الشهيد البطل: أحمد خالد بكور
مواليد 24/9/1985
من ريف حماة – قرية معردس
وُلد أحمد في بيت طيب الأصل كريم الخصال، ونشأ على البرّ بوالديه، إذ كان المعيل والركن الكبير ل��ائلته، بعد أن ابتُلي والده رحمه الله بمرض التصلب اللويحي، فحمل أحمد على عا��قه مسؤولية البيت، وهو ما جعله معفى من الخدمة العسكرية.
كان طالبًا في كلية التجارة والاقتصاد السنة الثالثة بجامعة حلب، وإلى جانب دراسته كان يعمل مع وكيل لشركة MTN في حلب، يسعى بجدٍّ وكفاح ليؤمّن معيشة أهله ويخفّف عنهم أعباء الحياة.
مع بدايات الثورة المباركة، لم يتردّد أحمد منذ اليوم الأول في أن يكون من أهلها وحملة رايتها، رغم أن أسرته لم تكن على دراية كاملة بتفاصيل نشاطه. بدأ عمله من خلال صفحة تنسيقية باسم قريته على شبكة الإنترنت، ثم مضى إلى الميدان، مشاركًا في المظاهرات في حلب، وكثيرًا ما كان يقطع المسافات ليحضر مظاهرات حماة. وحين تحوّل الحراك إلى السلاح، ك��ن من أوائل من لبّوا النداء، فظهر لأول مرة حاملاً بندقيته، ليعلن اختياره طريق الجهاد حتى النهاية.
في شهر آب من عام 2013 بلغه أنه مطلوب بالاسم للنظام، عن طريق أحد الشبيحة المعروفين بسوء السيرة، فآثر ترك بيته رغم توسلات عائلته، ولم يرضَ بالعودة لأنه رأى أن بقاءه سيعرّضهم للخطر. كان يقول دائمًا: “كرمال الأسيرات في السجون”، وكان يبغض النظام بغضًا شديدًا ويفضّل الموت على أن يكون جنديًا في صفوفه.
غاب أحمد عن أهله مدة طويلة، لا خبر ولا اتصال، حتى عاد يومًا في الخفاء عبر طريق محرر إلى صوران، فدخل عليهم وهيكله العظمي ظاهر من شدة التعب، وقد اسودّ جلده من حرّ الشمس، وامتلأت يداه وقدماه بالجروح. علموا أنه كان يتلقى تدريبات عسكرية لينضم إلى صفوف المجاهدين، وبعد تزكيةٍ من رفقائه، أصبح واحدً�� من رجال الجبهة.
كان أحمد مثالًا في الخُلق واللين والحنان، يترك أثرًا طيبًا في كل قلب يلقاه، محبوبًا من كل من عرفه. شارك في معارك عدة، وأُصيب مرات، لكن الله نجّاه ليستمر في طريقه. رابط على ثغور حلب، وقاتل ضد تنظيم داعش، وكان له دور بارز في ملحمة فك الحصار عن حلب، حيث قاد مجموعة من المجاهدين، وكان منغمسًا مع رفيقه الشهيد أبو بكر – رحمه الله – في قلب مواقع النظام، وقد قصّ على أهله كيف كانت لحظات الانغماس تلك بين جنود العدو، وكيف عاشوا مشاعر الفناء واليقين بالنصر.
عانى أحمد الكثير في سبيل قضية أهله، خصوصًا بعد اعتقال أسرته في شباط 2017، إثر أحداث ما عُرف بتفجيرات حمص، حيث اقتيدوا إلى دمشق. حاول بكل ما يستطيع من مفاوضات ومساعٍ أن يخرجهم، حتى عرض المال أو تبادل الجثث، لكنه كان يصطدم بخيانة الأقارب الشبيحة وحقدهم، حتى صار هدفًا لكثير منهم. ومع شدّة معاناته وتعبه الجسدي – إذ أُصيب بالشقيقة ونُقل مرات إلى المستشفى – لم يكن يُظهر ذلك لأهله، بل كان يواسيهم ويقول: “المؤمن مبتلى، وقد ابتُلي الأنبياء من قبل بالسجن، و��و تكفير للذنوب”.
في الثاني والعشرين من شباط عام 2018، مساء الخميس، بينما كانت شقيقته تستمع إلى تسجيل صوتي لوالدته من سجن عدرا، إذ برسالة تصلها من هاتف أحد رفاق أحمد: “السلام عليكم، سامحونا، فتحنا موبايل أخونا أبو مسلم… أخونا قُتل، الله يتقبله”.
كان ذلك الخبر كالصاعقة؛ انطفأت أنوار الدنيا في لحظة، وفُقد السند الذي كان يطمئن القلوب، ويجاهد من أجل حرية أهله، ويرجو الشهادة في سبيل الله.
