| فما أنغص ذكر الحسين للعيش |
- روى شيخنا الصدوق -رح- بسنده عن داوود الرقي أنه كان عند أبي عبد الله الصادق -عليه السلام- حين استستقى الماء، فقال:
" فَلَمّا شَرِبَهُ رَأيتُهُ وقَد استَعبَرَ
واغرَورَقَت عَيناهُ بِدُموعِهِ ثُمَّ قالَ:
يا دَاوودُ لَعَنَ اللهُ قاتِلَ الحُسَينِ
فَما أنغَصَ ذِكرَ الحُسَينِ لِلعَيشِ،
إنّي ما شَرِبتُ ماءً بارِداً إلا وذَكَرتُ الحُسَين. "
📚 الأمالي، ج١، ص١٤٢.
كلما تقدمت في السن، أدركت أكثر فأكثر أن السعادة تكمن في الصباحات الهادئة، والمكان النظيف، والنوم المبكر، والمنزل الآمن، والأشخاص الذين لا يستنزفون طاقتي!!
بين يوم ١٣ من رجب ويوم ١٩ من رمضان، سجّل التاريخ حدثا وِترا لم يحصل ولم يتكرر، إذ وُلد القمر المنير في جوف الكعبة، وانخسفت هامته في محراب الصلاة
وخلال ٦٣ سنة من حياته، كانت المفارقات في عظمتها من صنف مكان ولادته وشهادته: مواقف بُهتت لعظمتها العقول، وتصاغرت لها النفوس الشريفة
بعد أربعين عامًا من التعليم، انتهت مسيرتي بجملة واحدة قالها طفل في السادسة من عمره:
“أبي يقول إن أشخاصًا مثلك لم يعودوا ضروريين.”
لم يقلها بسخرية، ولم يقصد الإهانة. قالها ببرودٍ عابر، كما لو كان يعلّق على الطقس.
وأضاف ببساطة: “أنتِ حتى ما بتعرفي تستخدمي تيك توك.”
أنا السيدة إليانور فانس، قضيت أربعة عقود أدرّس مرحلة رياض الأطفال في ضاحية هادئة من دنفر.
واليوم، حزمت صناديق صفي للمرة الأخيرة.
عندما بدأت في أوائل الثمانينات، كان التعليم عهدًا مقدسًا.
لم نكن نتقاضى رواتب كبيرة، لكننا كنا نحظى بالاحترام.
كان الأهالي يجلبون الكعك إلى الاجتماعات، والأطفال يقدمون بطاقات مرسومة بأيديهم وقلوب مائلة ومبتسمة.
كانت فرحة طفل يقرأ جملته الأولى بمثابة مكافأة لا تقدر بثمن.
لكن شيئًا ما بدأ يتآكل ببطء.
الوظيفة التي عرفتها يوماً اختفت، وحلّ مكانها الإرهاق، وقلة الاحترام، ووحدة عميقة.
لياليَّ لم تعد تُقضى في قصّ نجوم ورقية، بل في تسجيل حوادث السلوك على تطبيق إلكتروني لحماية نفسي من الدعاوى القضائية.
تعرضتُ للتوبيخ من أولياء أمور أمام تلاميذي أنفسهم — أحدهم كان يصورني بهاتفه بينما أحاول تهدئة طفل في نوبة غضب.
أما الأطفال… فقد تغيّروا أيضًا — وليس ذنبهم.
يأتون إلى المدرسة مُنهَكين ومُفرَطَي التحفيز، أدمغتهم معتادة على الإشباع الفوري من الشاشات.
بعضهم لا يعرف كيف يمسك قلم تلوين، أو ينتظر دوره.
ومع ذلك، يُتوقع منا إصلاح كل هذا في ست ساعات، مع 25 طفلًا، وميزانية لا تتجاوز النكتة.
زاويتي الصغيرة للقراءة، بأكياس الجلوس المهترئة وأغاني الصباح،
استُبدلت بـ”نقاط بيانات” و”نتائج قابلة للقياس”.
قال لي المدير ذات مرة:
“عليك أن تكوني أقل دفئًا، إليانور. المقاطعة تريد نتائج.”
وكأن التعاطف صار عيبًا مهنيًا.
ومع ذلك، تمسكتُ بتلك اللحظات الصغيرة المقدسة:
همسة “أنتِ مثل جدتي.”
ورقة تركها طفل على مكتبي: “أشعر بالأمان هنا.”
الولد الهادئ الذي نظر في عينيّ أخيرًا وقال: “قرأت الصفحة كلها.”
تلك اللحظات كانت قوارب النجاة التي أبقتني عائمة.
لكن في عامي الأخير، انكسر شيء داخلي.
تصاعدت حوادث العنف.
تلاشت أنظمة الدعم.
الاحتراق النفسي في غرفة المعلمين صار ضبابًا ملموسًا من اليأس.
بدأت أشعر بأنني صرت غير مرئية.
واليوم، جمعت أغراضي.
نزعت اللوحات القديمة من الجدران.
عثرت على صندوق من رسائل الشكر من فصل عام 1998.
واحدة منها قالت:
“شكرًا لأنكِ أحببتِني حين كنتُ صعبًا أن أُحب.”
بكيت وأنا أقرأها.
لم يكن هناك احتفال.
المدير الجديد، بعينٍ على هاتفه، صافحني بإيجاز وقال: “شكرًا لكِ يا سيدتي.”
تركت خلفي صندوق الملصقات وكرسي الهزّ الخشبي.
وأخذت معي ذكرى كل طفلٍ نظر إليّ يومًا بثقة.
لا يمكنهم رقمنتها.
أشتاق إلى زمنٍ كان فيه المعلم شريكًا، لا كيس ملاكمة.
حين كان التعليم يعني النموّ، لا الدرجات فقط.
لذا، إن رأيتَ معلمًا — قديمًا أو حاليًا —
اشكره.
ليس بكوب قهوة أو هدية، بل بكلمةٍ صادقة، وباحترامك.
لأنهم، في نظامٍ كثيرًا ما ينساهم،
هم الذين لا ينسون أطفالنا. ❤️