سيكتب كثيرون عن تمّوز الأسود...
أما أنا، فسأكتب عن تمّوز الأبيض.
لأنني لا أرى في تمّوز مجرد شهر سالت فيه دماء الأبرياء، بل أراه اليوم الذي وُلدنا فيه من جديد.
كتب الأستاذ داني عبد الخالق
أوجز و أمعن
تموز الأبيض،،،
سيكتب كثيرون عن تمّوز الأسود...
أما أنا، فسأكتب عن تمّوز الأبيض.
لأنني لا أرى في تمّوز مجرد شهر سالت فيه دماء الأبرياء، بل أراه اليوم الذي وُلدنا فيه من جديد.
قد يبدو كلامي صادماً...
لكن الحقيقة أن الشعوب لا تولد دائماً من الأفراح، بل كثيراً ما تولد من المآسي.
لقد أرادوا لتموز أن يكون نهاية الدروز...
فجعلوه بداية لنا.
لقد ظنوا أن الدم سيزرع الخوف...
فإذا به يزرع الحرية.
لقد ظنوا أن المجزرة ستكسر إرادتنا...
فإذا بها تكسر آخر القيود التي كانت تربطنا بعالم لا يشبهنا.
في تموز الأبيض...
عرفنا من هو صديقنا.
وعرفنا من هو عدونا.
وعرفنا من صمت...
ومن برر...
ومن احتفل بدمائنا.
ولأول مرة، سقطت الأقنعة جميعها.
في تموز الأبيض، لم يرحل أبناءنا فقط...
بل رحلت أوهاماً عشنا فيها عقوداً.
كنا نظن أننا جزء من أمة كبيرة...
لكننا اكتشفنا أن دمنا لم يكن يعني لها شيئاً.
كنا نظن أن رابطة الأخلاق تكفي لتحمي الإنسان...
لكننا رأينا الإنسان يُذبح، بينما كان كثيرون يكتفون بالمشاهدة، أو بالصمت، أو بالتبرير.
لهذا...
لن أسمّيه تموز الأسود.
سأسميه تموز الأبيض.
لأن دماء الشهداء لم تذهب هباءً.
لقد رسمت لنا طريقاً جديداً.
طريقاً لا يقوم على الأوهام، بل على الحقيقة.
ولا على الشعارات، بل على الوجود.
دماؤهم عبّدت لنا طريق الحرية.
وأعادت تعريف هويتنا.
وقالت لنا بوضوح:
لا تراهنوا إلا على أنفسكم.
في تموز الأبيض...
فتحنا أعيننا للمرة الأولى.
وكأننا كنا نسير في الظلام سنوات طويلة.
ثم جاء ذلك اليوم...
فأبصرنا النور الحقيقي.
نور الحرية.
ونور الكرامة.
ونور القرار المستقل.
ولذلك...
فإن شهداء تموز لم يتركوا لنا الحزن فقط.
بل تركوا لنا رسالة.
أن نكمل الطريق الذي فتحوه بدمائهم.
وأن نبني مستقبلاً يليق بتضحياتهم.
قد يكون الطريق طويلاً...
لكننا، منذ تموز الأبيض، عرفنا وجهتنا.
ولم نعد نبحث عن مكانٍ لنا في عالم لم يعترف بنا.
بل بدأنا نبني مستقبلنا بأيدينا.
وسيبقى تموز أبيض...
لأن الدم الذي سُفك فيه لم يُطفئ نورنا...
بل أشعله.
-
داني عبد الخالق