشرع الجيش السوري الجديد، ذي العقيدة الأخطر من البعث، الى أي بقعة من لبنان، ولن يسمح بوصوله لا الى الليطاني ولا حتى الى نهر الاولي.
تجاهل تخريفة ترامب هو الخيار اللبناني الأنسب، وإعتبارها بلا أي أثر حتى على العلاقات الأميركية الاسرائيلية، التي تحولت منذ "الاتصال البذيء" بين ترامب ونتنياهو الى خبر عالمي، ومفتاح رئيسي لفهم الحرب مع إيران ولبنان، مع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لفت الانتباه الى أن وصفه ب"العرص" وتهديده بالسجن من قبل شريكه الأميركي هو من الأمور التي تحصل في جميع العائلات، ولا حاجة الى تضخيم خلافات عابرة..تجاوزها الجانبان، عندما خاضا معاً تجربة الاشتباك العسكري الأخير مع إيران، الذي بدا أنه تعبير عن تمرد إسرائيلي على الإرادة الأميركية، قبل ان يتبين أن الأمر مجرد مناوشة صاروخية محدودة تشبه المناوشات التي تدور في مياه الخليج العربي، ساهمت في تقريب إيران من التوقيع على الاتفاق المنشود مع أميركا.
ولعل أهم حصيلة لتلك المناوشة الأخيرة، التي رسخت صورة ترامب كصانع سلام، وصورة نتنياهو كمدمن حرب، وعمقت تحالفهما المقدس أكثر من أي وقت مضى، وجددت ادارتهما المشتركة للمعركة..هي أنها كشفت مرة أخرى حدود الدور الايراني في لبنان، الذي تراجع عن محاولة الانقلاب على التفاهم الثلاثي الصادر في واشنطن، واكتفى بالموافقة على تحييدٍ مشروطٍ (عرضه ترامب ونتنياهو) لبيروت وضاحيتها الجنوبية.. وقدم جنوب لبنان على طبق من فضة للعدو الإسرائيلي، الذي استوعب الصواريخ الإيرانية الاخيرة (من دون ان يسقط له قتيل واحد)، وما زال يمضي قدماً في تصفية الوجود الشيعي في الجنوب.. لتفادي الحاجة الى قوات ردع سورية جديدة!
بيروت في 9 / 6 / 2026
ساطع نورالدين
تخريفات ترامب..لن تخيف اللبنانيين والسوريين
لا يؤخذ على محمل الجد كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير عن الاستعانة بالرئيس السوري احمد الشرع لنزع سلاح حزب الله في لبنان. هو مجرد هذيانِ رجلٍ خرفٍ، يخوض غمار السياسة الدولية، من دون أي تقدير للعواقب ولا حتى للأعراف والتقاليد.. بما فيها الأميركية التي لا تزال تحميه من المحاسبة والمراقبة، وتضع بقية دول العالم في حيرة دائمة حول كيفية التعامل معه.
الاستنتاج بأن ترامب كان يخرّف عندما تحدث عن مثل هذا الدور للشرع في لبنان، وهو على الأرجح آخر من سمعه من أحد مستشاريه، وأول ما خطر في باله عندما تذكر مشكلة صديقه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع حزب الله، لا ينفي حقيقة الخطر الذي يمثله التفوه بمثل هذه الفكرة أمام شعبين ونظامين لا يتمتعان بالحصانة الكافية لتفادي التورط مجدداً في صراع داخلي يمكن ان يعيدهما الى ما هو أسوأ من الحقبة الاسدية السوداء في تاريخ الدولتين.
والمفارقة أن الأمل الوحيد للخروج من هذه الورطة، هو ان يلتقط نتنياهو إشارة ترامب، ويحسن سلوكه اللبناني، ويلتزم بالعمل العسكري الجراحي ضد حزب الله، حتى لا تضطر واشنطن الى استبداله بالرئيس السوري الذي يقوم بأداء "رائع" حسب تعبير الرئيس الاميركي، في ضبط التنظيمات والمليشيات المسلحة التي جرى استيعابها في مؤسسات الدولة السورية الجديدة. وعدا ذلك فإن إثارة الأحقاد والضغائن اللبنانية والسورية المتبادلة، لن تحتاج الى الكثير من الجهد والوقت، لكي تزيل الحدود المصطنعة بين البلدين والشعبين!
"تخريفة" ترامب اللبنانية الأخيرة، والتي تفوق تخريفاته السابقة عن القمة المرجوة بين الرئيس جوزف عون وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي، كانت في الأصل موجهة الى نتنياهو، الذي لا يكن الود أيضاً لحليف أميركا الجديد في دمشق، ولا يثق بأنه سيظل منضبطاً بالتعليمات الأميركية والتركية..و لا يتمنى ان يرسل الشرع الجيش السوري الجديد، ذي العقيدة الأخطر من البعث، الى أي بقعة من لبنان، ولن يسمح بوصوله لا الى الليطاني ولا حتى الى نهر الاولي.
تجاهل تخريفة ترامب هو الخيار اللبناني الأنسب، وإعتبارها بلا أي أثر حتى على العلاقات الأميركية الاسرائيلية، التي تحولت منذ "الاتصال البذيء" بين ترامب ونتنياهو الى خبر عالمي، ومفتاح رئيسي لفهم الحرب مع إيران ولبنان، مع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لفت الانتباه الى أن وصفه ب"العرص" وتهديده بالسجن من قبل شريكه الأميركي هو من الأمور التي تحصل في جميع العائلات، ولا حاجة الى تضخيم خلافات عابرة..تجاوزها الجانبان، عندما خاضا معاً تجربة الاشتباك العسكري الأخير مع إيران، الذي بدا أنه تعبير عن تمرد إسرائيلي على الإرادة الأميركية، قبل ان يتبين أن الأمر مجرد مناوشة صاروخية محدودة تشبه المناوشات التي تدور في مياه الخليج العربي، ساهمت في تقريب إيران من التوقيع على الاتفاق المنشود مع أميركا.
ولعل أهم حصيلة لتلك المناوشة الأخيرة، التي رسخت صورة ترامب كصانع سلام، وصورة نتنياهو كمدمن حرب، وعمقت تحالفهما المقدس أكثر من أي وقت مضى، وجددت ادارتهما المشتركة للمعركة..هي أنها كشفت مرة أخرى حدود الدور الايراني في لبنان، الذي تراجع عن محاولة الانقلاب على التفاهم الثلاثي الصادر في واشنطن، واكتفى بالموافقة على تحييدٍ مشروطٍ (عرضه ترامب ونتنياهو) لبيروت وضاحيتها الجنوبية.. وقدم جنوب لبنان على طبق من فضة للعدو الإسرائيلي، الذي استوعب الصواريخ الإيرانية الاخيرة (من دون ان يسقط له قتيل واحد)، وما زال يمضي قدماً في تصفية الوجود الشيعي في الجنوب.. لتفادي الحاجة الى قوات ردع سورية جديدة!
بيروت في 9 / 6 / 2026
ساطع نورالدين
الانقلاب الإيراني الفاشل..على لبنان والحزب
هي أشبه بمحاولة انقلاب إيرانية متأخرة، ويائسة، على مساعي تحرير لبنان من قبضة إيران وفصله عن مسار المفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.. لن يكون من الصعب احباطها وتحويلها الى عنصر قوة للموقف اللبناني الرسمي، الذي يتوسل وقف المذابح المروعة التي يرتكبها العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان.
ليس هناك من توصيف آخر يمكن أن يشرح البيان الذي أصدره الحرس الثوري الإيراني ورفض فيه التفاهم اللبناني الاسرائيلي الأميركي، الذي اعلن في واشنطن قبل ثلاثة أيام، ثم الفقرات الخمس التي أضيفت (نعم أضيفت) على عجل الى كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الأخيرة، التي أدان فيها ذلك التفاهم وأدرجه في خانة إخضاع لبنان للإرادة الإسرائيلية.. مع العلم أن طهران والحزب كانا على علم مسبق بمحتوى التفاهم والاقتراحات الرسمية اللبنانية، الخاصة بوقف النار الشامل الذي بات شرطاً مسبقاً للشروع في الانتشار التدريجي للجيش اللبناني بدءاً من المنطقة التجريبية المقترحة في قلعة الشقيف والزوطرين، وصولاً الى الحدود الدولية بشكل تدريجي وعلى مراحل.
الاشتباهُ واردٌ بأن طهران واجهت في تلك المحاولة الانقلابية، ما يبدو انه تفلت أو اجتهاد خاص من الحزب الذي ابدى في الأيام التي سبقت جولة مفاوضات واشنطن الأخيرة استعداداً علنياً وصريحاً لوقف النار والانسحاب الفوري من جنوب نهر الليطاني، وضمناً من منطقة الشقيف والزوطرين الواقعة شمال النهر، مقابل انسحاب تدريجي إسرائيلي الى الحدود الدولية يضمنه الجيش اللبناني. وهو ما جرى إبلاغه رسمياً الى الرئيس نبيه بري الذي تولى نقله الى السفارة الأميركية في بيروت والى الرياض، قبل ان يكتشف انه تعرض لمكيدة تعيد الى الاذهان تلك التي تعرض لها في العام 2006 عندما ضمن موافقة الحزب على النقاط السبع التي شكلت أساس القرار الدولي 1701، لوقف الحرب يومها، والذي حاولت إيران، من دون جدوى، إحباطه عندما أرسلت وزير خارجيتها منوشهر متكي الى بيروت لاقناع الرئيس فؤاد السنيورة بعدم قبول وقف النار قبل تحرير مزارع شبعا!
السيناريو نفسه يتكرر اليوم، بما فيه من اختلاف ظاهر في الاجتهاد والافتاء بين الحزب وبين طهران التي تود استعادة سطوتها على القرار اللبناني، وتريد، كما يبدو، ان يتزامن الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الجنوب، مع فك الحصار الأميركي على مضيق هرمز وبقية موانئها البحرية، ومخازنها النووية.. برغم أن الظروف المحيطة بإيران، والمحرقة التي يتعرض لها جنوب لبنان، لا تسمح لها بمثل هذه المساومة العقيمة، إلا إذا كانت تصدق الرئيس دونالد ترامب ورغبته المعلنة بلقاء المرشد المغيب مجتبى خامنئي!
لا يملك الانقلاب الإيراني على الموقف اللبناني الرسمي، أي فرصة للنجاح، لا في تغيير مسار التفاوض، الذي لم يتوقف حتى الان وما زال ينتظر التوصل الى صياغة بيان رسمي من البيت الأبيض يحمل توقيع الرئيس ترامب يعلن فيه موعد سريان وقف النار في منتصف ليل أحد الأيام، وليس الأسابيع، المقبلة.. ولا في إحباط الخطوات التنفيذية الأولى لا سيما في قلعة الشقيف التي تهدد إسرائيل الآن بتدميرها وتثير حافزاً مهماً جداً للسلطة اللبنانية كي ترسل الجيش الى القلعة لحمايتها وتولي مهمة الانتشار في الزوطرين خلال الأيام او حتى الساعات المقبلة.
أما التسليم بأن طهران والشيخ نعيم ما زالا قادرين على تحويل خيار الدولة اللبنانية المستند الى غالبية شعبية حاسمة، وربط حماية النبطية وصور خاصة من المصير المشؤوم، بحماية جزيرة قشم وميناء بندرعباس، فهو بمثابة خيانة لأبسط المصالح الوطنية وأشدها إلحاحاً، ومنها الاستجابة للحاجة الملحة الى قطع العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وإيران، فوراً.
بيروت في 6 / 6 / 2026
ساطع نورالدين
الانقلاب الإيراني الفاشل..على لبنان والحزب
هي أشبه بمحاولة انقلاب إيرانية متأخرة، ويائسة، على مساعي تحرير لبنان من قبضة إيران وفصله عن مسار المفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.. لن يكون من الصعب احباطها وتحويلها الى عنصر قوة للموقف اللبناني الرسمي، الذي يتوسل وقف المذابح المروعة التي يرتكبها العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان.
ليس هناك من توصيف آخر يمكن أن يشرح البيان الذي أصدره الحرس الثوري الإيراني ورفض فيه التفاهم اللبناني الاسرائيلي الأميركي، الذي اعلن في واشنطن قبل ثلاثة أيام، ثم الفقرات الخمس التي أضيفت (نعم أضيفت) على عجل الى كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الأخيرة، التي أدان فيها ذلك التفاهم وأدرجه في خانة إخضاع لبنان للإرادة الإسرائيلية.. مع العلم أن طهران والحزب كانا على علم مسبق بمحتوى التفاهم والاقتراحات الرسمية اللبنانية، الخاصة بوقف النار الشامل الذي بات شرطاً مسبقاً للشروع في الانتشار التدريجي للجيش اللبناني بدءاً من المنطقة التجريبية المقترحة في قلعة الشقيف والزوطرين، وصولاً الى الحدود الدولية بشكل تدريجي وعلى مراحل.
