بدايةً، أتوجه ببالغ الشكر والامتنان للأستاذ الدكتور الفاضل إياد قنيبي على شهادته المنصفة ووقفته الأخوية الصادقة في وجه حملة التشويه التي يمارسها هذا الشخص المدافع بشراسة عن إيران؛ فهكذا عهدناه دائماً، صوتاً للحق، يتحرى العدل والإنصاف، وي��تحضر تقوى الله وحرمة أعراض المسلمين.
الدكتور إياد وضع يده بدقة على مكمن الداء الذي ابتُلينا به في هذه المنصات؛ وهو داء "التقويل والافتراء"، حين يتعمد الخصم المفلس أن ينسب إليك نقيض مرادك، ليفصل معركة وهمية تخدم غلوه وأجندته.
المدعو دانيال حقيقتجو -المعروف بغلوه الفج وموالاته المستميتة لمحور إيران- كتب منشورًا يقطر بذاءة وسوء أدب، مستخدماً ألفاظاً سوقية وقحة لا تصدر عن شخص يحترم دينه أو عقله؛ فزعم ببهتان صريح أنني "أبكي على عدم تدخل أمريكا لقصف المسلمين في اليمن"، ورماني زورا بالتصهين والعمالة لمحمد بن سلمان، بل ودعا عليّ بأن يسلّط عليّ الطغاة ما يفعلو��ه بأهل اليمن!
هذا السقوط الأخلاقي يعري إفلاس الرجل تماماً؛ فقد بنى بهتانه على منشور ساخر فصّله وفق هواه المريض، متجاهلاً -أو متناسياً بعين الغرض العوراء- أنني قبل نشر ذلك المنشور الساخر بساعة واحدة، كنت قد نشرت مقالاً تحليلياً مفصلاً وشاملاً على موقع "شؤون إسلامية" بعنوان: "ما لا يقال عن المعارك الأخيرة بين الحوثي والقوات الحكومية ورسالة إلى المتأيرن الكذاب". رابط المقال: https://t.co/x4LykgrY9w
وفي ذلك المقال، المتاح للجميع قبل تخرصاته، فضحتُ بوضوح لا لبس فيه الهزال السياسي والغباء الاستراتيجي لنظام محمد بن سلمان، وعرّيت ارتهان الأنظمة الوظيفية، وأعلنتُ فيه براءة تامة من محور الهيمنة الأمريكية، كما أعلنت البراءة من محور إيران المجرم.
وبيّنت بالمعطيات العسكرية كيف أن واشنطن غضت الطرف عن تمدد الحوثي، وعقدت معه الصفقات أثناء ��رب غزة وقبلها -وهذا ما لا يذكره هؤلاء- وهو معلوم وموثق، وأن ما جرى على الأرض لم يكن "فتحاً أسطورياً كسر شوكة أمريكا" كما يروج المتأيرنون، وإنما كان انسحاباً وتفككاً وخيانة من القوات المقابلة لصالح الحوثي.
فأين في هذا الطرح كله أي دعوة لقصف المسلمين، أو ذرة موالاة لأي أنظمة؟
المنشور كان صفعة مباشرة لتجار الوهم الذين ينسجون بطولات "هوليوودية" خيالية لمليشيا إجرامية على حساب دماء أهل اليمن؛ ومن يحزن حقاً على أهل اليمن لا يهلل لمليشيا تحاصر تعز، وتفجر مساجد ودور القرآن لأهل السنة، وتجند أطفالهم في محارق الموت.
مشكلة دانيال وأمثاله من المتأيرنين أن عقولهم مأسورة داخل ثنائية بائسة؛ ففي قاموسهم المأزوم: إما أن تخر ساجداً للمشروع الإيراني وتصفق لجرائم مليشياته في الشام والعراق واليمن، وإما أن تكون "مدخلياً وعميلاً لأمريكا وال��ليج".
لا يستوعب هؤلاء أن هناك مسلماً حراً يقف على أرض المبدأ الثابت، يرفض ظلم الأنظمة العربية وتبعية حكامها، وفي الوقت ذاته يرفض دموية المشروع الصفوي وعمالة أذرعه.
وعلى كل حال؛ نسأل الله العظيم، القوي المتين، أن ينتقم من النظام الإيراني وأذرعه الطائفية الإجرامية، ومن كل من عاونهم ووالاهم وبرر جرائمهم بحق أمة الإسلام، وأن يرينا فيهم عجائب قدرته.
ونسأله سبحانه أن يعجل بفرج أهلنا المستضعفين في اليمن، وأن ينصرهم على من بغى عليهم، ويؤلف بين قلوبهم، ويجمع صفوفهم على الحق، وينقي رايتهم من دنس الخيانة والارتهان للأعداء، ويحفظ عليهم دينهم وأعراضهم وأرضهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
من أهم المهارات التي يجب اكتسابها في بناء أنفسنا، هي "العصامية"، فعقلية الركون والتسويف والاعتماد على الغير، نالت منا كل منال.
نفس عصام سوّدت عصامِاً .. وعلمته الكر والإقداما
وجعلته ملكاً هماماً .. فتعالى وجاوز الأقواما
حتى لا نكون عظاميين، نعتمد على عظام أجدادنا.
ستخرج بدروس زاخرة من كل معرفة بشرية.
معرفة بالخير وبالشر في كل نفس.
فالمرء ليس ما يقوله عن نفسه، وإنما ما تخرجه امتحانات الشدة وخطوب الزمان منه.
هناك تتباين معادن الناس، ومن لم يذق من غصاصة الموت يغتر.
أكثرهم ثباتا في المحن، هم الأكثر استيعابا لوقع المعاني.
وأكثرهم سعة قلب ويد!
