@tripolitanus يمكن لأن سبقوهم فيها الاتراك والمصريين مثلا، في حاجات تصير في العالم مرات انت تشوف فيها تافهة لكن هي مسألة وجود لكيان مصطنع زي اسرائيل، انت تقول اسرائيل الكبري نهايتها نهر النيل، باه ليش مشوا لي ابعد من غادي واعترفوا وطبعوا مع ارض الصومال مثلا ابحث عليها وتلقي كل شئ مربوط ببعضه
@TalhaAhmad81 وبنفس الصياح والجعير والسجع والثرثرة وخلي نقول الجملة هذي عشان يطلع المقطع رهيب في التيك توك وشوية مع دول وشوية مع دول عشان الجمهور كله يعزز لي
وسط كل هذا الضجيج، يبقى لنا نحن المدريديستا درسٌ ينبغي ألّا نمرّ عليه سريعًا :
أن نتوقف عن تقييم اللاعبين بحسب القميص الذي يرتدونه.
تذكّروا بشيءٍ من الخجل كيف صُنع من أسينسيو مدافعٌ خارق لمجرد أنه يتزحلق بغضب ويصرخ بعد كل تدخل، وكيف جرى احتقار كوبارسي لأن هدوءه لا يشبه الصورة المسرحية التي نتخيلها عن «غرينتا» المدافع.
اليوم أحدهما بطلٌ للعالم، والآخر لم يُخِف ضجيجه سوى القاصرات!
فاز المنتخب الافضل والاقوى. نهائي ممل مثل نهائي المانيا - الأرجنتين في ١٩٩٠ وحينها نفس السيناريو أرجنتين بلعب عشوائي ودفاعي وفاز المنتخب الاقوى حتى في تلك المناسبة. فوز حتماً لم يكن يريده ترامب وإنفانتينو وإهداء خاص لأداني الذي قرفنا بتعليق مليء بالصراخ والهراء والتفاهات.
مأساة التعليق العربي : beIN Sports نموذجا.
[الجزء الثاني]
2⃣- حين يصبح التعثّر «نضجًا تكتيكيًا» : كيف يجمّل التعليق العربي حقيقة منتخباتنا؟
بعد مباراةٍ عانى فيها منتخب بلدك، اسأل نفسك : ماذا بقي في ذاكرتك؟
ما حدث فعلًا في الملعب؟ أم الكلمات التي وُضعت فوقه؟
هل بقي ضغط الخصم الذي خنق الخروج بالكرة، والوسط الذي ابتلعه، والمساحات التي انفتحت كلما تقدّم الظهيران؟
أم بقي أنّ المنتخب «أدار اللقاء»، و«أظهر نضجًا»، و«اختار التريّث» وغيرها من العبارات؟
قد تكون رأيت المعاناة بعينيك، ثم خرجت من المباراة بانطباع وذاكرة أدفأ منها.
الصورة تمرّ سريعًا، لكنّ الصوت يبقى.
وغالبًا ما نتذكّر المباراة كما وُصفت لنا، لا كما جرت فعلًا.
هنا يبدأ الخطر الثاني في التعليق العربي.
في المقال الأول، كانت المشكلة أنّ المعلّق يزاحم المباراة أثناء وقوعها : يصف ما نراه، ويصرخ قبل أن تكتمل اللحظة، ويحوّل نفسه إلى بطلٍ ثالث داخل البثّ.
أما هنا، فالمشكلة أخطر وأعمق : أن ينجو صوته من الصورة بعد انتهائها، وأن يصبح الاسم الذي منحه للواقعة هو الطريقة التي نتذكّرها بها.
فالتعليق لا ينقل الأحداث فقط.
إنه يسمّيها.
والاسم ليس غلافًا محايدًا للواقعة ؛ فقد يغيّر الحكم عليها من دون أن يغيّر فيها شيئًا.
تراجع فريق أو منتخب، يمكن أن يُسمّى عجزًا أو نضجًا، وفقدان السيطرة يمكن أن يصبح إدارةً للإيقاع، والضغط الذي يخنق منتخبك يمكن أن يتحوّل إلى امتحانٍ للروح والصمود.
ولا تحتاج هذه التسمية الأدفأ إلى مؤامرة، ولا إلى قرارٍ واعٍ بتضليل المشاهد.
يكفي أنّها تملك داخل منطق البثّ أفضليةً واضحة : تصل أسرع، وتنتج انفعالًا أقوى، وتلقى مقاومةً أقل، وتستقرّ في الذاكرة بسهولة أكبر.