الاشتباهُ واردٌ بأن طهران واجهت في تلك المحاولة الانقلابية، ما يبدو انه تفلت أو اجتهاد خاص من الحزب الذي ابدى في الأيام التي سبقت جولة مفاوضات واشنطن الأخيرة استعداداً علنياً وصريحاً لوقف النار والانسحاب الفوري من جنوب نهر الليطاني، وضمناً من منطقة الشقيف والزوطرين الواقعة شمال النهر، مقابل انسحاب تدريجي إسرائيلي الى الحدود الدولية يضمنه الجيش اللبناني. وهو ما جرى إبلاغه رسمياً الى الرئيس نبيه بري الذي تولى نقله الى السفارة الأميركية في بيروت والى الرياض، قبل ان يكتشف انه تعرض لمكيدة تعيد الى الاذهان تلك التي تعرض لها في العام 2006 عندما ضمن موافقة الحزب على النقاط السبع التي شكلت أساس القرار الدولي 1701، لوقف الحرب يومها، والذي حاولت إيران، من دون جدوى، إحباطه عندما أرسلت وزير خارجيتها منوشهر متكي الى بيروت لاقناع الرئيس فؤاد السنيورة بعدم قبول وقف النار قبل تحرير مزارع شبعا!
السيناريو نفسه يتكرر اليوم، بما فيه من اختلاف ظاهر في الاجتهاد والافتاء بين الحزب وبين طهران التي تود استعادة سطوتها على القرار اللبناني، وتريد، كما يبدو، ان يتزامن الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الجنوب، مع فك الحصار الأميركي على مضيق هرمز وبقية موانئها البحرية، ومخازنها النووية.. برغم أن الظروف المحيطة بإيران، والمحرقة التي يتعرض لها جنوب لبنان، لا تسمح لها بمثل هذه المساومة العقيمة، إلا إذا كانت تصدق الرئيس دونالد ترامب ورغبته المعلنة بلقاء المرشد المغيب مجتبى خامنئي!
لا يملك الانقلاب الإيراني على الموقف اللبناني الرسمي، أي فرصة للنجاح، لا في تغيير مسار التفاوض، الذي لم يتوقف حتى الان وما زال ينتظر التوصل الى صياغة بيان رسمي من البيت الأبيض يحمل توقيع الرئيس ترامب يعلن فيه موعد سريان وقف النار في منتصف ليل أحد الأيام، وليس الأسابيع، المقبلة.. ولا في إحباط الخطوات التنفيذية الأولى لا سيما في قلعة الشقيف التي تهدد إسرائيل الآن بتدميرها وتثير حافزاً مهماً جداً للسلطة اللبنانية كي ترسل الجيش الى القلعة لحمايتها وتولي مهمة الانتشار في الزوطرين خلال الأيام او حتى الساعات المقبلة.
أما التسليم بأن طهران والشيخ نعيم ما زالا قادرين على تحويل خيار الدولة اللبنانية المستند الى غالبية شعبية حاسمة، وربط حماية النبطية وصور خاصة من المصير المشؤوم، بحماية جزيرة قشم وميناء بندرعباس، فهو بمثابة خيانة لأبسط المصالح الوطنية وأشدها إلحاحاً، ومنها الاستجابة للحاجة الملحة الى قطع العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وإيران، فوراً.
بيروت في 6 / 6 / 2026
ساطع نورالدين
نداء ضد المقاومة نفسها..لا الحزب وحده
ليس من العار ان يوصف نداء صور والنبطية، الموجِع، بانه صرخة استغاثة موجهة الى الدولة اللبنانية ودول العالم كافة، ولا من الحرج ان يصنف تمرداً شعبياً على سلطة وسطوة حزب الله، ولا من الخطأ طبعاً إعتباره انتفاضة عفوية في وجه إيران.. كل ذلك لا ينتقص من الحس الإنساني البليغ الذي حفز توقيعه ونشره، بدافع القول ان الانتحار ليس خياراً بشرياً عاقلاً.
النداء هو ذروة تعبير مجرد عن غريزة البقاء، لا يحتاج الى الاندراج في الشعار الابله: "نحن نحب الحياة"، لأنه يتقدم على كل ما عداه من شعارات متداولة من مختلف الجماعات الطائفية والسياسية في لبنان، باعتباره صادراً من قلب الجحيم الذي يصنعه العدو الاسرائيلي في الجنوب اللبناني المعذب منذ نحو قرن مضى، ليندرج في المستقبل في سجل التحولات السياسية الأبرز في التاريخ اللبناني الحديث.. على الرغم من أنه ليس استثناء جنوبياً، ولن يكون هباء منثورا.
الحق في العيش لا يحتمل الجدال او النقض. والصرخة الآتية من الجنازات المبتورة، ومن فوق الجثث التي لم تعد تجد لها قبوراً ومن تحت ركام البيوت المفتتة التي لم يبق لها أثر، ومن ذكريات العائلات التي أبيدت بالكامل ولم يبق منها سوى صورٍ وهويات ممزقة..هي صرخة لا يمكن ان تحفظها السماء وتحميها عليها، إذا لم تترجم الى نص جريء، مباشر، يختصر تاريخاً من العذاب الجنوبي، ويوجه إصبع الاتهام والمسؤولية، الى المقاومة، الى حزب الله، ويطالبها صراحة بأن تغادر الحاضرتين الجنوبيتين المهددتين بالزوال من الوجود.
ولعله أول وأرفع تعبير علني عن الاعتراض على المقاومة، منذ ان تشكل حزب الله في منتصف ثمانينات القرن الماضي، على فكرة جوهرية مزدوجة، هي تطوير الصراع مع العدو، الذي كان يساريون قد بدأوه من قبل، مستندين الى تجربة فلسطينية بائسة، نبذها الحزب نفسه، حسب ما يرد في أدبياته السياسية الأولى، وفي خطابات أمينه العام الأول والثاني، باعتبارها استعراضية، تفاوضية، تعتمد على إطلاق صاروخ الكاتيوشا، لتستدرج المفاوض الإسرائيلي، فتتسبب بخراب ودمار في قرى جنوبية ليس فيها ملجأ ولا حتى مستوصف..
ومن دون مبالغة او مواربة، يمكن أن يدرج هذا النداء الثنائي، في ذلك الخطاب التأسيسي الذي اطلقه حزب الله، ليصل الى نتيجة مؤداها ان ثمة جنوبيين معتبرين باتوا يجاهرون اليوم بموقفهم المعترض على فكرة المقاومة نفسها، التي تنذر الآن بمحو الجنوب عن الخريطة اللبنانية، وتقتلع الشيعة من أرضهم التاريخية التي عاشوا فيها لقرون طويلة. وهذا الموقف بالتحديد ليس جديداً على الجنوبيين، فقد ألمحوا اليه بعد إخراج المحتل الإسرائيلي في العام وتوسلوا أن يكون التحرير يومها خاتمة الاسهامات اللبنانية الباهظة الاثمان في الصراع العربي الإسرائيلي. وهو موقف تجدد بقوة خلال حرب العام 2006، لكنه خبا بسرعة تحت وطأة إدعاءات النصر الإلهي يومها.
النداء الثنائي، الذي يرجى ان يتطور الى نداء جنوبي، ووطني سهل التوقيع، يمكن ان يترجم الى عبارة صريحة: لا لمثل هذه المقاومة بعد اليوم، أو حتى : لا نريد ولا نحتاج الى مقاومة.. يقولها جنوبيون كثيرون يتمردون هذه الأيام على المقاومين ويمنعوهم من دخول بيوتهم وعبور حقولهم، ويطالبونهم بالتوقف عن اطلاق الصواريخ والمسيّرات من داخل القرى ومن أطرافها.. من دون ان يتعرضوا للاتهام بانهم عملاء او جواسيس. وهو ما يفتح الباب على واحد من أهم المخارج من الحرب، وهو اقتناع المقاومة بالتخلي فقط عن استخدام الصواريخ والمسيّرات، التي لا يمكن لأحد أن يقتنع بانها تصد العدو او تحد من وحشيته.. أو تخدم الحليف الإيراني في مفاوضاته المكلفة.
لم يفت الأوان على توصل حزب الله الى مثل هذا الاقتناع، الذي يمهد لأشكال وأساليب وأدوات أخرى من المقاومة، كانت ولا تزال متاحة، من دون الاستسلام لفكرة الحزب ان الآخرة هي وحدها خلاص الجنوب والجنوبيين.
بيروت في 31 / 5 / 2026
ساطع نورالدين
نداء ضد المقاومة نفسها..لا الحزب وحده
ليس من العار ان يوصف نداء صور والنبطية، الموجِع، بانه صرخة استغاثة موجهة الى الدولة اللبنانية ودول العالم كافة، ولا من الحرج ان يصنف تمرداً شعبياً على سلطة وسطوة حزب الله، ولا من الخطأ طبعاً إعتباره انتفاضة عفوية في وجه إيران.. كل ذلك لا ينتقص من الحس الإنساني البليغ الذي حفز توقيعه ونشره، بدافع القول ان الانتحار ليس خياراً بشرياً عاقلاً.
النداء هو ذروة تعبير مجرد عن غريزة البقاء، لا يحتاج الى الاندراج في الشعار الابله: "نحن نحب الحياة"، لأنه يتقدم على كل ما عداه من شعارات متداولة من مختلف الجماعات الطائفية والسياسية في لبنان، باعتباره صادراً من قلب الجحيم الذي يصنعه العدو الاسرائيلي في الجنوب اللبناني المعذب منذ نحو قرن مضى، ليندرج في المستقبل في سجل التحولات السياسية الأبرز في التاريخ اللبناني الحديث.. على الرغم من أنه ليس استثناء جنوبياً، ولن يكون هباء منثورا.
الحق في العيش لا يحتمل الجدال او النقض. والصرخة الآتية من الجنازات المبتورة، ومن فوق الجثث التي لم تعد تجد لها قبوراً ومن تحت ركام البيوت المفتتة التي لم يبق لها أثر، ومن ذكريات العائلات التي أبيدت بالكامل ولم يبق منها سوى صورٍ وهويات ممزقة..هي صرخة لا يمكن ان تحفظها السماء وتحميها عليها، إذا لم تترجم الى نص جريء، مباشر، يختصر تاريخاً من العذاب الجنوبي، ويوجه إصبع الاتهام والمسؤولية، الى المقاومة، الى حزب الله، ويطالبها صراحة بأن تغادر الحاضرتين الجنوبيتين المهددتين بالزوال من الوجود.
ولعله أول وأرفع تعبير علني عن الاعتراض على المقاومة، منذ ان تشكل حزب الله في منتصف ثمانينات القرن الماضي، على فكرة جوهرية مزدوجة، هي تطوير الصراع مع العدو، الذي كان يساريون قد بدأوه من قبل، مستندين الى تجربة فلسطينية بائسة، نبذها الحزب نفسه، حسب ما يرد في أدبياته السياسية الأولى، وفي خطابات أمينه العام الأول والثاني، باعتبارها استعراضية، تفاوضية، تعتمد على إطلاق صاروخ الكاتيوشا، لتستدرج المفاوض الإسرائيلي، فتتسبب بخراب ودمار في قرى جنوبية ليس فيها ملجأ ولا حتى مستوصف..
ومن دون مبالغة او مواربة، يمكن أن يدرج هذا النداء الثنائي، في ذلك الخطاب التأسيسي الذي اطلقه حزب الله، ليصل الى نتيجة مؤداها ان ثمة جنوبيين معتبرين باتوا يجاهرون اليوم بموقفهم المعترض على فكرة المقاومة نفسها، التي تنذر الآن بمحو الجنوب عن الخريطة اللبنانية، وتقتلع الشيعة من أرضهم التاريخية التي عاشوا فيها لقرون طويلة. وهذا الموقف بالتحديد ليس جديداً على الجنوبيين، فقد ألمحوا اليه بعد إخراج المحتل الإسرائيلي في العام وتوسلوا أن يكون التحرير يومها خاتمة الاسهامات اللبنانية الباهظة الاثمان في الصراع العربي الإسرائيلي. وهو موقف تجدد بقوة خلال حرب العام 2006، لكنه خبا بسرعة تحت وطأة إدعاءات النصر الإلهي يومها.