أحمد لم يكن مجرد أخٍ أو ابنٍ أو صديق؛ كان روحًا مميزة، طيبةً، كأنها ليست من هذه الدنيا. كان يردّد دائمًا: “دير بالك، بكرة بشفعلكم”، ويُشغّل أنشودته المحببة “سلكت طريقي”. تع��ّقت به والدته تعلقًا عظيمًا، إذ عاش وحيدًا اثني عشر عامًا قبل أن يُرزقوا بإخوته الذكور الآخرين، فكان قطعة من قلبها، تحنو عليه وتحذّره من التعب، لكنها لم تفرح به كما تمنت.
قبل استشهاده بثلاثة أشهر خطب فتاة صالحة، رغم أنه لم يكن يميل لذلك، لكن إصرار أخواته جعله يُقدم، وقد تعلّقت به خطيبته تعلقًا شديدًا لما رأت من خلقه وسمو تعامله. وفي رمضان الأخير له، كان يتصدق على العائلات، يتفقد بيوتهم ويعينهم بما يستطيع.
نال أحمد ما كان يتمناه، فالشهادة كانت غايته ودعاءه، ورجاؤه أن يلقى ربه مقبلاً غير مدبر. ورحل تاركًا جرحًا غائرًا لا يندمل، لكنه خلّد سيرة عطرة تبقى ما بقي الدهر.
رحمك الله يا أحمد، وجمعنا بك في مستقر رحمته، وجعل دمك نورًا يضيء دروب الحرية والكرامة
#جيوبوست | من ارتكب مجزرة مستشفى السويداء؟ الدروز أم قوات الأمن السورية؟ وهل القتلى كانوا من مدنيين دروز فقط؟
🔻أسئلة تُجيب عنها إيكاد عبر تحليل زمني ومكاني تتبعت فيه لحظة بلحظة تطورات الأوضاع المرتبطة بما حدث في المستشفى الوطني بالسويداء.
▶️ولنبدأ القصة…
في ليلةٍ من الليالي، كنت أستعدّ للسفر مع طفلتي “شمس”، التي لم تكمل عامها الثاني، للّحاق بزوجي في تركيا بعد غيابٍ طويل. جهزتُ أمتعتي، وقلت لأختي: “هيا نعدّ متّة ونقضي آخر سهرةٍ معًا.”
كانت الفرحة تغمر البيت رغم التعب. أختي نجحت في امتحانٍ جامعي، أمي في عدّتها بعد وفاة والدي، إخوتي الصغار موزّعون بين لعب ودراسة، ولا أحد كان يعلم أن الوداع لن يكون عاديًا… بل سيكون فصلًا عن عالمٍ كامل.
بينما كنا نسهر، سُمع صوت خطوات على درج البناء. فتحت الباب لأتفاجأ برجلٍ بلباسٍ مدني، أمسك بيدي وقال: “لا تخافي، نحن إحصاء، نعدّ السكان.”
صحت به وقد تملكني الرعب: “دعني أرتدي حجابي! دع أخواتي يختبئن! وأمي في العدّة، لا يجوز أن تروها!”
لكنّهم لم يكترثوا. خلال لحظات، امتلأ البيت برجالٍ مسلحين بلباسٍ مدني. صادروا هواتفنا وهوياتنا، وجمعونا في غرفة واحدة.
ثم بدأ الرعب الحقيقي.
نادوا بأسمائنا:
“آيات… آلاء… مريم… تعالوا معنا.”
حملت شمس الصغيرة، كانت تضحك، تظن أننا ذاهبون في نزهة.
لكن النزهة كانت إلى الهاوية.
في السرفيس، جاء ضابط وسألني عن الطفلة.
أجبت: “إنها ابنتي، ترضع، لا أستطيع تركها.”
فصرخ في وجهي: “هاتِها!”
تمسكت بها، توسلت إليهم، قبّلت الأرض، لكنهم انتزعوها من صدري عنوة.
صرخت: “ماما!”، نظرت إليّ بعينين لا تزالان تسكنانني حتى اليوم، ثم أعادوها للبيت.
هنا، شعرتُ أنني بدأت أموت.
أُخذنا إلى فرع المخابرات الجوية في المزة – قسم المهام الخاصة.
أخبرونا أن وجودنا “تحقيق بسيط”، لكن الحقيقة كانت… جحيمًا.
بدأوا بالضغط علينا:
•“أين أحمد؟”
•“من يساعده؟”
•“ما علاقتكِ به؟”
كنت أجيب وأنا أرتجف: “أحمد أخي… ذهب إلى إدلب ليجاهد.”