لذلك لا تنتصر دائمًا الكلمة الأصدق.
تنتصر، كثيرًا، الكلمة الأقدر على البقاء.
◀️- من مزاحمة المباراة إلى إعادة تسميتها.
حين يصير الصوت أكبر من الحدث، لا يكتفي بأن يعلو فوق المباراة. يبدأ في إعادة تسمية ما نراه.
منتخب بلدك لا يعاني، بل «يدير اللقاء».
لا يفقد السيطرة، بل «يخفض الإيقاع».
لا يُدفَع إلى الخلف، بل «يختار التريّث».
لا يعجز عن الخروج بالكرة، بل «يمتصّ ضغط الخصم».
لا يرتبك تحت الضغط، بل «يلعب بذكاء».
ولا يخطئ لاعبك، بل «يخونه التوفيق».
في كلّ مرة، تبقى الواقعة نفسها، لكنّ الاسم يغيّر معناها.
لا تُختار الكلمة التي تصف ما جرى بأكبر قدرٍ من الدقّة، بل الكلمة التي تمنح الواقعة صورةً أدفأ وأقلّ إيلامًا.
وهكذا لا يعود التعليق مجرّد صوتٍ يرافق المباراة، بل إطارًا يحدّد كيف ينبغي أن نقرأها.
المشكلة ليست أنّ هذه الكلمات خاطئة دائمًا. قد يدير المنتخب اللقاء فعلًا، وقد يتراجع باختيارٍ واعٍ، وقد يخفّض الإيقاع ليحمي تقدّمه.
لكنّ هذه الأوصاف ليست مشاعر تُمنَح، بل أحكامٌ ينبغي إثباتها.
إدارة اللقاء تعني أن يبقى الفريق متحكمًا في إيقاعه ومساحاته ومخارج لعبه، لا أن يُحاصَر ثم يُمنَح اسم السيطرة.
والتراجع المقصود يعني أن يحتفظ الفريق ببنيته ومنافذه عند استعادة الكرة، لا أن يُدفَع إلى منطقته ولا يجد طريقًا للخروج.
والنضج التكتيكي يظهر في جودة القرار وتكراره، لا في تحويل كلّ تشتيتٍ اضطراري إلى بطولةٍ دفاعية.
اللغة الدقيقة تميّز بين الشيء وشبيهه.
أما اللغة الدافئة، فتكتفي بأن تمنح الشبيه اسم الشيء.
◀️- الكلمة لا تصف فقط… بل تحكم!
حين يقول المعلّق إنّ المنتخب «يعاني»، فهو يضع الأداء تحت السؤال.
لكن حين يسمّي المعاناة «نضجًا»، فإنه لا يغيّر وصف لقطةٍ واحدة فقط، بل يغيّر الحكم على المباراة كلها.
والفرق بين الاسمين ليس لغويًا فحسب.
إنه فرقٌ في المسؤولية.
إذا كان المنتخب قد عانى، فثمة أسئلة يجب أن تُطرَح : لماذا فشل في الخروج بالكرة؟ لماذا اختفى وسطه؟ لماذا اتسعت المسافات؟ لماذا لم يجد المدرب حلًا؟
أما إذا كان قد «أدار اللقاء بنضج»، فلا يبقى خللٌ يحتاج إلى تفسير. ما حدث يتحوّل من مشكلةٍ إلى فضيلة، ومن عجزٍ إلى اختيار، ومن نقصٍ إلى حكمة.
هنا لا تحمي الكلمة اللاعب وحده، بل تحمي المنظومة كلها من التشخيص.
فالمدرب لم يفقد السيطرة ؛ كان «مرنًا».
والوسط لم يُهزم ؛ كان «يضحي».
والفريق لم يعجز عن صناعة الفرص ؛ كان «صبورًا».
والمنتخب لم ينجُ ؛ بل «أثبت شخصيته».
شيئًا فشيئًا، لا يعود الجمهور عاجزًا عن رؤية الخلل، بل يُمنَح اسمًا يمنعه من الاعتراف بأنّ ما رآه كان خللًا أصلًا.
◀️- من تجميل الأداء إلى تعطيل التشخيص.
الخطر لا يقف عند مباراةٍ واحدة.
حين تتكرّر التسمية نفسها، تتحوّل الأعطال المتكررة إلى صفاتٍ بطولية ثابتة.
منتخبٌ لا يعرف بناء اللعب من الخلف يصبح «منتخبًا مباشرًا».
