كان الشيخ القاضي اليمني محمد بن إسماعيل العمراني قد سَمِع عن عِلْم الشيخ ابن باز (رحمهما الله جميعًا) وعن تواضعه، فلمّا الْتقاه قال: عندما رأيتُ الشيخ ابنَ باز تَذكّرتُ قول القائل:
كانت مُساءلَةُ الرُّكبانِ تُخبِرُنَا
عن جعفر بن فلاحٍ أطيَبَ الخَبَرِ
ثمّ الْتقينا فلا واللّهِ ما سَمِعتْ
أُذني بأحسنَ ممّا قد رَأى بَصَري.
ثم يضيف: لقد وجدتُ عالِمًا، مُتبحّرًا، متواضعًا، كريمًا .. وجميع الأوصاف الحسنة وجدتُها فيه، فأُعجِبْتُ به رحمه الله .. اهـ.
متى يبدأ الإنسان في خسارة عمره؟
ليس حين يتقدم به العمر...
بل حين يتوقف عن بناء نفسه.
فقد يبلغ الإنسان العشرين وهو يتعلم، ويقرأ، ويزكي نفسه، ويضيف كل يوم إلى عقله وقلبه شيئًا جديدًا، فيكون في صعود مستمر.
وقد يبلغ الأربعين أو الخمسين، لكنه يكرر اليوم نفسه، والأفكار نفسها، والعادات نفسها، حتى تصبح السنوات أرقامًا تزداد، بينما لا يزداد هو معها.
ولهذا فإن العمر الحقيقي لا يُقاس بعدد ما عشنا من السنوات، وإنما بعدد ما نمونا فيها.
إن الله تعالى لم يخلق الإنسان ليستهلك الأيام، بل ليعمرها بالطاعة، والعلم، والإحسان، والعمل الصالح.
وما أجمل أن ينظر الإنسان إلى نفسه بعد عام، فيجد أنه أصبح أرجح عقلًا، وألين قلبًا، وأحسن خلقًا، وأقرب إلى ربه.
فذلك هو النمو الذي يستحق أن يُحتفل به...
أما مرور السنوات وحده، فليس إنجازًا.
د. عبد الكريم بكار
إذا نظرنا في تاريخ العظماء، وجميع الذين حققوا إنجازات باهرة، فإننا نجد أن أعظم شيء كانوا يملكونه هو وعيهم بالزمن، وحسن استفادتهم منه. يصعب عليّ تعريف الوقت لأنه نفسه هو مادة الوجود، فيه نحيا، وفيه نبني، وهو الوعاء الذي تُسكب فيه إمكاناتنا، وتتحقق طموحاتنا، أو تضيع سدى. إن كل دقيقة مهدورة هي في الحقيقة فرصة ضائعة.
أهمية الوقت لا تنبع من ندرته فحسب، وإنما من كونه غير قابل للتكديس، والاسترجاع أيضاً، وما فات منه لا يشترى، وما هو قادم منه غير مضمون. إن الوقت هو البعد الأخلاقي للوجود لأن من يحترم وقته يحترم حياته، ويحترم الآخرين، والوقت معيار للجدية، والإرادة، والوعي بأهمية الفرص، وبه يُعرف فعلاً ذوو القدر الرفيع من غيرهم.
العلاقة مع الوقت:
تقوم العلاقة مع الوقت على ثلاثة أركان:
1- النية بأن يكون وقتنا في خدمة أهدافنا، وقيمنا.
2- أن نميز بين ما هو ضروري وما هو ثانوي، وما يضيف إلينا، وما يستهلكنا دون مقابل.
3- محاسبة أنفسنا على كيفية قضاء يومنا، وكيف تفلّته من أيدينا، وكيف نحسن الاستفادة منه في المستقبل,
كيف نستثمر الوقت؟
1- تحديد الأولويات: ما الأهم؟ ما العاجل؟، ما يمكن تأجيله؟ إن الوقت لا يكفي للقيام بكل شيء، لكنه يكفي لما هو مهم .
2- التركيز أثناء عملنا لأن التشتت يسرق الوقت أكثر مما يفعله الكسل.