النداء الثنائي، الذي يرجى ان يتطور الى نداء جنوبي، ووطني سهل التوقيع، يمكن ان يترجم الى عبارة صريحة: لا لمثل هذه المقاومة بعد اليوم، أو حتى : لا نريد ولا نحتاج الى مقاومة.. يقولها جنوبيون كثيرون يتمردون هذه الأيام على المقاومين ويمنعوهم من دخول بيوتهم وعبور حقولهم، ويطالبونهم بالتوقف عن اطلاق الصواريخ والمسيّرات من داخل القرى ومن أطرافها.. من دون ان يتعرضوا للاتهام بانهم عملاء او جواسيس. وهو ما يفتح الباب على واحد من أهم المخارج من الحرب، وهو اقتناع المقاومة بالتخلي فقط عن استخدام الصواريخ والمسيّرات، التي لا يمكن لأحد أن يقتنع بانها تصد العدو او تحد من وحشيته.. أو تخدم الحليف الإيراني في مفاوضاته المكلفة.
لم يفت الأوان على توصل حزب الله الى مثل هذا الاقتناع، الذي يمهد لأشكال وأساليب وأدوات أخرى من المقاومة، كانت ولا تزال متاحة، من دون الاستسلام لفكرة الحزب ان الآخرة هي وحدها خلاص الجنوب والجنوبيين.
بيروت في 31 / 5 / 2026
ساطع نورالدين
من يحكم إيران..بعد "رجل" اميركا؟
حتى اللحظة لم يظهر الرئيس الإيراني السابق محمود احمدي نجاد الى العلن، منذ نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية قبل يومين تقريراً مدوياً، يفيد بأن أميركا فكرت في تسليمه السلطة في طهران، بعدما تخلصت من المرشد السابق علي خامنئي وفريقه الحاكم. الأرجح ان الرجل المقيم في الظل منذ العام 2017، والذي أصدر برقية تعزية بخامنئي، قد مات، إما مسموماً أو مشنوقاً، أو خائباً من الاميركيين الذين كشفوا "سره"..المثير للسخرية!
لكن الرجل الذي شغل الرئاسة الإيرانية لولايتين من ثماني سنوات، لن يتأخر في الظهور، والاعتراف أنه أكثر تواضعاً وخفة مما يعتقده الكثيرون من الإيرانيين الذين انتخبوه مرتين، ومما خشيه خصوم إيران وحلفاؤها. فهو لم يكن سوى دمية رفعتها الصدفة الى القمة، مرة في العام 2005 ، لأن المرشد السابق كان يريد تحطيم منافسه ( العقل السياسي الأهم للثورة الخمينية)الشيخ هاشمي رفسنجاني، ومرة في العام 2013، لأن المرشد أيضا كان يريد التخلص من غريمه التاريخي مير حسين موسوي. صحيح أن نجاد صدق نفسه، ووشعبيته الكاسحة وسط فقراء إيران وأريافها، وأدرك أنه يستطيع ان يتمرد على ولي الفقيه وعلى الحرس الثوري معاً، وأن يفضح ضلالهم وفسادهم، بالاستناد الى مرجعه الديني الخاص ( الطالباني الهوى) محمد تقي مصباح يزدي، والى موجة جارفة من الغوغائية والشعبوية السياسية التي كان النظام الإيراني يحتاجها ويخشاها في آن معاً.
الرجل كان غريب الاطوار، ولا يزال، حتى قبل ان تثبت وفاته او اختفاءه. وكان من الطبيعي ان تثير الخطة الأميركية الغريبة لاعادته الى الرئاسة، الاستهزاء من الإيرانيين قبل سواهم، عدا شخص واحد يشبهه تماماً، شعر أن الاميركيين طعنوه في الظهر هو نجل شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي، المنفي في أميركا، والذي لا يختلف عن نجاد سوى في أنه مدمن على الكحول وعلى الفسق والفجور.. وكان ينتظر اتصالاً من البيت الأبيض يدعوه الى حزم حقائبه والعودة لاسترداد عرش والده.
لكن تقرير" نيويورك تايمز" إستبعد هذا الاحتمال، مع أن رئيس أميركا الحالي وفريقه الحاكم، ليس غريباً عن ولي العهد البهلوي، وثقافته الضحلة وخبرته المعدومة. وقد كان يمكن لترامب ان يلجاً الى مثل هذا الخيار المجنون المنسجم مع شخصيته وتكوينه، لولا بعض الخبراء والعقلاء في واشنطن الذين اقنعوه بالعكس.. فاختار القفز، ربما، الى نجاد كخيار بديل، عندما كانت واشنطن في ذروة التفتيش عن حاكم جديد لطهران، يرث الفراغ الذي أحدثه إغتيال خامنئي، وقادة الحرس الثوري، في الساعات الأولى من الحرب الحالية.
وليس من الصعب الاستنتاج ان التقرير هو أشبه ما يكون باللهو السياسي الذي كان ولا يزال يدمنه الرئيس ترامب، ولم يعد يثير أحداً من الاميركيين. لكن ضرورات الدراما فرضت الكشف عن ان الطيران الأميركي قصف منزل نجاد شرق طهران، وقتل ثلاثة من حراسه، لكي يحرره من الإقامة، فجاءت سيارة ونقلته الى مكان آخر، لكي يختفي ولا يظهر إلا في وداع خامنئي.. بدل ان تتسرب الانباء عن أن شائعة وفاته غي الغارة الاميركية هي من صنع الأعداء!
لكن "نيويورك تايمز" التي يشتمها ترامب كل يوم تقريباً، وجدت في هذا السيناريو الخيالي، ما يفيد في الكشف عن بلاهة الرئيس الأميركي، التي تعفيه حتى من قراءة السيرة الذاتية لنجاد، الذي وضع إصبعه أكثر من مرة فوق الزر النووي لمحو إسرائيل من الخريطة في سبع دقائق، ولوح بمضاعفة عمليات تخصيب اليورانيوم، مع أن الملف النووي الإيراني لم يكن يوماً في عهدته او مسؤوليته، وأطلق الثورة "المهدوية" الاولى في تاريخ إيران، لكي يؤسس نظاماً عالمياً جديداً.. يبنى على أسس إسلامية بينها مؤتمرات إنكار المحرقة النازية لليهود، التي اغضبت بعض المسؤولين الإيرانيين وأحرجت بعضهم الاخر.
يبقى ان فكرة الاستعانة الأميركية بنجاد، والافصاح الان عن هذه الفكرة، ربما يفيد في إشعال الصراع الداخلي في إيران، ويثير الضغائن والشكوك بين القادة الحاليين، الذين لا يتميزون كثيرا عن الرئيس السابق الذي انتجه النظام فأصبح من الخوارج عليه.. ويحبط طموحات رموز النخبة السياسية الإيرانية المؤهلين فعلاً لوراثة نظام يعبث به الرئيس الأميركي بهذا الشكل المعيب.
بيروت في 22 / 6 / 2026
ساطع نورالدين
من يحكم إيران..بعد "رجل" اميركا؟
حتى اللحظة لم يظهر الرئيس الإيراني السابق محمود احمدي نجاد الى العلن، منذ نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية قبل يومين تقريراً مدوياً، يفيد بأن أميركا فكرت في تسليمه السلطة في طهران، بعدما تخلصت من المرشد السابق علي خامنئي وفريقه الحاكم. الأرجح ان الرجل المقيم في الظل منذ العام 2017، والذي أصدر برقية تعزية بخامنئي، قد مات، إما مسموماً أو مشنوقاً، أو خائباً من الاميركيين الذين كشفوا "سره"..المثير للسخرية!
لكن الرجل الذي شغل الرئاسة الإيرانية لولايتين من ثماني سنوات، لن يتأخر في الظهور، والاعتراف أنه أكثر تواضعاً وخفة مما يعتقده الكثيرون من الإيرانيين الذين انتخبوه مرتين، ومما خشيه خصوم إيران وحلفاؤها. فهو لم يكن سوى دمية رفعتها الصدفة الى القمة، مرة في العام 2005 ، لأن المرشد السابق كان يريد تحطيم منافسه ( العقل السياسي الأهم للثورة الخمينية)الشيخ هاشمي رفسنجاني، ومرة في العام 2013، لأن المرشد أيضا كان يريد التخلص من غريمه التاريخي مير حسين موسوي. صحيح أن نجاد صدق نفسه، ووشعبيته الكاسحة وسط فقراء إيران وأريافها، وأدرك أنه يستطيع ان يتمرد على ولي الفقيه وعلى الحرس الثوري معاً، وأن يفضح ضلالهم وفسادهم، بالاستناد الى مرجعه الديني الخاص ( الطالباني الهوى) محمد تقي مصباح يزدي، والى موجة جارفة من الغوغائية والشعبوية السياسية التي كان النظام الإيراني يحتاجها ويخشاها في آن معاً.
الرجل كان غريب الاطوار، ولا يزال، حتى قبل ان تثبت وفاته او اختفاءه. وكان من الطبيعي ان تثير الخطة الأميركية الغريبة لاعادته الى الرئاسة، الاستهزاء من الإيرانيين قبل سواهم، عدا شخص واحد يشبهه تماماً، شعر أن الاميركيين طعنوه في الظهر هو نجل شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي، المنفي في أميركا، والذي لا يختلف عن نجاد سوى في أنه مدمن على الكحول وعلى الفسق والفجور.. وكان ينتظر اتصالاً من البيت الأبيض يدعوه الى حزم حقائبه والعودة لاسترداد عرش والده.
لكن تقرير" نيويورك تايمز" إستبعد هذا الاحتمال، مع أن رئيس أميركا الحالي وفريقه الحاكم، ليس غريباً عن ولي العهد البهلوي، وثقافته الضحلة وخبرته المعدومة. وقد كان يمكن لترامب ان يلجاً الى مثل هذا الخيار المجنون المنسجم مع شخصيته وتكوينه، لولا بعض الخبراء والعقلاء في واشنطن الذين اقنعوه بالعكس.. فاختار القفز، ربما، الى نجاد كخيار بديل، عندما كانت واشنطن في ذروة التفتيش عن حاكم جديد لطهران، يرث الفراغ الذي أحدثه إغتيال خامنئي، وقادة الحرس الثوري، في الساعات الأولى من الحرب الحالية.
وليس من الصعب الاستنتاج ان التقرير هو أشبه ما يكون باللهو السياسي الذي كان ولا يزال يدمنه الرئيس ترامب، ولم يعد يثير أحداً من الاميركيين. لكن ضرورات الدراما فرضت الكشف عن ان الطيران الأميركي قصف منزل نجاد شرق طهران، وقتل ثلاثة من حراسه، لكي يحرره من الإقامة، فجاءت سيارة ونقلته الى مكان آخر، لكي يختفي ولا يظهر إلا في وداع خامنئي.. بدل ان تتسرب الانباء عن أن شائعة وفاته غي الغارة الاميركية هي من صنع الأعداء!
لكن "نيويورك تايمز" التي يشتمها ترامب كل يوم تقريباً، وجدت في هذا السيناريو الخيالي، ما يفيد في الكشف عن بلاهة الرئيس الأميركي، التي تعفيه حتى من قراءة السيرة الذاتية لنجاد، الذي وضع إصبعه أكثر من مرة فوق الزر النووي لمحو إسرائيل من الخريطة في سبع دقائق، ولوح بمضاعفة عمليات تخصيب اليورانيوم، مع أن الملف النووي الإيراني لم يكن يوماً في عهدته او مسؤوليته، وأطلق الثورة "المهدوية" الاولى في تاريخ إيران، لكي يؤسس نظاماً عالمياً جديداً.. يبنى على أسس إسلامية بينها مؤتمرات إنكار المحرقة النازية لليهود، التي اغضبت بعض المسؤولين الإيرانيين وأحرجت بعضهم الاخر.
يبقى ان فكرة الاستعانة الأميركية بنجاد، والافصاح الان عن هذه الفكرة، ربما يفيد في إشعال الصراع الداخلي في إيران، ويثير الضغائن والشكوك بين القادة الحاليين، الذين لا يتميزون كثيرا عن الرئيس السابق الذي انتجه النظام فأصبح من الخوارج عليه.. ويحبط طموحات رموز النخبة السياسية الإيرانية المؤهلين فعلاً لوراثة نظام يعبث به الرئيس الأميركي بهذا الشكل المعيب.
