تأملات في اسم الله الوهاب (1/ 2):
كنت أقرأ اسم الله (الوهّاب) فأمر عليه مرور الكرام، ظانًا أنه مرادف للرازق أو الكريم، حتى قادتني "خيوط النور" في كتاب الله إلى رحلة استقراء هزت كياني، وأعادت صياغة مفاهيمي عن الملك والرحمة والذرية، بل وعن وجودي بأسره.
- بدأت رحلتي من لحظة حيرة وتساؤل: ما الفرق بين ما نكسبه وما يُوهب لنا؟
- ولماذا اقترن هذا الاسم العظيم بمواقف العجز البشري وانقطاع الأسباب؟
- هنا، انفتح لي باب التدبر، وبدأت أتلمس الخيط الناظم.
.. أول ما استوقفني وأنا أتتبع هذا الخيط، هو ذلك الاقتران المهيب في سورة (ص) بين العزة والوهب، في قوله تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾.
- تساءلتُ: لمَ "العزيز" هنا؟ فأدركت بقلبي قبل عقلي أن الهبة تقتضي عزاً واقتداراً؛
- فالعاجز لا يهب.
- لكن الدهشة الحقيقية تجلت لي حين رأيت سليمان عليه السلام في السورة ذاتها يطلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، مستخدماً هذا الاسم تحديداً: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
- هنا لمحتُ أول الخيط: الوهّاب هو الذي يعطيك ما يتجاوز خيالك، بأسباب قمت بها ، أو ما يعجز قانون الأسباب الأرضية عن الإتيان به.
- سليمان لم يطلب توسعة في الرزق، بل طلب خرقاً للعادة، وسلطاناً على الريح والشياطين، فكان مفتاح هذا الطلب المستحيل هو "الوهّاب".
.. ثم شدني الخيط بقوة إلى "بيوت الأنبياء"، لأرى أن أدق العلاقات الإنسانية وأعزها، علاقة الأب بابنه، والأخ بأخيه، هي محض هبة لا يد للبشر فيها.
- وقفت أمام شيخوخة إبراهيم عليه السلام وهو يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾.
- تأملت "على الكبر"؛
- حيث انطفأت شعلة الشباب وجفت مياه الأسباب، جاء "الوهّاب" ليعلن أن عطاءه لا يحده زمن ولا يقيده قانون بيولوجي.
- وتكرر المشهد مع زكريا عليه السلام في سورة مريم، حيث العاقر والشيخ الفاني، ومع ذلك: ﴿ووَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾، وفي موضع آخر عن الخليل إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾.
- رأيتُ هنا أن الذرية ليست نتاجاً بيولوجياً حتمياً، بل هي هبة ربانية قد تأتي من رحم العدم ومنتهى اليأس، لتكسر غرور الإنسان بعلمه وطبه.
.. ولم يتوقف الخيط عند الذرية، بل امتد ليربط لي أواصر الأخوة والنصرة بالهبة الإلهية.
- وقفت منبهرا عند قوله تعالى في حق موسى عليه السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
- يا الله!
- حتى الرفيق الصالح، والسند الذي يشد أزرك في معترك الحياة، هو هبة منه سبحانه.
- تغيرت نظرتي لأصدقائي ولإخوتي؛ لم يعودوا مجرد صدف اجتماعية، بل هم "هبات" ساقها الوهّاب لرحمتي.
- إن وجود شخص يفهمك ويعينك على الخير في هذا العالم الموحش هو تجليات اسم الله الوهّاب في حياتك.
.. ثم ارتقى بي الخيط إلى ما هو أسمى من الذرية والملك والسند؛ ارتقى بي إلى "هبة العقل والنور والحكمة".
- رأيت كيف امتن الله على موسى فقال: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
- الحكم والفهم، تلك البصيرة التي تفرق بها بين الحق والباطل، ليست ذكاءً مجرداً وراثياً، وليست نتاج كثرة القراءة فحسب، بل هي هبة يقذفها الله في قلب من يشاء.
- وتذكرت دعاء الراسخين في العلم في مطلع سورة آل عمران: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
- لماذا طلبوا الثبات والرحمة باسم "الوهّاب"؟ لأن الهداية هي أعظم المنح التي لا تُشترى، ولأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، فالثبات عليها ليس بشطارتنا، بل بوهبه المستمر الذي لا ينقطع.
.. ومضيت مع الآيات، فإذا بالخيط يمر بي على سورة الشورى، ليقرر قاعدة كونية في توزيع الأرزاق البشرية: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾.
- استخدام الفعل "يهب" هنا يخلع عن الإنسان رداء التحكم، ويذكره بفقره المطلق.
- إن كنتَ أباً أو كنتِ أماً، فما بين أيديكم ليس ملكية خاصة، بل هي "هبة" مؤقتة مستودعة، تستوجب الشكر لا الفخر.
