حتى لا تخونك نفسك، ولا تتسلى عليك "ماذا لو"، فإن ما يحدث الآن في غزة، وتلك الفاجعة الكبرى، والسكاكين التي لم تتوقف عن الذبح من 95 يومًا، كانت ستحدث لا محالة، وكانت التقديرات، بشكل واضح وعلنيّ، تشير إلى حربٍ رادعة جديدة على غزة قبل انتهاء 2023، للتأكيد على قوة "الردع" الإسرائيلية في تفتيت أي جهود للمقاومة، واستنزاف الجبهة.
لكن ما فعلته المقاومة أنها استبقت ذلك كله بضربة شوشت كل الحسابات وبعثرت كل الخطط، ما معنى أن يُقتل أكثر من ألف إسرائيلي في صباح واحد؟ وما معنى أن يؤسَر المئات دفعةً واحدة؟ أَسر جندي واحد كل عدة سنوات يعني الكثير، فما بالك لو أسرت خمسة؟ عشرة؟ عشرين؟ مائة؟ مائتين؟
ذلك الحلم الإسرائيلي بفرض الأمر الواقع أكثر، مع موجات التطبيع العربية النجسة اللاهثة على أقدام تل أبيب، وذلك الانتفاخ بوهم السيطرة، تبدد كله لأفظع كابوس في تاريخ الدولة اللقيطة، الذي بالفعل وضع "زوالها" كسيناريو قابل للتنفيذ، وقد كان قريبًا ذات صباح، بشكل لم يصدقه حتى القائمون عليه.
فكانت غزة ستفقد عشرين ألفًا من أطفالها ونسائها وأكرم كرامها، وكانت ستنزف من خمسين ألفًا من جرحاها، وكانت ستبكي ذلك البكاء المرير نفسه وأكثر، لأنه الابتلاء العظيم، والقضاء الجلل، وإرادة الله لاصطفاء عباده للجنة، وطريق القدس الذي يعبر من غزة -فديتُ بروحي نعالهم-، ولكن، هذه المرة، كان الفارق أننا لم نكن رد الفعل، أننا من غيّر المعادلة، أننا سرقنا منهم لحظات الانتشاء في تنفيذ الخطط المحكمة، ووجدوا أنفسهم فجأةً أمام أكبر خازوق في تاريخ إسرائيل.
فلا تخدعنّك نفسك ولا شياطين الإنس والجنّ بلوم المقاومة على المقاومة؛ لأن إسرائيل لم تكن ستوزع الوردَ على مفارق غزة في العدوان البديل.