بيروت في 22 / 6 / 2026
ساطع نورالدين
التفاوض كشرٍ لا بد منه:
سلاحٌ عبثيٌ مقابلَ سلامٍ وهمي
من الآن فصاعداً، تدخل الحرب مرحلتها الأشد خطورة وصعوبة وإيلاماً، مرحلة التفاوض على أثمان الخروج منها، بعدما شرعت إسرائيل في مفاوضات واشنطن في اليومين الماضيين، في كشف نواياها الحقيقية البعيدة المدى في لبنان، الذي سبق أن إستجاب، مكرهاً أو بالأحرى مجبراً، لنصيحة أميركية مباشرة، بدعوة الإسرائيليين الى التفاوض السياسي والعسكري، كبديل من العبث الدموي بالديموغرافيا اللبنانية، الذي يتخذ الآن شكل حملة إبادة للشيعة اللبنانيين.
في واشنطن، قال العدو الإسرائيلي كلمته الأولى: مساران للتفاوض بإشراف أميركي مباشر، الأول، عسكري يشمل التعاون بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي في نزع سلاح حزب الله، يليه مسار سياسي يشمل الاعتراف المتبادل بالسيادة والحدود وفتح السفارات والسياحة والتجارة.. ويكون مشروطاً طبعا بنجاح المسار الأول. وقدّم رئيس الوفد الإسرائيلي يحيئل ليتر هذا الاقتراح بإعتباره صفقة أولى رابحة: يسلم لبنان السلاح المطلوب، فيحصل على "مكافأة" السلام الذي يقول أنه ينشده. في استعادة شبه حرفية لأفكار سلفه الخبير الإسرائيلي الأبرز في الشأن اللبناني، أوري لوبراني.
معادلة السلاح مقابل السلام، هي النتاج العملي للحرب، للهزيمة التي مني بها حزب الله وطائفته. وهي مبنية على ضمانة أميركية، غير مضمونة، مفادها أن واشنطن تدفع إسرائيل الى إحترام الجغرافيا اللبنانية المعترف بها دوليا، والى الإعلان انه ليس لديها أطماع في الأرض والمياه ولا في الحدود، ولا طبعا في السكان. وهو ما يعيد الى الاذهان، السلوك الأميركي الغريب والمستخف بلبنان، الذي كاد يفجر هذا المسار برمته، عندما إعتبر ان تحييد بيروت والضاحية الجنوبية من الحرب شرطٌ كافٍ للقاء يجمع بين الرئيس جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو! ولعل لبنان نجا بالصدفة في مفاوضات واشنطن في اليومين الماضيين من موقف مشابه، فقط لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن في العاصمة، بل كان في زيارة للصين، ولم تتح له الفرصة لإحراج لبنان باقتراح مماثل.
هذه التجربة تفسح المجال لقراءة أكثر دقة للموقف اللبناني، وتحيل الى حقيقة أن لبنان ليس ذاهباً الى نزهة، وليس مستعداً ل"السقوط عند اقدام المغتصب"، وهو إن كان يستجيب لحاجته الى وقف المحرقة الإسرائيلية التي تستهدف جزءا من شعبه، لن يوافق على أن تدفع الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني برمته ثمن هزيمة حزب الله وخطيئته الكبرى..وهو بالتأكيد لن يكون جاهزاً للمساهمة في حملة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وحزبه، الليكود، للفوز في الانتخابات المبكرة المقررة في شهر آب أغسطس المقبل.
التفاوض كان ولا يزال وسيبقى شراً لا مفر منه. ولا عيب في أن يكون مباشراً، إلا بالنسبة الى أولئك الذين نسوا تاريخ المفاوضات المباشرة اللبنانية الإسرائيلية، والذين ما زالوا في القرن الماضي عندما كان الأعداء الإسرائيليون يلاحقون أي عربي، مهما كان وأينما كان، طامعين في مصافحة او صورة فوتوغرافية، يتباهون بها، ويستخدمونها في حملاتهم السياسية الداخلية، ويكسرون بها حاجزاً نفسياً يربو تاريخه على مئات السنين. تغير الزمن الإسرائيلي، وفي سياقه، عادت صورة العربي الى سيرتها الأولى، التي لا تتطلب حتى ان تكون ممهورة بتوقيع! من دون أن يعني ذلك ان يتجاهل لبنان، الان بالذات، الاستعانة بخبرات إشقاء عرب آخرين سبقوه على هذا الدرب المغطى بالدماء. لكن الأهم طبعا، هو ان يقتنع اللبنانيون بغالبيتهم الساحقة، أن التفاوض خيارٌ محزن ولا يقل خطورة عن الحرب، وأن تلك الدماء لم تهدر ولن تُنسى، بل ستقيم حاجزاً نفسياً جديداً مع العدو، وستبني جداراً اسمنتياً مرتفعاً على طول الحدود الدولية المعترف بها، تغطيه أسماء الضحايا اللبنانيين وصور المجازر المروعة، وقصائد ورسومات من وقائع الحرب التي يراد لها ان تنتهي يوماً ما، وألا تعود أبداً.
بيروت في 16 / 5 / 2026
ساطع نورالدين
التفاوض كشرٍ لا بد منه:
سلاحٌ عبثيٌ مقابلَ سلامٍ وهمي
من الآن فصاعداً، تدخل الحرب مرحلتها الأشد خطورة وصعوبة وإيلاماً، مرحلة التفاوض على أثمان الخروج منها، بعدما شرعت إسرائيل في مفاوضات واشنطن في اليومين الماضيين، في كشف نواياها الحقيقية البعيدة المدى في لبنان، الذي سبق أن إستجاب، مكرهاً أو بالأحرى مجبراً، لنصيحة أميركية مباشرة، بدعوة الإسرائيليين الى التفاوض السياسي والعسكري، كبديل من العبث الدموي بالديموغرافيا اللبنانية، الذي يتخذ الآن شكل حملة إبادة للشيعة اللبنانيين.
في واشنطن، قال العدو الإسرائيلي كلمته الأولى: مساران للتفاوض بإشراف أميركي مباشر، الأول، عسكري يشمل التعاون بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي في نزع سلاح حزب الله، يليه مسار سياسي يشمل الاعتراف المتبادل بالسيادة والحدود وفتح السفارات والسياحة والتجارة.. ويكون مشروطاً طبعا بنجاح المسار الأول. وقدّم رئيس الوفد الإسرائيلي يحيئل ليتر هذا الاقتراح بإعتباره صفقة أولى رابحة: يسلم لبنان السلاح المطلوب، فيحصل على "مكافأة" السلام الذي يقول أنه ينشده. في استعادة شبه حرفية لأفكار سلفه الخبير الإسرائيلي الأبرز في الشأن اللبناني، أوري لوبراني.
معادلة السلاح مقابل السلام، هي النتاج العملي للحرب، للهزيمة التي مني بها حزب الله وطائفته. وهي مبنية على ضمانة أميركية، غير مضمونة، مفادها أن واشنطن تدفع إسرائيل الى إحترام الجغرافيا اللبنانية المعترف بها دوليا، والى الإعلان انه ليس لديها أطماع في الأرض والمياه ولا في الحدود، ولا طبعا في السكان. وهو ما يعيد الى الاذهان، السلوك الأميركي الغريب والمستخف بلبنان، الذي كاد يفجر هذا المسار برمته، عندما إعتبر ان تحييد بيروت والضاحية الجنوبية من الحرب شرطٌ كافٍ للقاء يجمع بين الرئيس جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو! ولعل لبنان نجا بالصدفة في مفاوضات واشنطن في اليومين الماضيين من موقف مشابه، فقط لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن في العاصمة، بل كان في زيارة للصين، ولم تتح له الفرصة لإحراج لبنان باقتراح مماثل.
هذه التجربة تفسح المجال لقراءة أكثر دقة للموقف اللبناني، وتحيل الى حقيقة أن لبنان ليس ذاهباً الى نزهة، وليس مستعداً ل"السقوط عند اقدام المغتصب"، وهو إن كان يستجيب لحاجته الى وقف المحرقة الإسرائيلية التي تستهدف جزءا من شعبه، لن يوافق على أن تدفع الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني برمته ثمن هزيمة حزب الله وخطيئته الكبرى..وهو بالتأكيد لن يكون جاهزاً للمساهمة في حملة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وحزبه، الليكود، للفوز في الانتخابات المبكرة المقررة في شهر آب أغسطس المقبل.
التفاوض كان ولا يزال وسيبقى شراً لا مفر منه. ولا عيب في أن يكون مباشراً، إلا بالنسبة الى أولئك الذين نسوا تاريخ المفاوضات المباشرة اللبنانية الإسرائيلية، والذين ما زالوا في القرن الماضي عندما كان الأعداء الإسرائيليون يلاحقون أي عربي، مهما كان وأينما كان، طامعين في مصافحة او صورة فوتوغرافية، يتباهون بها، ويستخدمونها في حملاتهم السياسية الداخلية، ويكسرون بها حاجزاً نفسياً يربو تاريخه على مئات السنين. تغير الزمن الإسرائيلي، وفي سياقه، عادت صورة العربي الى سيرتها الأولى، التي لا تتطلب حتى ان تكون ممهورة بتوقيع! من دون أن يعني ذلك ان يتجاهل لبنان، الان بالذات، الاستعانة بخبرات إشقاء عرب آخرين سبقوه على هذا الدرب المغطى بالدماء. لكن الأهم طبعا، هو ان يقتنع اللبنانيون بغالبيتهم الساحقة، أن التفاوض خيارٌ محزن ولا يقل خطورة عن الحرب، وأن تلك الدماء لم تهدر ولن تُنسى، بل ستقيم حاجزاً نفسياً جديداً مع العدو، وستبني جداراً اسمنتياً مرتفعاً على طول الحدود الدولية المعترف بها، تغطيه أسماء الضحايا اللبنانيين وصور المجازر المروعة، وقصائد ورسومات من وقائع الحرب التي يراد لها ان تنتهي يوماً ما، وألا تعود أبداً.
بيروت في 16 / 5 / 2026
ساطع نورالدين
السفير الأميركي..الذي لا يخشى"البعبع"الاسرائيلي
في السير الذاتية المنشورة للسفير الأميركي في بيروت، اللبناني الأصل، ميشال عيسى، لا يمكن العثور على سر صداقته الشخصية مع الرئيس دونالد ترامب، الذي عيّنه في هذا المنصب، برغم انه لا ينتمي الى شلة الأصدقاء "العقاريين" الذين وزعهم على مختلف حروب العالم للتوسط من أجل وقفها، من دون أي نجاح يذكر، كما لا ينتمي الى عصبة الاصدقاء اللبنانيي الأصل الذي صاهروا الرئيس الأميركي او ساندوه في ورطة مالية او شاركوه في فضيحة ما، فأصبحوا مبعوثيه الى تركيا وبلاد الشام مثل طوم باراك وافريقيا مثل بولس مسعد..
لكن ما يجمع السفير عيسى، رجل المال والاعمال وتجارة السيارات الألمانية، مع بقية المبعوثين الرئاسيين، هو انه مثلهم ليس دارساً ولا متبحراً في السياسة الدولية ولا في التاريخ، ولا حتى في الجغرافيا، وهو يحفظ صورة قديمة جداً عن لبنان، ولغة عربية ركيكة، ودراية محدودة بالدواخل والخوارج اللبنانية، بخلاف المبعوث بولس مسعد، الذي كان منصب السفارة في بيروت طموحه الاول، او المبعوث طوم باراك الذي اختار الاطلالة على لبنان من عاصمة الإمبراطورية العثمانية للسيرعلى أطلال معاهدة سايكس بيكو، متناسياً معاهدة سان ريمو التي أنشأت لبنان الكبير.. وما زالت تحفظ شرعيته الدولية.
البحث عن خلفية السفير عيسى ونفوذه في البيت الأبيض، وقربه من الرئيس الأميركي، مبني على سؤال ملحٍ حول مصدر تلك الفكرة الخرقاء التي أطلقها ترامب بدعوته الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى قمة ثلاثية في واشنطن، تسبق وقف النار والتفاوض والتوقيع على معاهدة سلام ما. وهي الفكرة التي لم يعرف حتى الآن مصدرها بالتحديد، ومن هو المبعوث او السفير او المقرب، اللبناني الأصل، الذي هَمَس في أذن ترامب وأقنعه، وما زال يحاول ان يقنعه، بجمع عون الذي لم يتردد برفض اللقاء، ونتنياهو الذي لم يأخذ الاقتراح على محمل الجد.