فريقٌ لا يستطيع الاحتفاظ بالكرة يصبح «واقعيًا».
وسطٌ يعجز عن مقاومة الضغط يصبح «مقاتلًا».
تراجعٌ متواصل أمام كلّ خصمٍ قوي يصبح «هويةً دفاعية».
وعجزٌ عن صناعة المباراة يصبح «قدرةً على المعاناة».
لا يعني هذا أنّ المباشرة أو الواقعية أو الدفاع أو القدرة على المعاناة عيوبٌ في ذاتها. قد تكون كلها أدواتٍ مشروعة داخل خطةٍ ناجحة.
لكنّ الفرق كبير بين أن يختار الفريق أداةً لأنه يتقنها، وأن يُدفَع إليها لأنه لا يملك غيرها.
التعليق الدقيق يكشف هذا الفرق.
أما التعليق العاطفي الذي يبحث عن الوصف الأدفأ، فيمحوه.
وهنا ينتقل أثره من تجميل مباراةٍ إلى تعطيل فهم المنتخب نفسه.
لأنّ الجمهور الذي يسمع الخلل باسمٍ بطوليّ مرةً بعد مرة، يفقد قدرته على رؤية النمط الذي يجمع المباريات.
كلّ مباراة تصبح حادثةً منفصلة.
مرّةً خاننا التوفيق.
ومرّةً كان الحكم قاسيًا.
ومرّةً احتجنا إلى اللمسة الأخيرة.
ومرّةً اخترنا الواقعية.
لكنّ ما يختفي خلف هذه العبارات قد يكون مشكلةً واحدة تتكرر : المنتخب لا يستطيع صناعة اللعب، أو لا يحسن التعامل مع الضغط، أو لا يملك حلولًا حين يُحرَم من التحولات.
الكلمة الدافئة لا تكذب دائمًا في تفاصيلها.
لكنها قد تمنع التفاصيل من أن تتجمّع في تشخيص سليم.
◀️- الانحياز الذي يستمرّ بعد المباراة.
في المقال الأول، كان الانحياز يشوّه الشرح داخل المباراة : يبرّر خطأ لاعبٍ ويضخّم خطأ آخر، أو يقرأ اللقطة بعين المشجّع لا بعين الإعلامي.
أما هنا، فالانحياز أخطر لأنه يستمرّ بعد الصافرة.
لا يكتفي بأن يغيّر شعورك تجاه لقطة، بل يشارك في بناء السجلّ الذي تحتفظ به عن المنتخب.
تخرج مقتنعًا أنّ فريقك كان متماسكًا، مع أنّه قضى المباراة عاجزًا عن التنفّس.
وأنّ خصمك لم يصنع الكثير، مع أنّه فرض مكان اللعب وإيقاعه.
وأنّ التعادل دليل نضج، مع أنّه قد يكون نتيجة سوء إنهاء الخصم أكثر من جودة أداء منتخبك.
وهكذا تصبح النتيجة دليلًا على الرواية، بدل أن تكون الرواية تفسيرًا دقيقًا لكيفية الوصول إلى النتيجة.
إن فاز المنتخب، قيل إنّه عرف كيف يدير المباراة.
وإن تعادل، قيل إنّه أظهر شخصيةً وصلابة.
وإن خسر بفارقٍ ضئيل، قيل إنّه خرج مرفوع الرأس.
تتغير النتيجة، وتبقى الخلاصة الدافئة نفسها.
وعندما تصمد الخلاصة أمام كلّ نتيجة، لا تعود تحليلًا قابلًا للاختبار، بل تصبح عقيدةً عاطفية تحمي المنتخب من الحكم.
◀️- حين تصير الجملة الجميلة ستارًا.
المرض ليس أن يقول المعلّق جملةً جميلة.
المرض أن تصبح الجملة الجميلة بديلًا عن التشخيص.
أن يُسمّى العجز بطولةً، والتراجع حكمةً، والضغط الخانق صمودًا، والعشوائية روحًا.
عندها لا تكون الاستعارة نافذةً تكشف ما وراء الصورة، بل ستارًا يحجب ما فيها.
لا تمنحك فهمًا أعمق لما فعله منتخب بلدك.
تمنحك شعورًا أفضل تجاه ما عجز عن فعله.
وهذا هو الفارق بين التعليق الذي يضيء المباراة والتعليق الذي يطفئ حقيقتها برفق.
لماذا تبقى الكلمات الأدفأ؟
لأنّ التفسير الدقيق بطيء ومشروط.