3- اكتساب عادات ذكية تجعل الإنجاز عالياً دون التخطيط لكل يوم.
4- التخطيط لوقت الراحة، والترفيه لأن من يعرف كيف يستريح يعرف كيف ينجز.
إن الاستفادة المثلى من الوقت تحتاج إلى نوع من الاستنفار الشعوري تجاه كل ساعة من ساعات اليوم، وكأننا في معركة، أو في انتظار خطر داهم.
من كتابي: حكمة الأمم
د. عبد الكريم بكار
هذه الورقة آخر ورقة في تقويم عام ١٤٤٧هـ..
مضت أيامه ولياليه سراعًا، وهكذا تمضي الأعمار، حتى تُطوى صحيفة العمل، وتأتي لحظة التوقف للقاء الله، والانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء.
﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾
4 مراحل للغفلة
حفظ هذا المنشور ومشاركته هو تذكير دائم بيقظة القلب قبل أن تدجنه الألفة.
كان شاباً يقظاً، يستنكر الخطأ ويؤنبه ضميره إن قصر. وظن أن الضياع لا يتسلل إليه، حتى عاش مراحل الغفلة الأربعة:
المرحلة الأولى: الألفة والاعتياد
يتساهل الشاب في تقصير أو ذنب صغير؛ مثل التساهل في مشاهدة المقاطع والمناظر المحرمة عبر الإنترنت، أو تأخير الصلاة المفروضة عن وقتها بانتظام. ومع تكرار الفعل، يموت ألم الضمير ويتحول الأمر الصادم إلى عادة مألوفة لا تستدعي الاستغفار.
المرحلة الثانية: تسويغ المعاذير
يبدأ عقله ببناء غطاء فكري لتبرير واقعه الجديد؛ فيعتبر النظر للحرام "مجرد فضول أو ترويح عن النفس"، ويسمي تهاونه في العبادات "انشغالاً بطلب الرزق وبناء المستقبل"، ويبرر التقصير بأن "الأمر بسيط والجميع يفعل ذلك".
المرحلة الثالثة: الاستغراق في المشتتات
يغرق تماماً في ضجيج المشتتات الرقمية والمنافسات المادية؛ كالركض خلف الشهرة الزائفة، والانغماس في تصفح الشاشات ليل نهار لقتل الفراغ، والانشغال بملاحقة المظاهر الاستهلاكية، فيفقد الوقت تماماً لمراجعة نفسه، ويغيب عنه روتين التوبة الفورية.
المرحلة الأخيرة: بلادة الحساسية
يصل إلى قمة الغفلة، فيفقد القلب حاسته النقدية وحساسيته تجاه الحق والباطل؛ فلا يرى ضيراً في المجاهرة بالمعصية، أو أكل الحقوق بالباطل، أو الخوض في أعراض الناس، وبات يرى أهل الوعي والناصحين متشددين ومنفصلين عن العصر!
طوق النجاة:
استيقظ الشاب بلحظة شجاعة اعتمدت على: التوقف الصامت ومساءلة النفس، ومصاحبة أهل الوعي كمنبه تلقائي، والمبادرة بكسر تتابع الخطأ بالاستغفار والعمل الصالح فوراً.
خلاصة:
"الانهيارات الكبرى تبدأ بتنازلات صغيرة؛ واليقظة شجاعة التوقف."
د. عبد الكريم بكار
الأمة في حاجة إلى العقل الحافظ للمعرفة والعقل المنتج لها، والعلاقة بينهما علاقة تكامل وقد لخّصها الإمام الأعمش في قوله: (يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة).
مع توفر المعرفة وسهولة الحصول عليها صارت الحاجة إلى العقل الذي يشخّص المشكلات ويبتكر الحلول، وينشر الوعي بين الناس أكبر، وصار دوره أعظم، بل إن الفرق بين من يحفظ المعرفة ومن ينتجها مثل الفرق بين العبّاد والعلماء.
نفع العباد مقصور على أنفسهم، ونفع العلماء متعد، فقد ينقذ الله تعالى بعالم واحد جيلاً أو أجيالاً من الضلالة والبطالة وارتباك المعيشة.