أولئك الصحب ودونهم هزل.
التربية الإيمانية التي تنطلق من بناء عقدي راسخ، يظهر أثرها مهيبا في مواقف الابتلاءات والخطوب!
الأبناء الذين حرموا هذه التربية، يعانون بشدة،مقارنة مع أولئك الذين تربوا على معاني الصبر والتوكل واليقين والاستعانة بالله والثبات في المحن!
أعظم ميراث تقدمه لأبنائك تربية إيمانية متينة.
تتساءل: لم كل هذا الابتلاء والفواجع والخذلان؟
قلت: لتنقطع القلوب عن كل رجاء من الدنيا والناس وتمضي لله تعالى مخلصة موحدة حرة، لا تبتغي غير مرضاته ومحبته وحده لا شريك له، قد عرفت حقيقة الدنيا وعظمة الآخرة!
إن الابتلاءات المزلزلة موجبة للحمد الكثير، فلولاها لما عرف ��لعبد حقيقة العبودية لخالقه، ولما تجرد من عوالق الدنيا وترسخ في قلبه الإخلاص..! لولاها لبقي مغترا مخدوعا بكل ما يملأ قلبه ليزاحم حب الله جل جلاله!
لابد من الابتلاء لتنضج القلوب وتشتد المحبة .. لابد من الخطوب ... ليرتقي الطموح لمرتبة الشهداء والصديقين .. ويسابق لمراتب الفوز العظيم.
والله لا تساوي جناح بعوضة، ولا أسعد من الشهداء!
أغنى الناس .. أغنياء القلوب .. من تغنيهم الفائدة والمعنى .. وتفاصيل الإحسان والمسابقة .. وإن كانت معيشتهم على ما يسد الرمق.
وأفقر الناس، فقراء القلوب .. من يحرمون نور العلم وبركات العمل .. وتحجب أهواءهم عنهم مشاهد الظفر وسبل التمكين والفتح وإن تنعموا في القصور والترف.
نحن بحاجة لقلوب شديدة الحب لله تعالى والخوف والرجاء.
لسواعد قوية، وخطوات متوازنة،
لرؤية واضحة، واستيعاب يليق.
بحاجة لخفض الجناح للمؤمنين والعزة على الكافرين.
بحاجة لكل ما يبعث القوة فينا، وإلا فلا يجتمع هوان مع إيمان في قلب!
نحن بحاجة لقادة في أنفسنا وبين من حولنا.
فيا لفقد القيادة!
الرجل المكيث!
قال عمر لأبي عبيد بن مسعود الثقفي لما ولاه حرب فارس والعراق فقال له: اسمع وأطع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأشركهم في الأمر، ولا تجيبن مسرعاً حتى تتبين، فإنها الحرب ولا يصلح لها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكف.
وقال له في أخرى: "إنه لن يمنعني أن أؤمر سليطا إلا سرعته في الحرب. وفي التسرع في الحرب إلا عن بيان ضياع. والله لولا ذلك لأمرته. لكن الحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث ".
(مقدمة ابن خلدون)
من أهم ما يجب تربية الأبناء عليه "معاني الرجولة" والجلدة في شدة.
علمي ابنك أن يكون صاحب مروءة، وشهامة وكرم نفس ويد حين تشتد الخطوب، لا تحرميه تحريضا ينبض قوة ويقينا. علميه حب الله جل جلاله.
وأما البنات، فـ"حسن التدبير والتصرف" والتوكل على الله، علميها كيف تعجن خبزها بيديها، وتتصدق منه، علميها كيف تستذكر النعم وتديم الشكر. لا تحرميها حضنا ووصلا، علميها حب الله جل جلاله.
(إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 49)
إن كان من وصية على المؤمن أن يأخذ بها بشدة في زماننا:
إياك أن يؤتى الإسلام من قبلك!
اثبت لآخر رمق على التوحيد والسنة ..
ولا تشمت فينا كافرا ولا منافقا بدنيّة وهوان في دينك!
الإسلام أثمن ما تحمل، دونه الموت.
كل عامل لله لا بد أن يحذر من أن يؤتى من جهتين خطيرتين:
جهة ظاهرة معلومة، هي أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وجهة خفية يغفل عنها: وهي هوى نفسه ومن حوله، ��من يمكن أن يزينوا لها باطلا أو يتحولوا إلى معول هدم في حياته.
كل عامل لله يردد بقلب منكسر: "يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين".
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
الـدنيـا جيفــة فمـن أرادها فليصبر على مخالطة الكلاب..
- حلية الأولياء (8 /238) -
هذا المعنى يقودنا لحقيقة أن التقي الشهم متعرض ولابد للدغ العقارب ونفث الحيات، ويذوق ولابد من غصاصة مخالطة أصناف دن��ة من النفوس! فلا يتساءلن لماذا يجد نفسه في هذه الظروف وبين هذه المستويات المتخلفة من البشر؟! فما كان ليشتد قلبه وعزمه ويقينه ويستقيم على ��طى الجيل المتفرد لولا معرفة الشر ومعاينة آيات الله في الظالمين بنفسه!
يتباين الناس في استجابتهم لحوادث الأيام .. فمنهم المنهزم الذي يجيد النحيب والعويل، ومنهم القائد الذي لا يعرف الاستسلام لا ينفك يحرض المؤمنين ويصنع الحلول ولو كان المصاب في مقتل! ومنهم المتردد فهو في ريبه يتردد!
ومدار ذلك كله في موقع الحق في قلبه ودرجة تمكن اليقين فيه.
قال ابن القيم رحمه الله:
"فإن القلب كلما كانت حياته أتم، كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل".
(إعلام الموقعين 2-157).