ترويج السفير عيسى للفكرة، ودفاعه عنها بالأمس في بكركي، يرجح كفة كونه أحد مصادر الفكرة، او الورطة التي لا يزال لبنان يحاول التخلص منها، بدليل استغرابه توصيف اللقاء المفترض بين عون ونتنياهو، بأنه تنازل او خسارة للبنان، وهو ما يعبر عن جهل ، وربما أكثر من جهل، في الأصول السياسية والدبلوماسية، وفي المعرفة الدقيقة بالوضع اللبناني الحرج بعد ثلاثة أعوام من الحرب، التي لا يستطيع أحد ان يزعم انها يمكن ان تنتهي بلقاء مجاملة في البيت الأبيض، يعرض فيها الرئيس اللبناني مطالبه على "البعبع" الإسرائيلي امام الرئيس ترامب الذي يتحول الى شاهد وميسر للمفاوضات في ما بعد، ويحاول الحصول من صديقه الأعز نتنياهو، على ما لم يستطع ان يحصله منه في أي من الحروب التي يخوضانها معا.
ولعل استخدام السفير عيسى كلمة "بعبع"، وهو إسم الدلع الذي كان يستخدم لتخويف الاطفال من الوحوش والحيوانات المفترسة، والذي قد لا يحبذ نتنياهو ربطه به، ينم أيضا عن سوء تقدير لشعور اللبنانيين جميعاً، وشعوب العالم قاطبة، تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بطل حروب الإبادة والدمار الشامل، الذي صار بالفعل شخصاً مخيفاً ومنبوذاً وملاحقاً أمام العدالة الدولية والمحلية في أكثر من عاصمة في العالم.. والذي لا يعرف الاميركيون أنفسهم حتى الان ما إذا كان دمية في يد ترامب أم العكس.
أما اقتراح السفير عيسى بان يفتش الذين أطلقوا الحملة المشينة على البطريرك بشارة الراعي، عن بلد آخر يعيشون فيه لبنان، بدلا من الدفع في اتجاه اعتقالهم ومحاكمتهم ومحاسبتهم من قبل الدولة اللبنانية، فإنه كلام لا يجوز ولا يحق ان يصدر عن أي دبلوماسي أميركي- لبناني الأصل، يتمتع بالحد الأدنى من العقل، ولا يصح ان تتسامح معه الدولة اللبنانية..حتى ولم يكن بمقدورها الآن ان تعلنه شخصاً غير مرغوب به في لبنان.
بيروت في 5 / 5 / 2026
ساطع نورالدين
السفير الأميركي..الذي لا يخشى"البعبع"الاسرائيلي
في السير الذاتية المنشورة للسفير الأميركي في بيروت، اللبناني الأصل، ميشال عيسى، لا يمكن العثور على سر صداقته الشخصية مع الرئيس دونالد ترامب، الذي عيّنه في هذا المنصب، برغم انه لا ينتمي الى شلة الأصدقاء "العقاريين" الذين وزعهم على مختلف حروب العالم للتوسط من أجل وقفها، من دون أي نجاح يذكر، كما لا ينتمي الى عصبة الاصدقاء اللبنانيي الأصل الذي صاهروا الرئيس الأميركي او ساندوه في ورطة مالية او شاركوه في فضيحة ما، فأصبحوا مبعوثيه الى تركيا وبلاد الشام مثل طوم باراك وافريقيا مثل بولس مسعد..
لكن ما يجمع السفير عيسى، رجل المال والاعمال وتجارة السيارات الألمانية، مع بقية المبعوثين الرئاسيين، هو انه مثلهم ليس دارساً ولا متبحراً في السياسة الدولية ولا في التاريخ، ولا حتى في الجغرافيا، وهو يحفظ صورة قديمة جداً عن لبنان، ولغة عربية ركيكة، ودراية محدودة بالدواخل والخوارج اللبنانية، بخلاف المبعوث بولس مسعد، الذي كان منصب السفارة في بيروت طموحه الاول، او المبعوث طوم باراك الذي اختار الاطلالة على لبنان من عاصمة الإمبراطورية العثمانية للسيرعلى أطلال معاهدة سايكس بيكو، متناسياً معاهدة سان ريمو التي أنشأت لبنان الكبير.. وما زالت تحفظ شرعيته الدولية.
البحث عن خلفية السفير عيسى ونفوذه في البيت الأبيض، وقربه من الرئيس الأميركي، مبني على سؤال ملحٍ حول مصدر تلك الفكرة الخرقاء التي أطلقها ترامب بدعوته الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى قمة ثلاثية في واشنطن، تسبق وقف النار والتفاوض والتوقيع على معاهدة سلام ما. وهي الفكرة التي لم يعرف حتى الآن مصدرها بالتحديد، ومن هو المبعوث او السفير او المقرب، اللبناني الأصل، الذي هَمَس في أذن ترامب وأقنعه، وما زال يحاول ان يقنعه، بجمع عون الذي لم يتردد برفض اللقاء، ونتنياهو الذي لم يأخذ الاقتراح على محمل الجد.
ترويج السفير عيسى للفكرة، ودفاعه عنها بالأمس في بكركي، يرجح كفة كونه أحد مصادر الفكرة، او الورطة التي لا يزال لبنان يحاول التخلص منها، بدليل استغرابه توصيف اللقاء المفترض بين عون ونتنياهو، بأنه تنازل او خسارة للبنان، وهو ما يعبر عن جهل ، وربما أكثر من جهل، في الأصول السياسية والدبلوماسية، وفي المعرفة الدقيقة بالوضع اللبناني الحرج بعد ثلاثة أعوام من الحرب، التي لا يستطيع أحد ان يزعم انها يمكن ان تنتهي بلقاء مجاملة في البيت الأبيض، يعرض فيها الرئيس اللبناني مطالبه على "البعبع" الإسرائيلي امام الرئيس ترامب الذي يتحول الى شاهد وميسر للمفاوضات في ما بعد، ويحاول الحصول من صديقه الأعز نتنياهو، على ما لم يستطع ان يحصله منه في أي من الحروب التي يخوضانها معا.
ولعل استخدام السفير عيسى كلمة "بعبع"، وهو إسم الدلع الذي كان يستخدم لتخويف الاطفال من الوحوش والحيوانات المفترسة، والذي قد لا يحبذ نتنياهو ربطه به، ينم أيضا عن سوء تقدير لشعور اللبنانيين جميعاً، وشعوب العالم قاطبة، تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بطل حروب الإبادة والدمار الشامل، الذي صار بالفعل شخصاً مخيفاً ومنبوذاً وملاحقاً أمام العدالة الدولية والمحلية في أكثر من عاصمة في العالم.. والذي لا يعرف الاميركيون أنفسهم حتى الان ما إذا كان دمية في يد ترامب أم العكس.
أما اقتراح السفير عيسى بان يفتش الذين أطلقوا الحملة المشينة على البطريرك بشارة الراعي، عن بلد آخر يعيشون فيه لبنان، بدلا من الدفع في اتجاه اعتقالهم ومحاكمتهم ومحاسبتهم من قبل الدولة اللبنانية، فإنه كلام لا يجوز ولا يحق ان يصدر عن أي دبلوماسي أميركي- لبناني الأصل، يتمتع بالحد الأدنى من العقل، ولا يصح ان تتسامح معه الدولة اللبنانية..حتى ولم يكن بمقدورها الآن ان تعلنه شخصاً غير مرغوب به في لبنان.
بيروت في 5 / 5 / 2026
ساطع نورالدين
حزب الله كشأن داخلي..تخونه الديموغرافيا الشيعية
شيئاً فشيئا، يقترب النقاش الداخلي اللبناني، في المنتديات والمجالس، من العناوين الجدية للمأزق الذي يعيشه البلد وأهله، هذه الأيام، بعدما استُنزفت الحوارات التلفزيونية وسجالات وسائل التواصل الاجتماعي، وتحولت الى شرارات تشتعل كلما أثير موضوع نزع سلاح حزب الله، وتشعل معها هواجس الحرب الاهلية، في ظل خسران الشيعة، ربما الى الابد، جزءاً مهماً من أرضهم التاريخية في جبل عامل، وعواقب ذلك على الديموغرافيا اللبنانية الحرجة.
ولعل المعضلة الأهم التي تواجه هذا النقاش، هي أن أحداً في لبنان لا يعرف بدقة ما الذي تريده إسرائيل. الثابت الوحيد الان هو انها لا تتطلع الى وقف النار، وتوحي بأنها لم تنجز خططها العسكرية، المستمرة منذ خريف العام 2023، وهي بالتأكيد لا تود إجراء مفاوضات، أمنية او حتى سياسية، ولا تطمح طبعا الى معاهدة سلام مع لبنان في المدى المفترض للحرب، التي يبدو أنها لم تقترب من نهايتها. والحافز المحدد والمعلن لذلك الموقف الإسرائيلي المتطرف، هو فك الارتباط التام بين لبنان وإيران، وليس فقط إبعاد القوة الإيرانية عن حدودها الشمالية.
وبالتزامن مع المضي قدماً في تنفيذ تلك الخطط العسكرية، تردد إسرائيل، على لسان كبار مسؤوليها، بيانات تزعم انه ليس لديها أطماع في الأرض اللبنانية، بل هي لا تزال تحترم الحدود الدولية للبنان، ولا تختلف مع الدولة اللبنانية سوى على بضع نقاط حدودية خلافية، يمكن حلها بسهولة.. وهو ما أضافت اليه قول رئيس اركان جيشها إيال زامير المفاجئ مؤخراً، عن أنها لا تستطيع وحدها تجريد حزب الله من السلاح، إلا إذا لجأت الى إحتلال لبنان بالكامل، وهو ما لا ترغب به، ولا تقدر عليه.
ومع هذا الكلام الذي ينفي الرغبة بالاحتلال الكامل، والمبني حتما على تجربة فشل آخر احتلال شبه تام للبنان في العام 1982، وما رافقه من جدول أعمال سياسي ليس له أثر حتى الان في الخطاب الإسرائيلي الراهن، وليس له سند حتى الان أيضاً في الداخل اللبناني، تم وقف النار الحالي، الذي يشمل بيروت والضاحية فقط، والذي رتبه الرئيس دونالد ترامب وأرفقه بالقول أنه سيجري العمل مع الدولة اللبنانية لايجاد "حل مناسب" لمشكلة سلاح حزب الله التي لم تعد مهمة إسرائيل الحصرية. ثم جاء كلام سفيره في تركيا طوم باراك في منتدى انتاليا الأخير عن الحاجة الى البحث عن مسار سياسي جديد لمقاربة هذه المشكلة، تشمل التمييز في المرحلة الأولى بين الجناح السياسي والعسكري للحزب.. مع ما يستدعيه ذلك الكلام من تشكيك في السفير نفسه، وما اذا كان يعبر عن اجتهاد شخصي أم عن موقف رسمي، أميركي (أم تركي).
المهم الآن ان ثمة توجهاً إسرائيلياً واميركياً لتحويل حزب الله الى مشكلة داخلية تقع مسؤوليتها الرئيسية على الدولة اللبنانية، وهو ما عبر عنه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في مؤتمره الصحافي مع رئيس الحكومة نواف سلام، بقوله ان حزب الله شأن داخلي لبناني، تعالجه الدولة بالاسلوب الذي تراه مناسباً، بما في ذلك اللجوء الى السياسة البعيدة المدى او حتى القوة ، التي تتطلب المضي قدماً في دعم الجيش اللبناني ، بما يقدره الخبراء ، وما يطلبه الرئيس جوزف عون، أي نحو مليار دولار سنويا ولمدة عشر سنوات.
حزب الله كشأن لبناني، يعني حتماً تحديد أفق الحرب، وربطها بما ينفذه الجيش اللبناني من مسار بعيد المدى يبدأ باسترداد الأراضي المحروقة في الجنوب، من دون قوات اليونيفيل، وينتهي باتفاق عسكري أمني بديل لكل ما وقع بين الدولتين منذ اتفاق الهدنة وحتى اليوم. وهو ما يتطلب مفاوضات وتفاهمات قد تستغرق سنوات من التجارب والاختبارات.. ويرجى (بشكلٍ ملحٍ) ان تشمل من الجانب اللبناني اقتراحاً جدياً ببناء جدار على طول الحدود الجنوبية البالغ 120 كيلومتراً، من دون بوابات او معابر، يشبه الجدار المشاد في الضفة الغربية، يسدل الستار على تاريخ التورط اللبناني المدمّر في الصراع العسكري مع العدو.