د. عبد الكريم بكار
قبل أن تبدأ مشروعك... ابدأ من هنا
يتعامل كثير من الشباب مع المشاريع وكأنها فكرة لامعة تحتاج إلى رأس مال، بينما الحقيقة أن معظم المشاريع لا تفشل بسبب نقص المال، بل بسبب نقص الفهم.
فالسؤال الأول ليس: "كم أملك من المال؟"
بل: "ما المشكلة التي أستطيع حلها؟"
فالمشاريع الناجحة لا تبدأ من المنتج، وإنما تبدأ من حاجة حقيقية لدى الناس. وكلما كان فهم المشكلة أعمق، كانت فرص النجاح أكبر.
بعد ذلك تأتي مرحلة يتجاوزها كثير من الشباب بسرعة: التعلم.
فمن غير الحكمة أن يستثمر الإنسان أمواله في مجال لا يفهمه. القراءة، والبحث، ومراقبة السوق، والحديث مع أصحاب الخبرة، كلها استثمارات تسبق الاستثمار المالي نفسه.
كما أن البداية الصغيرة ليست عيبًا، بل ميزة. فالمشروع الصغير يمنح صاحبه فرصة للتعلم بأخطاء أقل وتكاليف أقل. أما الرغبة في القفز إلى مشروع ضخم منذ البداية فتجعل المخاطرة أكبر من القدرة على إدارتها.
ومن المهم أيضًا التفريق بين الحماس والرؤية. فالحماس يساعد على البدء، لكنه لا يكفي للاستمرار. أما الرؤية الواضحة فتساعد على اتخاذ القرارات الصحيحة عندما تختفي مشاعر الحماس الأولى.
كذلك فإن المشروع الناجح لا يُبنى على الأمنيات، بل على الأرقام. كم تبلغ التكلفة؟ من هو العميل؟ كيف سيتم التسويق؟ ما حجم الطلب المتوقع؟ فكلما كانت الإجابات أوضح، كانت الخطوات أكثر واقعية.
ولا ينبغي الخوف من الفشل في المراحل الأولى. فالفشل ليس نقيض النجاح، بل أحد معلميه. وكثير من أصحاب المشاريع الناجحة لم يصلوا لأنهم تجنبوا الأخطاء، بل لأنهم تعلموا منها أسرع من غيرهم.
وفي النهاية، فإن أفضل وقت لبدء مشروع ليس عندما تصبح الظروف مثالية، لأن الظروف المثالية نادرة، بل عندما يمتلك الإنسان قدرًا كافيًا من الفهم، ويبدأ بخطوة مدروسة، ثم يتعلم ويتطور أثناء الطريق.
فالمشاريع الكبرى لم تبدأ كبيرة...
بل بدأت بفكرة واضحة، وخطوة صغيرة، وشخصٍ آمن بالتراكم أكثر من اعتماده على القفزات المفاجئة.
د. عبد الكريم بكار
أكبر تحدٍّ يواجه إنسان العصر ليس قلة المعرفة، بل "سيولة التدفق الرقمي" التي تبتلع الأوقات وتبث التشتت. الوعي الراشد يدعونا اليوم للانتقال من ثقافة "الاستهلاك المعرفي المندفع" إلى "الإنصات الواعي والتأمل الحصيف"؛ فالحكمة لا تنبت في الضجيج، بل تولد في واحات السكينة وعافية الصدور.
د. عبد الكريم بكار
أكبر مشكلة تواجهنا جميعاً في بعض أدوات الذكاء الاصطناعي مثل Claude و ChatGPT و Gemini أحياناً، هي عدم ظهور اللغة العربية بشكل جيد!
بحيث تجي اللغة العربية متداخلة مع الإنجليزي من اليسار لليمين.
لذلك قمت بإطلاق "تيامن"
وهي إضافة لمتصفح الكروم تحل هذه المشكلة جذرياً، إذا فعلتها راح ترتب لك النصوص بشكل داعم للعربية من اليمين لليسار "RTL" بشكل كامل.