وكانوا يعذبون أخي الصغير أمام أمي، كي تعترف.
كان صراخه يمزقني، وهو يُعلّق بالشبح أمام أعيننا.
أيمن… صغير لم يفعل شيئًا، فقط لأنه أخونا!
مرّت خمسةٌ وعشرون يومًا من التحقيق المتواصل.
كل ليلةٍ في زنزانة مظلمة، أشعر فيها بجسدي ينسحب منّي، وقلبي يتمزق من الحنين لطفلتي.
كنتُ أفطم نفسي عنها قهرًا، والأمهات يعرفن ماذا يعني الفطام القسري!
ثم، في إحدى الليالي، نادى أحدهم:
“إخلاء سبيل!”
فرحنا. ظننا أننا سنعود إلى بيوتنا، لكنهم أخذونا إلى قسمٍ آخر.
في ذلك القسم، كتبوا رقمًا على يدي: 240
قال لي الضابط: “انتهى اسمك، أنتِ الآن رقم فقط!”
أدخلوني زنزانة انفرادية.
برد، وعتمة، وجدار لا ينتهي.
كنت أنام على الأرض، وأجعل حذائي وسادة لرأسي.
صليت بصمت، بكيت بحرقة، وناجيت الله:
“��برًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة…”
في ليلةٍ ما، سمعت صوت أختي الصغيرة تبكي في الزنزانة المجاورة، تنادي: “أريد ماما!”
كنا نقرّ على الحائط، نخترع وسائل لنطمئن على بعضنا.
ثم، بعد أسبوع، جمعونا معًا في زنزانة واحدة. كنا ننام متلاصقات، لا مكان للحركة.
لكن على الأقل… كنا معًا.
دخل رمضان، ولا طعام إلا من سحورٍ إلى سحور.
نصف بطاطا، أو حبة زيتون.
وفي العيد، كنت أبكي وأتساءل:
هل شمس لبست فستان العيد؟ هل سألت عني؟ هل تذكرت وجه أمها؟
مرت أربعة أشهر، وقالوا لنا ذات صباح: “جهّزن أنفسكن.”
ظنناها حرية…
لكنهم أخرجوا أختي الصغرى فقط، وأبقونا.
وقفونا بجانب معتقلين شباب، وبدأت الصدمة الكبرى.
رأيت أخي الذي يبلغ 19 عامًا، ذلك الذي ظننا أنه نجا، بين المعتقلين.
صرخت، بكيت، ناديت عليه.
رآني، ولم ينطق.
ثم رأيت أخي الآخر، الأصغر، كذلك معهم.
كان ذلك المشهد أكبر من قلبي.
نُقلنا إلى الشرطة ��لعسكرية ثم إلى سجن عدرا.
عرضونا على القاضي. قال لنا: “التهمة: التكتم على مسلح، لكنها لا تُحاسَب في حالة الأقارب.”
ثم أردف: “لكن يجب أن تعودوا للفرع يومين فقط.”
يومان… امتدّا إلى شهرٍ إضافي من الجحيم.
بعدها، تم وضعنا في زنزانة جماعية.
كنا 25 إلى 30 معتقلة في غرفة ضيّقة.
كلنا جئنا لأننا نعرف مجاهدًا أو قُريبًا لهم.
أمهات، طالبات، طبيبات، زوجات شهداء.
مرّت سنتان وشهران.
لم يُحاكمونا. لم يفرجوا عنّا. فقط احتُفظ بنا لـ”صفقة تبادل”.
حتى جاء يومٌ قالوا فيه:
“سوف نصوّركن بالفيديو، وقولوا: نحن بخير.”
فهمنا أن التبادل بات قريبًا.
وفي 17/5/2019، تم إخراجنا ضمن صفقة تبادل عبر معبر العيس.
رأينا السماء، الطرقات، الشجر، الناس…
عدنا إلى الحياة.
كبرنا، وبكينا.
وصلنا إلى إدلب، والكل يستقبلنا بالتكبير.
سألت عن أحمد. قالوا:
“استُشهد قبل خروجكن بسنة.”
تحطمت ال��نيا.
لم أعد أفكر بشيء، فقط أردت رؤية شمس.
بعد شهر، وصلتني شمس من حماة، وقد ساعدني المجاهدون بإحضارها.
لكنها لم تعرفني.
قالت لي: “أنت أمي؟ وين كنتِ؟”
وسكتُّ…
لأني لم أكن أملك جوابًا.
خرجتُ أنا وأخواتي وأمي…
لكن أخي الصغير بقي في المعتقل ثماني سنوات، بلا تهمة.
اللهم لا تُسامح من دعم هذا النظام، ولا من برر جرائمه، ولا من صمت عن ظلمه.