صحيح ان التوصية الإسرائيلية والدولية باعتبار ما تبقى من سلاح ثقيل لدى حزب الله شأناً داخلياً يدعم سرديته بأنه صمد وبقي على قيد الحياة لفترة أطول مما هو متوقع، ويقفل سلفا السجال الموصى به حول الفصل بين جناحي الحزب السياسي والعسكري، لكن خطورتها تكمن في انها تفتح الباب على تحول الحزب الى قوة تمرد او شغب في الداخل اللبناني تحميه من تقديم التنازلات المطلوبة، للدولة والمجتمع اللبناني، وتستخدم الحد الأقصى من الضغط، بما في ذلك استخدام سلام النزوح والتغيير الديموغرافي في لبنان، كأداة في الصراع المقبل مع بقية الشركاء في الوطن.
وعليه، يصبح هؤلاء الشركاء امام مأزق الحوار مع حزب الله، او العزل لذلك البنيان العسكري والسياسي والاجتماعي الذي كان في وقت من الأوقات أقوى من الجيش اللبناني، لكنه تعرض لضربة قاسية، وما زال يشعر أن إيران المحطمة، كنظام ودولة، والمهددة بزلزال قوي، هي مرجعه وملاذه ومصدر قوته، وهي التي تمنع اندماجه في "الشأن اللبناني".
(مساهمة في نقاشات مغلقة جرت في "النادي الثقافي العربي" و"كلنا إرادة")
بيروت في 29/ 4 / 2026
ساطع نورالدين
حزب الله كشأن داخلي..تخونه الديموغرافيا الشيعية
شيئاً فشيئا، يقترب النقاش الداخلي اللبناني، في المنتديات والمجالس، من العناوين الجدية للمأزق الذي يعيشه البلد وأهله، هذه الأيام، بعدما استُنزفت الحوارات التلفزيونية وسجالات وسائل التواصل الاجتماعي، وتحولت الى شرارات تشتعل كلما أثير موضوع نزع سلاح حزب الله، وتشعل معها هواجس الحرب الاهلية، في ظل خسران الشيعة، ربما الى الابد، جزءاً مهماً من أرضهم التاريخية في جبل عامل، وعواقب ذلك على الديموغرافيا اللبنانية الحرجة.
ولعل المعضلة الأهم التي تواجه هذا النقاش، هي أن أحداً في لبنان لا يعرف بدقة ما الذي تريده إسرائيل. الثابت الوحيد الان هو انها لا تتطلع الى وقف النار، وتوحي بأنها لم تنجز خططها العسكرية، المستمرة منذ خريف العام 2023، وهي بالتأكيد لا تود إجراء مفاوضات، أمنية او حتى سياسية، ولا تطمح طبعا الى معاهدة سلام مع لبنان في المدى المفترض للحرب، التي يبدو أنها لم تقترب من نهايتها. والحافز المحدد والمعلن لذلك الموقف الإسرائيلي المتطرف، هو فك الارتباط التام بين لبنان وإيران، وليس فقط إبعاد القوة الإيرانية عن حدودها الشمالية.
وبالتزامن مع المضي قدماً في تنفيذ تلك الخطط العسكرية، تردد إسرائيل، على لسان كبار مسؤوليها، بيانات تزعم انه ليس لديها أطماع في الأرض اللبنانية، بل هي لا تزال تحترم الحدود الدولية للبنان، ولا تختلف مع الدولة اللبنانية سوى على بضع نقاط حدودية خلافية، يمكن حلها بسهولة.. وهو ما أضافت اليه قول رئيس اركان جيشها إيال زامير المفاجئ مؤخراً، عن أنها لا تستطيع وحدها تجريد حزب الله من السلاح، إلا إذا لجأت الى إحتلال لبنان بالكامل، وهو ما لا ترغب به، ولا تقدر عليه.
ومع هذا الكلام الذي ينفي الرغبة بالاحتلال الكامل، والمبني حتما على تجربة فشل آخر احتلال شبه تام للبنان في العام 1982، وما رافقه من جدول أعمال سياسي ليس له أثر حتى الان في الخطاب الإسرائيلي الراهن، وليس له سند حتى الان أيضاً في الداخل اللبناني، تم وقف النار الحالي، الذي يشمل بيروت والضاحية فقط، والذي رتبه الرئيس دونالد ترامب وأرفقه بالقول أنه سيجري العمل مع الدولة اللبنانية لايجاد "حل مناسب" لمشكلة سلاح حزب الله التي لم تعد مهمة إسرائيل الحصرية. ثم جاء كلام سفيره في تركيا طوم باراك في منتدى انتاليا الأخير عن الحاجة الى البحث عن مسار سياسي جديد لمقاربة هذه المشكلة، تشمل التمييز في المرحلة الأولى بين الجناح السياسي والعسكري للحزب.. مع ما يستدعيه ذلك الكلام من تشكيك في السفير نفسه، وما اذا كان يعبر عن اجتهاد شخصي أم عن موقف رسمي، أميركي (أم تركي).
المهم الآن ان ثمة توجهاً إسرائيلياً واميركياً لتحويل حزب الله الى مشكلة داخلية تقع مسؤوليتها الرئيسية على الدولة اللبنانية، وهو ما عبر عنه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في مؤتمره الصحافي مع رئيس الحكومة نواف سلام، بقوله ان حزب الله شأن داخلي لبناني، تعالجه الدولة بالاسلوب الذي تراه مناسباً، بما في ذلك اللجوء الى السياسة البعيدة المدى او حتى القوة ، التي تتطلب المضي قدماً في دعم الجيش اللبناني ، بما يقدره الخبراء ، وما يطلبه الرئيس جوزف عون، أي نحو مليار دولار سنويا ولمدة عشر سنوات.
حزب الله كشأن لبناني، يعني حتماً تحديد أفق الحرب، وربطها بما ينفذه الجيش اللبناني من مسار بعيد المدى يبدأ باسترداد الأراضي المحروقة في الجنوب، من دون قوات اليونيفيل، وينتهي باتفاق عسكري أمني بديل لكل ما وقع بين الدولتين منذ اتفاق الهدنة وحتى اليوم. وهو ما يتطلب مفاوضات وتفاهمات قد تستغرق سنوات من التجارب والاختبارات.. ويرجى (بشكلٍ ملحٍ) ان تشمل من الجانب اللبناني اقتراحاً جدياً ببناء جدار على طول الحدود الجنوبية البالغ 120 كيلومتراً، من دون بوابات او معابر، يشبه الجدار المشاد في الضفة الغربية، يسدل الستار على تاريخ التورط اللبناني المدمّر في الصراع العسكري مع العدو.
صحيح ان التوصية الإسرائيلية والدولية باعتبار ما تبقى من سلاح ثقيل لدى حزب الله شأناً داخلياً يدعم سرديته بأنه صمد وبقي على قيد الحياة لفترة أطول مما هو متوقع، ويقفل سلفا السجال الموصى به حول الفصل بين جناحي الحزب السياسي والعسكري، لكن خطورتها تكمن في انها تفتح الباب على تحول الحزب الى قوة تمرد او شغب في الداخل اللبناني تحميه من تقديم التنازلات المطلوبة، للدولة والمجتمع اللبناني، وتستخدم الحد الأقصى من الضغط، بما في ذلك استخدام سلام النزوح والتغيير الديموغرافي في لبنان، كأداة في الصراع المقبل مع بقية الشركاء في الوطن.
وعليه، يصبح هؤلاء الشركاء امام مأزق الحوار مع حزب الله، او العزل لذلك البنيان العسكري والسياسي والاجتماعي الذي كان في وقت من الأوقات أقوى من الجيش اللبناني، لكنه تعرض لضربة قاسية، وما زال يشعر أن إيران المحطمة، كنظام ودولة، والمهددة بزلزال قوي، هي مرجعه وملاذه ومصدر قوته، وهي التي تمنع اندماجه في "الشأن اللبناني".
(مساهمة في نقاشات مغلقة جرت في "النادي الثقافي العربي" و"كلنا إرادة")
بيروت في 29/ 4 / 2026
ساطع نورالدين
لبنان تحت رحمة هلوسات ترامب
أن يشارك الرئيس دونالد ترامب، ومعه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو، في اجتماع إجرائي، تنظيمي للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المرتقبة، يعني ان لبنان أصبح فعلا على جدول أعمال رئيس أميركا، من دون أن يتضح حتى الآن ما إذا كانت نعمة قد حلّت على اللبنانيين، أم نقمة تشبه تلك التي حلت على دول وشعوب كثيرة في العالم سبقت وقعت تحت أنظار ترامب ولائحة اهتماماته، وتلقت وعوده بالسلام والبركة.. لكنها صارت الآن تأمل أن ينساها ويتجاهلها ويعتبرها غير موجودة على الخريطة.
بادرة الرئيس ترامب مفاجئة جداً ومربكة حقاً، حتى ولو دامت مشاركته الشخصية، في الاجتماع بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي، وسفيري أميركا في بيروت وتل ابيب، بضع دقائق في مكتبه البيضاوي، لأنها تتخطى جميع العروض المسرحية التي قدمها ترامب منذ أن انتخب رئيساً، وحولت البيت الأبيض الى سيرك، وجعلته مهرجاً يجمع فريقه لكي يصفق له ويغمره بالمديح، ويستمع الى نائبه ووزير خارجيته وهما يشيدان ب"تاريخية" خطوته المفاجئة.. التي لا يمكن ان تنسب الى تأثير اللوبي اللبناني في واشنطن، مثلها مثل أملاها اللوبي الإسرائيلي الذي صنع ولا يزال يصنع المعجزات في السياسة الأميركية.
نال لبنان من ذلك الاجتماع الرفيع المستوى في البيت الأبيض، تمديداً لوقف اطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع، وهي أقل من الأربعين يوما التي طلبها وتمناها. لكن لا بأس، مزاج الرئيس لم يكن يسمح بأكثر من 21 يوماً، مرفقة بتكرار فكرته الخرقاء التي سبق ان طرحها قبل عشرة أيام، حول جمع "صديقيه" رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس جوزف عون، حتى بعدما فشل الاستعراض الأميركي أمس في تحديد زمان ومكان الجولة الأولى من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، كما كان مفترضاً.
حتى ولو جاز القول الشائع انه لا يمكن الحكم على أقوال ترامب بل على أفعاله، فإنه يصعب تجاهل حقيقة انه تراجع أمس عما قاله قبل عشرة أيام عن حظره أي قصف إسرائيلي للبنان، و"كفى يعني كفى"، وأجاز لإسرائيل ان ترد على الصواريخ التي تتعرض لها، لكن طبعا "بحذر" حسب تعبيره، أي من دون المس بالمدنيين والصحافيين.. وهو ما يمكن أن يعتبره الإسرائيليون تفويضاً جديداً باستئناف الحرب، لا يلزمها حتى بوقف هدم المنازل في الشريط الحدودي الجديد من جنوب لبنان، وغيرها من الاعتداءات التي لا تزال تغطي مساحة لبنان بالكامل.
وهي خطوة الى الوراء تُكسب فكرة جمع الرئيس عون ونتنياهو في لقاء مبكر ومباشر، المزيد من الجدية الاميركية، وتحولها كما يبدو حتى الآن الى شرط مسبق للشروع في جلسات التفاوض المفترضة، التي لم يطرح ترامب وفريقه موعدها وزمانها، في اجتماع البيت الأبيض، مع أنها كانت بنداً رئيسياً على جدول الاعمال اللبناني الإسرائيلي. ولعل من الجائز الافتراض ان نتنياهو فرض تأثيره الحاسم على ترامب وتمكن من حرف مبادرته اللبنانية عن مسارها الصحيح.. الذي كان يحتوي على ما هو أهم من لقاء برتوكولي مع الرئيس عون، سبق ان رفضه لبنان مثلما رفض فكرة الاتصال الهاتفي المباشر بين الرجلين.
لعله مجرد حكم خاطئ على أقوال ترامب، وترهاته التي لا تتوقف. لكن المشكلة أن الخروج من هذا المأزق الذي وضع فيه لبنان، مستحيل فعلاً، وخطر الى ابعد الحدود. دول كبرى في العالم تبذل جهوداً استثنائية لكي تتفادى الرئيس الأميركي وتهديداته وإساءاته وشتائمه الشخصية، الموجهة الى زعمائها. فات الأوان على إختبار قدرة لبنان على مثل هذا الخيار، الذي فشلت إيران على سبيل المثال في اعتماده، وها هي اليوم تعيش أسوأ الكوابيس على الاطلاق.