رابط الإضافة:
https://t.co/33qRubGdsx
علماً أن هناك كثير من الإضافات للأسف مخصصة للغة "العبرية"، يستخدمها العرب لأن العبرية من اليمين لليسار كذلك، ولكنها تسحب بيانات خصوصية للمستخدم للأسف.
لكن "تيامن" لا تقرأ أي بيانات خارج جهازك، فقط تغير التنسيق بدون أي صلاحيات نهائياً.
شرح بسيط لها:
كيف يستقر القرآن في قلوب أبنائنا؟ 9 خطوات عملية لهندسة الدافعية داخل البيوت
يطمح كل بيت مسلم أن يرى أبناءه يحملون كتاب الله في صدورهم، ويعتبر الآباء والأمهات هذا الإنجاز ذروة التوفيق التربوي في حياتهم. إلا أن المعضلة الكبرى التي تواجه الأسر المعاصرة هي اصطدام هذا الطموح بجدار "المشتتات الرقمية الجارفة"، وانشغال الأبناء بالشاشات، مما يولد حالة من الفتور السريع والنفور عند محاولة إلزامهم بالحفظ.
إن تحفيظ الأبناء القرآن في العصر الحالي لم يعد مسألة رغبة وأوامر جافة، بل هو "هندسة بناء عملي" يتطلب الانتقال من دور "الموجّه الناصح" إلى "المخطط الذكي" الذي يصنع بيئة جاذبة، ويبني الدافعية الداخلية لدى الطفل عبر خطوات تنفيذية محددة:
أولاً: مرحلة بناء الدافعية والتهيئة الفطرية
1. ثقافة البيئة المشتركة (القدوة الصامتة):
يتشرب الأبناء العادات بالمجاورة لا بالتلقين؛ فحين يرى الطفل مصحف والده مفتوحاً في بكور النهار، ويرى أمه تلتزم بوردها اليومي بانتظام، يتولد لديه شعور تلقائي بأن القراءة والحفظ هما جزء طبيعي وثابت من نظام الحياة اليومي، وليس عبئاً يُفرض عليه وحده.
2. ربط القرآن بالقيمة الشخصية لا بالضغط الخارجي:
يؤدي ربط الحفظ بالعقاب أو الحرمان إلى نتائج عكسية؛ لذا تبرز أهمية جعل مكافآت الإنجاز نوعية وتتناسب مع اهتمامات الطفل. وغرس مفهوم أن حفظ القرآن يبني الشخصية، ويمنح العقل ذكاءً، واللغة فصاحة، والمكانة رفعة عند الله وفي المجتمع.
3. استثمار "الذاكرة السمعية" المبكرة (من سن سنتين إلى 5 سنوات):
قبل البدء في التحفيظ الفعلي، يساعد تشغيل سورة معينة (مثل سورة البقرة أو أجزاء من قصار السور) بصوت قارئ متقن ومحبب في البيت أو السيارة—بصوت منخفض وهادئ—على بناء تآلف في عقل الطفل الباطن مع الألفاظ والنغمات، وحين يبدأ الحفظ الفعلي لاحقاً، يجد سهولة وسرعة نظراً لامتلاكه مخزوناً سمعياً مسبقاً.
ثانياً: خطة العمل والخطوات التنفيذية للحفظ
4. تحديد "بستان البكور" كزمن مقدس:
أفضل وقت للحفظ الرقمي والذهني هو أول نهار الطفل حيث يكون الذهن صافياً تماماً من ملوثات الشاشات والمشتتات اليومية. والالتزام بـ 15 إلى 20 دقيقة فقط يومياً في هذا الوقت بانتظام، أشد فاعلية من ساعتين متقطعتين في نهاية اليوم والطفل مجهد عصبياً.
5. قاعدة "التكرار المقنن والتجزئة":
تفادي دفع الطفل لحفظ مقاطع طويلة يحميه من الاصطدام بالفشل، والبدء بآية واحدة أو سطرين يومياً هو الأصل. ويمكن اعتماد طريقة (التكرار المشترك): حيث يقرأ الموجه أولاً بقرع مخارج الحروف بدقة، ثم يكرر الطفل خلفه 5 مرات، ثم يقرأها بمفرده 5 مرات من المصحف نظرًا، قبل إغلاقه والقراءة غيباً.