يحتاج إلى تمييزٍ فني وتكتيكي بين التراجع المقصود والتراجع المفروض، وبين السيطرة بالكرة والسيطرة على المساحات، وبين الصمود الناتج عن بنيةٍ متماسكة والنجاة الناتجة عن سوء إنهاء الخصم.
أما الكلمة الأدفأ، فتصل مكتملةً في لحظة.
لا تحتاج إلى برهانٍ طويل.
تكفي كلمة «روح» لتختصر خللًا مركبًا.
وتكفي «الواقعية» لتغلق نقاشًا كاملًا عن العجز الهجومي.
ويكفي «النضج» ليبدو التراجع قرارًا لا اضطرارًا.
لهذا تملك العبارة الدافئة قدرةً أعلى على الانتشار والثبات. لا لأنها أصدق، بل لأنها أسرع وصولًا إلى الانفعال، وأسهل قبولًا من تفسيرٍ يزعج الصورة التي نريدها عن منتخبنا.
أما كيف تحوّلت هذه الأفضلية إلى معيارٍ مستقر، ومن حماها طويلًا، ولماذا بدأت تفقد سلطتها الآن، فذلك سؤال المقال الأخير القادم.
◀️- ما بعد الصافرة.
كرة القدم عاطفة، والصوت جزءٌ من ذاكرتها، وبعض الصرخات تعيش لأنّ اللحظة نفسها استحقّتها.
ولسنا نطلب تعليقًا باردًا، ولا درسًا تكتيكيًا جافًا، ولا معلّقًا ينزع عن المباراة توترها وجمالها.
لكنّ العاطفة لا تعني التضليل.
والوطنية لا تعني أن نمنح أعطال منتخباتنا أسماءً بطولية.
والجملة الجميلة لا تعفي من الحقيقة.
نحن لا نحتاج إلى تعليقٍ يحمينا من مستوى منتخباتنا، ولا إلى صوتٍ يحوّل كلّ عجزٍ إلى حكمة وكلّ نجاةٍ إلى شخصية.
نحتاج إلى تعليقٍ يتركنا نرى المنتخب كما هو : حين يتفوّق، وحين يعاني، وحين يختار، وحين يُجبَر، وحين يكون صموده فعلًا نضجًا، وحين يكون مجرد اسمٍ دافئ لمعاناةٍ لم نجد الشجاعة لتسميتها.
وحين تنتهي المباراة، نظنّ أنّنا نتذكّر ما حدث.
لكنّ العجز صار في ذاكرتنا واقعيةً، والتراجع نضجًا أو حسن إدارة، والنجاة من الخسارة قوة شخصية.
تنتهي المباراة، وتبقى أوصاف المعلق مكان الحقيقة.
مأساة التعليق العربي : beIN Sports نموذجا.
1- حين صار المعلّق بطل البثّ :
مأساة التعليق العربي ليست أنه يتكلّم كثيرًا. بل أنه يتكلّم بدل المباراة.
نشكو دائمًا من الصراخ، لكن الصراخ ليس المرض. إنه عَرَض.
العاطفة رصيد. ومن يُنفقه على كلّ هجمة، يُفلس عند اللحظة التي تستحقّه فعلًا.
المشكلة أعمق من الصوت واللكنة والحماس : المعلّق نسي أنه جسرٌ إلى المباراة، فظنّ نفسه بطلًا ثالثًا داخل البثّ.
ولأنّ مأساةً بهذا العمق لا تُفكَّك في مقالٍ واحد، جعلتُها ثلاثيّة.
في المقال الأول، أسأل كيف أخطأ المعلّق تعريف وظيفته فتحوّل من جسرٍ إلى المباراة إلى بطلٍ داخل البث. وفي المقال الثاني، أنتقل إلى ما هو أخطر : كيف لم يعد يزاحم الصورة فقط، بل يعيد كتابة إدراكنا لمنتخباتنا ويمنح العجز أسماءً أدفأ. وفي الثالث، أسأل عن التوقيت : لماذا انكشف هذا النموذج الآن تحديدًا، بعد أن عاش طويلا؟
حين نشكو من التعليق العربي، نبدأ عادةً من العَرَض الأوضح : الصراخ.
لكن الصراخ ليس المرض. الصراخ نتيجة.
والنتيجة لا تُعالَج في ذاتها، بل يُعالَج سببها.