- وحتى في دعاء عباد الرحمن في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، جاء الطلب بصيغة الهبة، لأن صلاح الزوجة والولد ليس بيدك أيها الإنسان، مهما بذلت من تربية ونصح - وإن كان ذلك لا يسقط عنك القيام بواجبك نحوهم فأنت مكلف بذلك - فصلاحهم منحة وهدية من الوهاب سبحانه.
⚖️ كسب قضية بـ ٦٠٠ ألف ريال، لكنه دفع لمحاميه ١٧٢ ألف. قال: "خصمي هو اللي أجبرني أشتكي، لازم هو يدفعها!". فرفع قضية ثانية للمطالبة بأتعاب المحاماة... فماذا كان قرار المحكمة؟ 💸
بعد معركة قضائية طويلة، انتصر مقاول في قضيته وألزمت المحكمة التجارية خصمه بأن يدفع له ٦٠٠ ألف ريال، قيمة أعمال إنشاء وتأسيس كسارتين لم يسددها.
شعر المقاول بالرضا، لكن فرحته لم تكتمل. نظر إلى فاتورة المحامي التي بلغت ١٧٢,٥٠٠ ريال وقال في نفسه: "لقد اضطررت لدفع هذا المبلغ الضخم فقط لأن خصمي أنكر حقي في البداية، وجعلني ألجأ للقضاء وأخوض جلسات طويلة. من العدل أن يتحمل هو هذه التكلفة!".
وبكل ثقة، رفع دعوى جديدة يطالب فيها خصمه بتعويضه عن أتعاب المحاماة التي تكبدها.
في قاعة المحكمة، كان دفاع الخصم متوقعاً: "حق التقاضي مكفول للجميع، ولم تكن هناك مماطلة، بل كان هناك نزاع حقيقي حول الأعمال، والفوز بالقضية لا يعني تلقائياً إلزامنا بدفع أتعاب محاميه".
لكن وكيل المقاول كان له حجة قوية...
قال للقاضي: "يا فضيلة الشيخ، في القضية الأصلية، لم يكن الأمر مجرد نزاع، بل إنكار تام للحق! لقد أنكر المدعى عليه أن موكلي هو من قام بالعمل أصلاً، وأطال أمد التقاضي، ولم يقر بالحقيقة إلا بعد عدة جلسات وعندما وجهت له الدائرة اليمين. هذا ليس نزاعاً، بل هو "إلجاء وعدوان" أجبر موكلي على تحمل هذه التكاليف لاسترداد حق واضح".
وهنا كانت النقطة المحورية! 📜
المحكمة لم تنظر للقضية على أنها مجرد "من ربح ومن خسر". بل عادت إلى وقائع القضية الأولى لتفحص سلوك الخصم، ووجدت أن إنكاره الأولي للحق الثابت هو ما أجبر المدعي على رفع الدعوى وتوكيل محامٍ.
استندت الدائرة إلى مبدأ فقهي ونظامي عميق: "من أحوج صاحبه إلى الشكاية ليتحصل على حقه فما غرمه بسبب ذلك فهو على المماطل".
ببساطة، النظام لا يريدك أن تدفع من جيبك لتسترد حقاً واضحاً حرمك منه شخص مماطل.
واستناداً للمادة (164) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية، فإن للمحكمة السلطة في تقدير التعويض عن الأضرار، بما فيها مصاريف التقاضي، آخذة في الاعتبار عدة عوامل منها: جسامة الضرر، ومماطلة المحكوم عليه، ومقدار المبلغ المحكوم به.
⚖️ الحكم النهائي:
حكمت الدائرة بإلزام المدعى عليه بدفع تعويض للمدعي. لكنها لم تحكم بكامل مبلغ الأتعاب (172,500 ريال)، بل استخدمت سلطتها التقديرية وقدرت التعويض بنسبة 10% من قيمة الحكم الأصلي.
أي ألزمته بدفع (60,000) ستين ألف ريال كتعويض عادل عن إلجائه لخصمه إلى التقاضي.
💡 الدرس المستفاد:
الفوز بالقضية لا يضمن لك استرداد أتعاب محاميك تلقائياً. المفتاح هو إثبات أن خصمك كان "مماطلاً" أو "متعنتاً" في حق واضح، وأنه هو من "ألجأك" إلى ساحة القضاء. في هذه الحالة، قد تحكم لك المحكمة بتعويض، لكنها هي من تقدر قيمته وليس بالضرورة أن يغطي كامل فاتورة المحامي.
📁لينك الحكم كامل للإطلاع: https://t.co/MUam6c0xVu
🤔 شاركنا رأيك: هل تعتقد أن نسبة ١٠٪ كتعويض عن أتعاب المحاماة تعتبر نسبة عادلة في مثل هذه الحالات؟
#حكايات_نظامية #أتعاب_المحاماة #المحاكم_التجارية #تعويضات #ثقافة_نظامية #قضاء #السعودية #استشارات_نظامية