6. ثنائية التحفيظ والمراجعة (حماية المكتسبات):
يُعد الركض خلف الحفظ الجديد وإهمال القديم من الأخطاء التربوية الشائعة، مما يسبب الإحباط لاحقاً عندما يكتشف الطفل نسيان ما حفظه. والخطة المتزنة تقوم على تخصيص 70% من وقت الجلسة للمراجعة والربط، و30% فقط للحفظ الجديد.
ثالثاً: وسائل الاستدامة وحماية التراكم الذهني
7. بيئة الأقران والحلقات المنظمة:
الطفل كائن اجتماعي ينمو بالمحاكاة والمنافسة، وحصر التحفيظ داخل أسوار البيت قد يولد الفتور سريعاً. لذا فإن إلحاق الابن بحلقة تحفيظ متميزة، أو الاستعانة بمحفظ خاص متقن يملك مهارات تربوية حانية، يمنحه دافعاً قوياً لرؤية أقرانه يتقدمون.
8. الانتقال من عالم "الاستهلاك" إلى "الفعل والمسؤولية":
يساعد جعل القرآن ذو أثر ملموس في حياة الطفل على استدامته؛ كأن يُكلف بـإمامة إخوته الصغار في الصلوات الجهرية بالسور التي حفظها حديثاً، أو يُطلب منه تسميع ورده لجدّه أو جدّته لتلقي التشجيع والدعم العاطفي، مما يمنحه شعوراً حقيقياً بالمسؤولية والإنجاز.
9. حظر الشاشات قبل الجلسة وبعدها مباشرة:
يحتاج الدماغ إلى وقت لمعالجة النصوص ونقلها من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى. وتعرُّض الطفل للألعاب الإلكترونية أو المقاطع السريعة مباشرة بعد الحفظ يقوم بـ "مسح" وتشتيت التراكم الذهني الهادئ الذي تم بناؤه في الجلسة.
خلاصة القول:
إن الهدف التربوي ليس الوصول السريع إلى الختام بركض مجهد ينتهي بالنفور؛ بل هو بناء عادة الاستمرار الهادئ والمنظم. فالبداية الصغيرة المتصلة التي تدفع الابن خطوة واحدة للأمام كل يوم، أشد بركة ونفعاً من طفرات حماسية مؤقتة تنتهي بالانقطاع؛ فبالثبات الهادئ والتراكم المستمر تُفتح الأبواب الكبرى، وبها ينشأ الأبناء على حب كتاب الله بوعي واتزان.
د. عبد الكريم بكار
﴿يا لَيتَني قَدَّمتُ لِحَياتي﴾
مع زحمة الحياة، وتراكم الأعمال
لا تغفل عن حياتك الأبدية، وتذكر دائما:
﴿يا ليتَني قَدَّمتُ لِحَياتي﴾.
قدِّم لحياتك:
التزام الفرائض
وكثرة التلاوة
وكثرة الذكر
وكثرة الاستغفار
وكثرة الدعاء
والتزود من سائر القربات.
-سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
-أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.
-يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
-اللهم استعملني في طاعتك.
هل نعيش حقيقتنا فعلًا… أو نعيش النسخة التي اعتدناها من أنفسنا؟
من أعقد ما في النفس البشرية،
أن المرء قد يقضي سنوات طويلة يكرر نفس الأفكار، ونفس ردود الأفعال، ونفس الطريقة في رؤية الحياة… ثم يظن أن ذلك هو “طبيعته” التي لا يمكن تغييرها.
مع أن جزءًا كبيرًا من الشخصية قد لا يكون اختيارًا واعيًا أصلًا،
بل نتيجة تربية، وتجارب، ومخاوف قديمة، وكلمات تكررت حتى ترسخت في الداخل.
بعض الناس يقتنع مع الوقت أنه:
عصبي بطبعه،
أو ضعيف،
أو غير قادر على النجاح،
أو أن سقف إمكانياته محدود كما هو.
بينما قد تكون المشكلة الحقيقية أن هذه الصورة تكررت طويلًا حتى أصبحت مألوفة فقط.