فكثير من التعليق العربي لا يفشل لأنه يرفع صوته، ولا لأن لكنته ثقيلة، ولا لأن خامته أقلّ من نظيره الأوروبي. يفشل لسبب أعمق من هذا كلّه، سببٍ لا يُسمَع في النبرة بل يُقرَأ في التصوّر : إنّه يقدّم إجابةً خاطئة عن سؤالٍ لم يسأله لنفسه أصلًا.
ما وظيفة المعلّق؟
هذا هو السؤال. وكلّ ما نكرهه في التعليق العربي ليس إلا فروعًا تتدلّى من إجابةٍ واحدة خاطئة عنه.
لنبدأ من التعريف، لأن الخلل يبدأ منه.
المعلّق ليس بديلًا عن الصورة. هو مكمّل لها. المشاهد يرى المباراة بعينيه ؛ يرى الكرة، والتمريرة، والمساحة. فما الذي يضيفه صوتٌ فوق مشهدٍ مكتمل؟
يضيف ما لا تراه العين.
العين ترى أين ذهبت الكرة. المعلّق يقول لماذا ذهبت هناك.
العين ترى اللاعب يتراجع.
المعلّق يشرح أنه يغلق العمق ليجرّ الخصم إلى الأطراف.
العين تلتقط اللحظة ؛ المعلّق يكشف البنية التي أنتجتها.
المعلّق، إذًا، جسر.
وسيطٌ بين ما يجري في الملعب وما يصل إلى الوعي.
وظيفته أن يمنح المشاهد عينًا ثانية، لا أن يزاحمه على عينه الأولى.
هو ليس مشجّعًا يحمل ميكروفونًا.
وليس شاعرًا يبحث عن قافية للهدف.
وليس ممثلًا ينتظر مشهده.
هو إعلاميّ يشرح، وراوٍ يرافق، لا بطلٌ يحلّ محلّ المباراة. وهذا كلّ ما تخلّى عنه.
الآن تأمّل ما يحدث حين يُساء تعريف هذه الوظيفة الواحدة.
لا تحدث كارثة واحدة، بل تتوالد كوارث، كلٌّ منها نتيجةٌ منطقية للخطأ الذي سبقها.
إذا ظنّ المعلّق أن وظيفته أن يملأ البثّ لا أن يشرح المباراة، فسيصف ما نراه.
سيخبرنا أنّ الكرة مع فلان، ثم انتقلت إلى علّان ثم عادت للخلف إلى فلان، وكأننا عميان أمام الشاشة.
هذا أول الفروع : التعليق الذي يترجم الصورة بدل أن يفسّرها. حشوٌ لغويّ فوق مشهدٍ لا يحتاجه.
وإذا ظنّ أن مهمّته أن يُشعِل لا أن يفهِم، فسيصرخ بدل أن يقرأ. لن ينتظر القصّة لتقع ؛ سيختلقها.
كلّ كرةٍ في الثلث الأخير "خطيرة"، وكلّ تسديدةٍ "صاروخية"، حتى تلك التي تخرج بمترين فوق العارضة.
هذا الفرع الثاني : الانفعال الذي يسبق الحدث بدل أن يتبعه.
ومن الصراخ الدائم يتولّد الفرع الثالث بالضرورة : التضخيم الذي يقتل التمييز.
فحين تكون كلّ لقطةٍ استثنائية، لا تبقى لقطةٌ استثنائية. العاطفة رصيد. من يُنفقه على كلّ هجمة، يُفلس عند اللحظة التي تستحقّه فعلًا.
المعلّق الذي بلغ ذروة انفعاله في الدقيقة العاشرة، ماذا أبقى للدقيقة الأخيرة؟
وإذا رأى المعلّق نفسه طرفًا في المباراة لا شاهدًا عليها، انزلق إلى الفرع الرابع :
الانحياز الذي يستبدل الشرح. صار يطبّل لفريق (عادة منتخب بلده أو فريقه المفضل) ويكيد لآخر، يبرّر خطأ هذا ويضخّم خطأ ذاك، فخسر أثمن ما يملكه على الإطلاق : ليس صوته، بل أن نصدّقه.
ثم يأتي الفرعان الأخيران، وهما أخفى ما في المأساة لأنهما يتعلّقان بالحرفة الصامتة.
الخامس : الكليشيه الذي يحلّ محلّ اللغة.
حين لا يكون لديك ما تقوله، تلجأ إلى ما قيل ألف مرة. "أسد"، "محارب"، "قاتل"، "روح"، "رجولة". قاموسٌ جاهز يُلصَق على كلّ مباراة، حتى صارت كلّ مباراة نسخةً لغوية من التي قبلها. الدقّة تتطلّب فهمًا ؛ والكليشيه يعفيك منه.
