"ابكي من العزلة، ومن الحياة. من الكتف الذي لن أستطيع امتلاكه أبدًا، من الأشياء التي حلمت بها، وتلك التي فكرت فيها، وما تم نسيانه بداخلي". — فرناندو بيسوا
"كانَ لها وجهان. مرّة مرحة ومُشاكِسة وسريعة البداهة وتعشقُ الحياة، وأحيانًا حزينة وصامِتة وملولة وتكرهُ الحياة.
مرةً في الظّل ومرة في الشّمس، مرة في الخارج ومرة في الداخل، ولا نهاية لِذلك."
- فروغ فرخزاد.
أحيانًا يكون الصمت حاجِزاً مَنيعاً؛
بين إرهاق الألم والرغبةِ في البَوح.
فَتشعُر بالعجز عن توضيح ما يَجتاحك،
لا لأنك تَفتَقِر إلى الوصف والتعبير،
بل لأنك تَفيضُ به بِما يَفوق حُدود اللغة،
والفيض حين يَشتَدّ، يَحتَرِف الصمت.
كلُّ ما يفرُّ من إدراكِ العيون، تلتقطهُ يقظةُ الأدب؛ فالأدبُ هو العمودُ الفقريّ لذاكرتنا، الذاكرة التي تُعيد ترتيبَ الفوضى فينا، وتشعلُ جذوةَ الالتفاتِ إلى التفاصيلِ التي تمرُّ عادةً كنسمةٍ خجلى على أطرافِ الوعي.
منه نستمدُّ قدرةً خارقةً على الإحساس، فنخلقُ من الصمتِ لغة، ومن الجماداتِ أرواحًا تسكننا قبل أنْ نسكنها.
نجلسُ أمام مقعدٍ فارغٍ فنسمعُ أنينهُ من طول الانتظار، ونسيرُ في طريقٍ مهجورٍ فنشعرُ أنَّه يحفظُ آثارَ الخطى كما يحفظُ القلبُ سرَّ حنينهِ الأول. الك��ابُ بين أيدينا ليس أوراقًا فحسب، بل كائنٌ يتنفسُ بالحبر، والجداولُ الصغيرةُ تهمسُ بأسرارٍ لا تُقال إلا لمن يصغي بقلبِ شاعر، والأشجار ال��ي تُحيطها الريحُ تُلقي ظلالها كأنها قصائدٌ تحتمي من الضوء.
إنَّ الأدبَ يجعلنا نرى ما وراءَ الرؤية؛ نلمسُ الضوضاءَ كأنها كائنٌ يصرخُ من فرطِ الحياة، ونسمعُ الصمتَ كأنه نايٌ خافتٌ يعزف لحن الوجود، به نُدرك أنَّ الفرحَ والوجعَ وجهان لقصيدةٍ واحدة، وأنَّ الأشياءَ التي لا تُلمس، هي التي تتركُ فينا أعمقَ الأثر.
فمن لا يُجيد الإصغاءَ إلى المجاز، يعيشُ في العالمِ بعينين مفتوحتين وقلبٍ منطفئ!
أحب بيت: «وتراهُ يُصغي للحديثِ بطرفِه، وبقَلبِه ولعلّه أدرى به» وهذا من الآداب التي لن أفتأ عن التذكير بها، عدم مقاطعة المتحدث والاستماع لحديثه بقلب منصت وآذان صاغية حتى وإن كنت على علم به، فحسن الاستماع من تمام الأدب
"لا أحد يُحبّ أن يشعر بأنه ثقيل ويُعامل بطريقة أقرب للتجاهل، أيًا كانت مكانته ونوع العلاقة التي تربطه بك، إما أن تأتي بشكلٍ واضح أو إذهب بالوضوح ذاته، المنتصف دائمًا مؤذٍ جدًا."