بيروت في 24 / 4 / 2026
ساطع نورالدين
لبنان تحت رحمة هلوسات ترامب
أن يشارك الرئيس دونالد ترامب، ومعه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو، في اجتماع إجرائي، تنظيمي للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المرتقبة، يعني ان لبنان أصبح فعلا على جدول أعمال رئيس أميركا، من دون أن يتضح حتى الآن ما إذا كانت نعمة قد حلّت على اللبنانيين، أم نقمة تشبه تلك التي حلت على دول وشعوب كثيرة في العالم سبقت وقعت تحت أنظار ترامب ولائحة اهتماماته، وتلقت وعوده بالسلام والبركة.. لكنها صارت الآن تأمل أن ينساها ويتجاهلها ويعتبرها غير موجودة على الخريطة.
بادرة الرئيس ترامب مفاجئة جداً ومربكة حقاً، حتى ولو دامت مشاركته الشخصية، في الاجتماع بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي، وسفيري أميركا في بيروت وتل ابيب، بضع دقائق في مكتبه البيضاوي، لأنها تتخطى جميع العروض المسرحية التي قدمها ترامب منذ أن انتخب رئيساً، وحولت البيت الأبيض الى سيرك، وجعلته مهرجاً يجمع فريقه لكي يصفق له ويغمره بالمديح، ويستمع الى نائبه ووزير خارجيته وهما يشيدان ب"تاريخية" خطوته المفاجئة.. التي لا يمكن ان تنسب الى تأثير اللوبي اللبناني في واشنطن، مثلها مثل أملاها اللوبي الإسرائيلي الذي صنع ولا يزال يصنع المعجزات في السياسة الأميركية.
نال لبنان من ذلك الاجتماع الرفيع المستوى في البيت الأبيض، تمديداً لوقف اطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع، وهي أقل من الأربعين يوما التي طلبها وتمناها. لكن لا بأس، مزاج الرئيس لم يكن يسمح بأكثر من 21 يوماً، مرفقة بتكرار فكرته الخرقاء التي سبق ان طرحها قبل عشرة أيام، حول جمع "صديقيه" رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس جوزف عون، حتى بعدما فشل الاستعراض الأميركي أمس في تحديد زمان ومكان الجولة الأولى من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، كما كان مفترضاً.
حتى ولو جاز القول الشائع انه لا يمكن الحكم على أقوال ترامب بل على أفعاله، فإنه يصعب تجاهل حقيقة انه تراجع أمس عما قاله قبل عشرة أيام عن حظره أي قصف إسرائيلي للبنان، و"كفى يعني كفى"، وأجاز لإسرائيل ان ترد على الصواريخ التي تتعرض لها، لكن طبعا "بحذر" حسب تعبيره، أي من دون المس بالمدنيين والصحافيين.. وهو ما يمكن أن يعتبره الإسرائيليون تفويضاً جديداً باستئناف الحرب، لا يلزمها حتى بوقف هدم المنازل في الشريط الحدودي الجديد من جنوب لبنان، وغيرها من الاعتداءات التي لا تزال تغطي مساحة لبنان بالكامل.
وهي خطوة الى الوراء تُكسب فكرة جمع الرئيس عون ونتنياهو في لقاء مبكر ومباشر، المزيد من الجدية الاميركية، وتحولها كما يبدو حتى الآن الى شرط مسبق للشروع في جلسات التفاوض المفترضة، التي لم يطرح ترامب وفريقه موعدها وزمانها، في اجتماع البيت الأبيض، مع أنها كانت بنداً رئيسياً على جدول الاعمال اللبناني الإسرائيلي. ولعل من الجائز الافتراض ان نتنياهو فرض تأثيره الحاسم على ترامب وتمكن من حرف مبادرته اللبنانية عن مسارها الصحيح.. الذي كان يحتوي على ما هو أهم من لقاء برتوكولي مع الرئيس عون، سبق ان رفضه لبنان مثلما رفض فكرة الاتصال الهاتفي المباشر بين الرجلين.
لعله مجرد حكم خاطئ على أقوال ترامب، وترهاته التي لا تتوقف. لكن المشكلة أن الخروج من هذا المأزق الذي وضع فيه لبنان، مستحيل فعلاً، وخطر الى ابعد الحدود. دول كبرى في العالم تبذل جهوداً استثنائية لكي تتفادى الرئيس الأميركي وتهديداته وإساءاته وشتائمه الشخصية، الموجهة الى زعمائها. فات الأوان على إختبار قدرة لبنان على مثل هذا الخيار، الذي فشلت إيران على سبيل المثال في اعتماده، وها هي اليوم تعيش أسوأ الكوابيس على الاطلاق.
بيروت في 24 / 4 / 2026
ساطع نورالدين
فلتكن مشيئة ترامب: لبنان عظيمٌ مجدداً !
أصعب متاعب هذه الأيام، بل هذه الساعات، هي قراءة تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتلاحقة على شبكته الخاصة "تروث سوشيال" التي أطلقها قبل سنوات رداً على وسائل الاعلام الأميركي وشبكات التواصل الاجتماعي المناهضة له، في غالبيتها الساحقة ذات التوجهات الليبرالية. فما زال يصعب التمييز في ذلك السيل من التغريدات، بين ترامب - الرئيس الذي يحكُم ويدير ويبلِّغ، وبين ترامب الذي يسخر أو يمزح أو يخطىء أو يخدع أو.. ينتقم من الصحافة التقليدية التي يتحدث الى مندوبيها ومراسليها مرتين او ثلاث مرات في اليوم الواحد!
تغريدات ترامب الأخيرة عن لبنان، التي اطلقها بالأمس، لا تبدد تلك الحيرة وذلك الشك في موقفه المتقلب الذي يمس مصائر دول وشعوب وأقدارها، ويسير بها على حافة الهاوية، بسرعة مذهلة وبخفة شديدة، تعبر عن ضحالة ثقافته ومحدودية تجربته، في السياسة الخارجية خاصة، فضلا عن غرابة سلوكه الشخصي الذي لم يبخل الاعلام الأميركي في تشريحه وصولا الى التوصية بعزله وتحويله الى مصح عقلي..برغم انه لا يزال يتمتع بغالبية حاسمة في مجلسي الكونغرس الأميركي، تحول دون مساءلته حول حرب إيران الأخيرة.
لكن التجربة، والحاجة الملحة الى وقف الحرب الإسرائيلية، تفترض تنحية الحيرة إزاء تلك التغريدات اللبنانية المفاجئة، التي وصلت الى حد التكهن بأن شعار "لنجعل لبنان عظيما مجدداً" الذي رفعه ترامب وسبق له ان ظهر منذ سنوات في بعض الشوارع اللبنانية، يمكن ان يرتفع مجدداً على اطلال مدينة بنت جبيل، التي دمرها العدو الإسرائيلي، ويُكسب الرئيس الأميركي المزيد من الأصوات الانتخابية في ولاية ميتشغن حيث يقيم أغلب المهاجرين اللبنانيين من تلك المدينة الجنوبية العريقة منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، والذين سبق ان صوتوا بغالبيتهم لترامب في انتخابات الرئاسة العام 2024.
الآن، المصلحة اللبنانية المباشرة، وليس بالضرورة الحكمة اللبنانية المفترضة، تقتضي نسيان ذلك الجانب من سيرة ترامب وحروبه على قطاع غزة وإيران ولبنان تحديداً، والتطلع قدماً الى ذلك " القدر" الجديد الذي حل على لبنان، بإعتباره أخف نسبياً من القدر الإسرائيلي الذي كان ينذر بدمار لبناني شامل، والذي تلقى الأمر الصريح والمباشر من الرئيس الأميركي بوقف قصف لبنان، والإرشاد الجديد : "كفى يعني كفى".. ومعالجة مشكلة سلاح حزب الله بالتي هي أحسن، من المذابح التي ارتكبها الإسرائيليون على مدى الأيام ال45 الماضية من الحرب.
يمكن وضع هذه القراءة في سياق درء الشر الإسرائيلي المتمادي، ووقف السلوك الإسرائيلي الهمجي المتهور الذي قاد أميركا الى حروب لم تكن تريدها ولا مصلحة لها في الاستمرار بها الى ما لا نهاية. والانفتاح، أو الاختبار لوعد أميركي جديد ب"العظمة اللبنانية"، التي لا يمكن ان تنطلي على أي لبناني عاقل. المهم ان الحرب توقفت. وانضبطت إسرائيل في المسار الأميركي السليم، ولو الى حين، وسلمت في الوقت نفسه بأن لبنان، لن يكون لها (وحدها)، ولن يكون لإيران طبعاً مهما زعمت من دور في وقف اطلاق النار، بل هو لأميركا أولا وأخيراً، أو هكذا يبدو حتى الآن !
وهذا المسار الجديد للبنان مبني على كلمة الرئيس جوزف عون المتقدمة التي وجهها الى الشعب اللبناني مساء أمس، وعلى ما جاء فيها تحديداً من تحية الى الرئيس الأميركي "الصديق"، (والى الشقيقة الكبرى السعودية، التي كانت الشريكة في صدور قرار وقف النار). المجاهرة بالصداقة الشخصية مع ترامب، التي يتمناها معظم زعماء العالم على اختلاف مواقفهم من الرئيس الأميركي الحالي، تعبر عن إنجاز سياسي ودبلوماسي مهم للرئيس عون، وللبنان، يسهم في تفادي الخطر الإسرائيلي ويحسم الجدل حول موقف البيت الأبيض من رئيس الجمهورية اللبنانية، ويؤسس لعملية سياسية مهمة تهدف الى نزع سلاح حزب الله وتعزيز بنية الدولة اللبنانية ومؤسساتها لا سيما العسكرية منها.. في مهلة عامين ونصف العام بالحد الأدنى.
لنجعل لبنان عظيماً مرة أخرى: شعار ساذج، فارغ..لكنه مغرٍ.
بيروت في 18 / 4 / 2026
ساطع نورالدين
فلتكن مشيئة ترامب: لبنان عظيمٌ مجدداً !
أصعب متاعب هذه الأيام، بل هذه الساعات، هي قراءة تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتلاحقة على شبكته الخاصة "تروث سوشيال" التي أطلقها قبل سنوات رداً على وسائل الاعلام الأميركي وشبكات التواصل الاجتماعي المناهضة له، في غالبيتها الساحقة ذات التوجهات الليبرالية. فما زال يصعب التمييز في ذلك السيل من التغريدات، بين ترامب - الرئيس الذي يحكُم ويدير ويبلِّغ، وبين ترامب الذي يسخر أو يمزح أو يخطىء أو يخدع أو.. ينتقم من الصحافة التقليدية التي يتحدث الى مندوبيها ومراسليها مرتين او ثلاث مرات في اليوم الواحد!
تغريدات ترامب الأخيرة عن لبنان، التي اطلقها بالأمس، لا تبدد تلك الحيرة وذلك الشك في موقفه المتقلب الذي يمس مصائر دول وشعوب وأقدارها، ويسير بها على حافة الهاوية، بسرعة مذهلة وبخفة شديدة، تعبر عن ضحالة ثقافته ومحدودية تجربته، في السياسة الخارجية خاصة، فضلا عن غرابة سلوكه الشخصي الذي لم يبخل الاعلام الأميركي في تشريحه وصولا الى التوصية بعزله وتحويله الى مصح عقلي..برغم انه لا يزال يتمتع بغالبية حاسمة في مجلسي الكونغرس الأميركي، تحول دون مساءلته حول حرب إيران الأخيرة.
لكن التجربة، والحاجة الملحة الى وقف الحرب الإسرائيلية، تفترض تنحية الحيرة إزاء تلك التغريدات اللبنانية المفاجئة، التي وصلت الى حد التكهن بأن شعار "لنجعل لبنان عظيما مجدداً" الذي رفعه ترامب وسبق له ان ظهر منذ سنوات في بعض الشوارع اللبنانية، يمكن ان يرتفع مجدداً على اطلال مدينة بنت جبيل، التي دمرها العدو الإسرائيلي، ويُكسب الرئيس الأميركي المزيد من الأصوات الانتخابية في ولاية ميتشغن حيث يقيم أغلب المهاجرين اللبنانيين من تلك المدينة الجنوبية العريقة منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، والذين سبق ان صوتوا بغالبيتهم لترامب في انتخابات الرئاسة العام 2024.