وهنا يظهر سؤال عميق فعلًا:
كم فكرة نؤمن بها عن أنفسنا لأنها صحيحة… وكم منها فقط لأننا اعتدنا سماعها وتكرارها؟
وكم طريقًا نستمر فيه خوفًا من التغيير، لا اقتناعًا بما نعيشه؟
لهذا، قد يكون أخطر أنواع القيود ليس ما يحيط بالإنسان من الخارج…
بل الصورة القديمة التي يحملها في داخله عن نفسه.
فالتحول الحقيقي لا يبدأ دائمًا من تغيير الظروف،
بل من إعادة النظر في كثير من المسلّمات التي بُنيت عليها نظرتنا لأنفسنا وللحياة.
د. عبد الكريم بكار
يقول الله تعالى في سورة الكهف:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ۖ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾
من أخطر ما يصيب الإنسان أن يتحول الاعتياد على النعمة إلى شعور خفيّ بالخلود والأمان المطلق.
يمرّ الوقت، وتستقر الأحوال، وتكبر العائلة، ويعتاد الإنسان النجاح… فيبدأ العقل بإرسال رسائل خادعة:
هذا الواقع ثابت…
هذه المكانة لن تتغير…
هذه القوة ستبقى…
وهذا البناء لا يمكن أن يسقط.
وهنا تبدأ المشكلة.
فالقرآن لا يحكي فقط عن رجل يملك جنةً من نخيل وأعناب، بل يحكي عن حالة نفسية تتكرر في كل زمان:
حين ينسى الإنسان هشاشته، ويبالغ في الثقة بما يملك، ويظن أن الأسباب التي بين يديه كافية لحمايته من تقلّبات الحياة.
﴿ما أظن أن تبيد هذه أبداً﴾
ليست مجرد جملة قالها رجل متكبر… بل هي شعور يتسلل أحيانًا إلى القلوب دون أن نشعر في كل شيء، بل حتى في الشباب والعمر.
ثم ينتقل الانحراف إلى مرحلة أخطر:
﴿وما أظن الساعة قائمة﴾
ولهذا كان المؤمن الحقيقي أكثر الناس شكرًا عند النعمة، وأكثرهم خوفًا من الغفلة، لأنه يعلم أن كل ما في الدنيا مؤقت، وأن النجاة ليست في كثرة ما نملك… بل في أن لا تملكنا الدنيا من الداخل.
د. عبد الكريم بكار
لماذا يفشل كثير من الأذكياء؟
من أكثر الأمور التي تُحيّر الناس…
أن بعض الأذكياء لا يحققون النجاح الذي كان الجميع يتوقعه لهم.
يمتلكون سرعة فهم،
وقدرة على التحليل،
ومهارات عقلية واضحة…
لكنهم أحيانًا يتعثرون أكثر من أشخاص أقل منهم ذكاء.
والسبب أن النجاح في الحياة لا يعتمد على الذكاء وحده.
فبعض الأذكياء يعانون من التشتت،
أو التسويف،
أو ضعف الانضباط،
أو الملل السريع،
أو الرغبة الدائمة في النتائج الكبيرة دون صبر طويل.
بينما ينجح آخرون لأنهم يملكون صفات مختلفة:
الاستمرار،
والتحمل،
والقدرة على العمل حتى في الأيام التي لا يشعرون فيها بالحماس.
ولهذا، فإن الحياة لا تكافئ دائمًا “الأذكى”…
بل كثيرًا ما تكافئ الأكثر ثباتًا وانضباطًا وقدرة على الاستمرار.
كما أن بعض الأذكياء يقعون في فخ خطير:
كثرة التفكير وقلة التنفيذ.
يفكر في المشروع طويلًا،
ويحلل الاحتمالات،
ويبحث عن أفضل توقيت،
حتى تمر السنوات دون خطوة حقيقية.
بينما يبدأ شخص أقل ذكاءً،
ويتعلم أثناء الطريق،
ويخطئ،
ثم يتحسن تدريجيًا حتى يصل.
فالذكاء قد يمنح صاحبه بداية قوية،
لكنه لا يغني عن الصبر، والانضباط، وتحمل الطريق الطويل.
د. عبد الكريم بكار