من الحماقة أن تحاور أصم الفكر وكما أنني لن أشرح لجدتي من أين نشأت الخرافة كي لا تنتهي الجلسة بالتشكيك في سلامتي العقلية فلن أرهق نفسي في جدال عقيم يقول عباس العقاد التفكير فريضة والفريضة لا تؤدى بالنيابة عن أحد.
تقول الكاتبة أحلام مستغانمي في لقاء تلفزيوني تحدثت فيه عن زيارة الأمير الراحل الشاعر بدر بن عبد المحسن عندما زارها هو وزوجته في منزلها في بيروت قالت إن زوجته كانت تطلب منها إقناعه بكتابة قصيدة بينما كان هو متوقفا تماما عن كتابة أي شيء جديد فطلبت منها أن تذهب إلى بيت أهلها وتبتعد عنه...
فالشاعر في رأيها لا يكتب إلا تحت وطأة الغياب لا يكتب حين يملك الأشياء كاملة بل حين يفقد شيئا منها فالقصيدة ابنة المسافة وما دام الحب حاضرا بكل تفاصيله اليومية فلن يجد الشاعر ما يقوله.. كانت ترى أن بعض النساء من فرط حبهن يسرقن من الشعراء المادة الخام لقصائدهم يمنحنهم حضورهن كاملا فلا يبقى للحنين ما يفعله ولا للانتظار ما يقوله ولا للشوق ما يكتبه
فالكتابة شأنها شأن الحب تحتاج إلى فجوة صغيرة يتسلل منها الحنين وما إن يختفي الغياب تماما حتى تفقد الكلمات سبب مجيئها.. لذلك قالت لها وكأنها تدافع عن حق القصيدة في الوجود لقد سرقتي منه المسافة فغاب عنه الإلهام.
كنت أظن أن الكتابة نافذة للهرب ثم اكتشفت أنها محكمة..نجلس فيها أمام أنفسنا متهمين وشهوداً وقضاة...نكتب لنبرئ ذمتنا من نوايا لم نقترفها ولنُدين أنفسنا بأشياء لم نغفرها... وما كان الورق إلا مرآة بيضاء شاحبة باردة الأطراف لا تجامل أحداً..
.. تعلمت أن الكتابة ليست منديلًا للدموع...كنت ولا زلت أكتب بالحبر وأصوّب برصاص... لا أطلق كلماتي عبثاً ولا أبعثرها في الهواء كطيور مذعورة...
ورغم كل هذه الجلبة لم تنجح في إسكات سؤال واحد..
كيف ضللت نفسي كل هذا العمر؟