الآن، المصلحة اللبنانية المباشرة، وليس بالضرورة الحكمة اللبنانية المفترضة، تقتضي نسيان ذلك الجانب من سيرة ترامب وحروبه على قطاع غزة وإيران ولبنان تحديداً، والتطلع قدماً الى ذلك " القدر" الجديد الذي حل على لبنان، بإعتباره أخف نسبياً من القدر الإسرائيلي الذي كان ينذر بدمار لبناني شامل، والذي تلقى الأمر الصريح والمباشر من الرئيس الأميركي بوقف قصف لبنان، والإرشاد الجديد : "كفى يعني كفى".. ومعالجة مشكلة سلاح حزب الله بالتي هي أحسن، من المذابح التي ارتكبها الإسرائيليون على مدى الأيام ال45 الماضية من الحرب.
يمكن وضع هذه القراءة في سياق درء الشر الإسرائيلي المتمادي، ووقف السلوك الإسرائيلي الهمجي المتهور الذي قاد أميركا الى حروب لم تكن تريدها ولا مصلحة لها في الاستمرار بها الى ما لا نهاية. والانفتاح، أو الاختبار لوعد أميركي جديد ب"العظمة اللبنانية"، التي لا يمكن ان تنطلي على أي لبناني عاقل. المهم ان الحرب توقفت. وانضبطت إسرائيل في المسار الأميركي السليم، ولو الى حين، وسلمت في الوقت نفسه بأن لبنان، لن يكون لها (وحدها)، ولن يكون لإيران طبعاً مهما زعمت من دور في وقف اطلاق النار، بل هو لأميركا أولا وأخيراً، أو هكذا يبدو حتى الآن !
وهذا المسار الجديد للبنان مبني على كلمة الرئيس جوزف عون المتقدمة التي وجهها الى الشعب اللبناني مساء أمس، وعلى ما جاء فيها تحديداً من تحية الى الرئيس الأميركي "الصديق"، (والى الشقيقة الكبرى السعودية، التي كانت الشريكة في صدور قرار وقف النار). المجاهرة بالصداقة الشخصية مع ترامب، التي يتمناها معظم زعماء العالم على اختلاف مواقفهم من الرئيس الأميركي الحالي، تعبر عن إنجاز سياسي ودبلوماسي مهم للرئيس عون، وللبنان، يسهم في تفادي الخطر الإسرائيلي ويحسم الجدل حول موقف البيت الأبيض من رئيس الجمهورية اللبنانية، ويؤسس لعملية سياسية مهمة تهدف الى نزع سلاح حزب الله وتعزيز بنية الدولة اللبنانية ومؤسساتها لا سيما العسكرية منها.. في مهلة عامين ونصف العام بالحد الأدنى.
لنجعل لبنان عظيماً مرة أخرى: شعار ساذج، فارغ..لكنه مغرٍ.
بيروت في 18 / 4 / 2026
ساطع نورالدين
لبنان وحيداً: إسرائيل بدل إيران
أهم ما في اللقاء اللبناني الإسرائيلي، المحزن، وليس الآثم، في مقر وزارة الخارجية الأميركية، وهو لم يكن اللقاء المباشر الأول من نوعه، ولن يكون الأخير طبعاً، أن إيران كانت خارج الصورة، وخارج السياق، للمرة الأولى منذ ثمانينات القرن الماضي، وحتى اليوم الذي لا تزال فيه جبهة لبنان، هي الوحيدة التي لا تزال مشتعلة في "منطقة غرب آسيا والسواحل الجنوبية للخليج الفارسي"، حسب التوصيف الإيراني الثابت لبلدان المشرق العربي والخليج العربي أيضا.
بلدة الناقورة الجنوبية شاهدة على الكثير من مثل هذه اللقاءات والمفاوضات، التي غلب عليها الطابع العسكري، لكن محتواها السياسي لم يكن معدوماً. هذه المرة أملت ضرورات الصورة العلنية المنشودة من قبل الاميركيين على اللقاء بعداً يكاد يكون استراتيجياً، بما يعد به مستقبلاً، برغم الوحشية والمراوغة الإسرائيلية، التي لا تغير في جوهر الصورة ولا توحي بأن لبنان جلس الى الطاولة في واشنطن باعتباره مهزوماً، كدولة ومجتمع، بل فقط كشريحة شعبية محاصرة، وحزب مغامر ومتمرد على حسابات الوطنية اللبنانية. وعليه، لن يكون لبنان الدولة والشعب، مدعواً ولا مضطراً لدفع ثمن هزيمة سواه، في حرب لم يوافق عليها ابداً.
لقاء واشنطن الذي افتتح مساراً طويلاً، ويحتمل كل أنواع الكذب والصلف الإسرائيلي، لا يقرب في الواقع موعد وقف اطلاق النار، بل يؤجله الى ما بعد انتهاء القوات الإسرائيلية من مهماتها العسكرية الواسعة النطاق التي تبدأ من الاحتلال المباشر للحزام الأمني الجنوبي، والتي ليس لها سقف محدد، ولا غاية واضحة، سوى نزع سلاح حزب الله، الذي قال الإسرائيليون صراحة، انه هدف يستحيل عليهم تحقيقه من دون اللجوء الى احتلال لبنان كله، وهو ما لا يقدرون عليه.
وعليه، يصبح الحديث عن طريق طويل من الضغط والتوجيه الأميركي الإسرائيلي للدولة والمجتمع في لبنان، لكي يقوم بهذه المهمة تحت الرقابة المباشرة، والحثيثة أكثر من ذي قبل، وصولا الى تجريد الحزب من سلاحه وتفكيك بناه العسكرية، على نحو في بلدان عديدة في افريقيا وأميركا اللاتينية، واستغرق سنوات قبل ان ينجز ويتوصل الى السلام الداخلي المنشود للبنان، وتصفية قدرة الحزب على العمل خارج حدود لبنان.. وبمعزل عما اذا ذلك سيتم قبل تجريد إيران من أسباب قوتها العسكرية.
الإنجاز الوحيد الذي تحقق حتى الآن هو أن لبنان صمد كدولة وشعب، ولم (ولن) ينجر الى حرب أهلية جديدة، كانت إيران بالذات أحد دوافعها، مثلما كانت سوريا الاسدية في الماضي أحد رعاتها، مثلما كان السلاح الفلسطيني أحد مصادرها الاصلية. الكلام عن أن إيران سلمت بخسارتها النفوذ في لبنان، لا يحتاج الى دليل، ولا ينتظر سوى الإعلان الرسمي عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.. بعدما أن يتثبت حليفها اللبناني الذي يواجه حملة عسكرية إسرائيلية لم يسبق لها مثيل، من ان المعركة قد انتهت، عندما تخلت طهران وحكامها الجدد عنه، وللمرة الأولى منذ ان أغرقت لبنان بالسلاح والمال في ثمانينات القرن الماضي، لمصلحة مفاوضات اسلام اباد التي انهت او تكاد تنهي حملة تدمير أميركية إسرائيلية شاملة للنظام الإيراني ورموزه ومقوماته.
لبنان وحده في مواجهة العدو الاسرائيلي. زمن السلاح يوشك على الانتهاء. وزمن الصواريخ والمسيرات التي جعلته جبهة متقدمة ومكشوفة في الحرب مع العدو الإسرائيلي، ثم تركه وحيداً يصارع الآلة العسكرية الإسرائيلية والأميركية الفائقة، على حافة الافول. حان الوقت للتفكير في مرحلة ما بعد الحياد العسكري اللبناني.. بعيداً عن اللقاءات المباشرة في واشنطن، وفي سواها من العواصم التي يمكن ان تستضيف محاولات إخراج لبنان من فوهة البركان، من دون أن يتحول الى رهينة للعدو الإسرائيلي.
بيروت في 15 / 4 / 2026
ساطع نورالدين
لبنان وحيداً: إسرائيل بدل إيران
أهم ما في اللقاء اللبناني الإسرائيلي، المحزن، وليس الآثم، في مقر وزارة الخارجية الأميركية، وهو لم يكن اللقاء المباشر الأول من نوعه، ولن يكون الأخير طبعاً، أن إيران كانت خارج الصورة، وخارج السياق، للمرة الأولى منذ ثمانينات القرن الماضي، وحتى اليوم الذي لا تزال فيه جبهة لبنان، هي الوحيدة التي لا تزال مشتعلة في "منطقة غرب آسيا والسواحل الجنوبية للخليج الفارسي"، حسب التوصيف الإيراني الثابت لبلدان المشرق العربي والخليج العربي أيضا.
بلدة الناقورة الجنوبية شاهدة على الكثير من مثل هذه اللقاءات والمفاوضات، التي غلب عليها الطابع العسكري، لكن محتواها السياسي لم يكن معدوماً. هذه المرة أملت ضرورات الصورة العلنية المنشودة من قبل الاميركيين على اللقاء بعداً يكاد يكون استراتيجياً، بما يعد به مستقبلاً، برغم الوحشية والمراوغة الإسرائيلية، التي لا تغير في جوهر الصورة ولا توحي بأن لبنان جلس الى الطاولة في واشنطن باعتباره مهزوماً، كدولة ومجتمع، بل فقط كشريحة شعبية محاصرة، وحزب مغامر ومتمرد على حسابات الوطنية اللبنانية. وعليه، لن يكون لبنان الدولة والشعب، مدعواً ولا مضطراً لدفع ثمن هزيمة سواه، في حرب لم يوافق عليها ابداً.
لقاء واشنطن الذي افتتح مساراً طويلاً، ويحتمل كل أنواع الكذب والصلف الإسرائيلي، لا يقرب في الواقع موعد وقف اطلاق النار، بل يؤجله الى ما بعد انتهاء القوات الإسرائيلية من مهماتها العسكرية الواسعة النطاق التي تبدأ من الاحتلال المباشر للحزام الأمني الجنوبي، والتي ليس لها سقف محدد، ولا غاية واضحة، سوى نزع سلاح حزب الله، الذي قال الإسرائيليون صراحة، انه هدف يستحيل عليهم تحقيقه من دون اللجوء الى احتلال لبنان كله، وهو ما لا يقدرون عليه.
وعليه، يصبح الحديث عن طريق طويل من الضغط والتوجيه الأميركي الإسرائيلي للدولة والمجتمع في لبنان، لكي يقوم بهذه المهمة تحت الرقابة المباشرة، والحثيثة أكثر من ذي قبل، وصولا الى تجريد الحزب من سلاحه وتفكيك بناه العسكرية، على نحو في بلدان عديدة في افريقيا وأميركا اللاتينية، واستغرق سنوات قبل ان ينجز ويتوصل الى السلام الداخلي المنشود للبنان، وتصفية قدرة الحزب على العمل خارج حدود لبنان.. وبمعزل عما اذا ذلك سيتم قبل تجريد إيران من أسباب قوتها العسكرية.
الإنجاز الوحيد الذي تحقق حتى الآن هو أن لبنان صمد كدولة وشعب، ولم (ولن) ينجر الى حرب أهلية جديدة، كانت إيران بالذات أحد دوافعها، مثلما كانت سوريا الاسدية في الماضي أحد رعاتها، مثلما كان السلاح الفلسطيني أحد مصادرها الاصلية. الكلام عن أن إيران سلمت بخسارتها النفوذ في لبنان، لا يحتاج الى دليل، ولا ينتظر سوى الإعلان الرسمي عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.. بعدما أن يتثبت حليفها اللبناني الذي يواجه حملة عسكرية إسرائيلية لم يسبق لها مثيل، من ان المعركة قد انتهت، عندما تخلت طهران وحكامها الجدد عنه، وللمرة الأولى منذ ان أغرقت لبنان بالسلاح والمال في ثمانينات القرن الماضي، لمصلحة مفاوضات اسلام اباد التي انهت او تكاد تنهي حملة تدمير أميركية إسرائيلية شاملة للنظام الإيراني ورموزه ومقوماته.
لبنان وحده في مواجهة العدو الاسرائيلي. زمن السلاح يوشك على الانتهاء. وزمن الصواريخ والمسيرات التي جعلته جبهة متقدمة ومكشوفة في الحرب مع العدو الإسرائيلي، ثم تركه وحيداً يصارع الآلة العسكرية الإسرائيلية والأميركية الفائقة، على حافة الافول. حان الوقت للتفكير في مرحلة ما بعد الحياد العسكري اللبناني.. بعيداً عن اللقاءات المباشرة في واشنطن، وفي سواها من العواصم التي يمكن ان تستضيف محاولات إخراج لبنان من فوهة البركان، من دون أن يتحول الى رهينة للعدو الإسرائيلي.
بيروت في 15 / 4 / 2026