والفرع السادس : الصمت الذي يُخشى بدل أن يُستخدَم.
المعلّق الكبير يعرف أنّ للّحظة أحيانًا أن تتكلّم وحدها، وأنّ سكوته في مكانه أبلغ من عشر جُمَل. أما من يظنّ وظيفته ملء الفراغ، فالصمت عنده عيبٌ يجب سدّه، لا أداةٌ يجب إتقانها. فيتكلّم فوق اللحظة التي كان يكفيها أن نراها.
ستة فروع.
جذرٌ واحد.
انظر كيف أنّ أيًّا منها ليس عيبًا مستقلًّا يمكن إصلاحه على حدة. لا يمكنك أن تعالج التضخيم وحده، ولا الانحياز وحده، لأنها ليست أمراضًا. إنها أعراض.
والعَرَض لا يُعالَج بقصّه، بل بتصحيح السبب الذي أنتجه : التعريف الخاطئ للوظيفة.
قد يُقال هنا : حسنًا، لنفترض معلّقًا صحّح تصوّره، فأدرك أن وظيفته الشرح لا الإشعال. أيكفي هذا؟
لا يكفي. لأنّ تحت الخلل الفلسفي خللًا معرفيًّا لا يقلّ عنه خطورة.
الشرح يفترض أنّ لديك ما تشرحه. والنيّة الحسنة لا تصنع معرفة. فحين يقرّر المعلّق أخيرًا أن يفسّر بدل أن يصف، يصطدم بالفراغ : بماذا يفسّر؟
هنا تظهر الفجوة الحقيقية. ضعف الثقافة الكروية، فلا يعرف من تاريخ اللعبة ومدارسها وتطوّر مراكزها ما يضع اللقطة في سياقها.
وضعف الفهم التكتيكي، فلا يرى الكتلة، ولا الضغط، ولا اللحظة التي تنكسر فيها خطوط الخصم. وضعف التحضير، فلا يعرف أنماط الفريق، ولا أدوار لاعبيه، ولا فكرة مدرّبه. يكتفي بمعلوماتٍ سطحية تُلتقط قبل الصافرة.
فيقع في مأزق : هو مطالبٌ بالتفسير، لكنه لا يملك أدواته.
وماذا يفعل من لا يملك التفسير؟
يعود إلى ما يُتقنه : الصوت.
يرفع نبرته ليغطّي على فقره المعرفي، ويستبدل الحماسَ بالفهم، لأن الحماس مجّاني والفهم مكلف.
وهكذا يُغلق الخطأ على نفسه دائرةً محكمة : تصوّرٌ خاطئ للوظيفة، يقود إلى فقرٍ في المعرفة، يُخفى بمزيدٍ من الصراخ، الذي يُعمّق التصوّر الخاطئ من جديد. لا يبدأ الإصلاح من داخل هذه الدائرة. يبدأ من كسرها.
ولهذا، حين نصف التعليق العربي بأنه "مأساة"، يجب أن نكون دقيقين في تحديد أين تكمن المأساة.
ليست في اللكنة. اللكنة اختلافٌ، لا عيب. وليست في خامة الصوت، فبعض أعظم المعلّقين لم يملكوا أجمل الأصوات. وليست حتى في الحماس نفسه، فالحماس في موضعه فضيلة.
المأساة في التصوّر.
المعلّق العربي لا يرى نفسه جسرًا بين المباراة والمشاهد. يرى نفسه بطلًا ثالثًا داخل البثّ، يزاحم اثنين وعشرين لاعبًا على الكاميرا. وحين يصير المعلّق هو الحدث، تصير المباراة خلفيةً له، لا العكس.
لذلك، حين نطالب بتعليقٍ أفضل، نحن لا نطلب معلّقًا أكثر حماسًا. نطلب النقيض تمامًا :
معلّقًا أقلّ حضورًا... وأكثر فهمًا.
معلّقًا يثق بأنّ المباراة أهمّ منه، فيتنحّى ليتركنا نراها، ولا يتكلّم إلا حين يملك ما يضيف عينًا لا نملكها.
الفرق، في النهاية، بين تعليقٍ يرافق المباراة وتعليقٍ يشرحها، هو الفرق بين من يضخّ الأدرينالين ومن يمنحك عينًا جديدة ترى بها كرة القدم.
الأول يجعلك تصرخ.
الثاني يجعلك تفهم.
ونحن لم نعد نحتاج إلى من يصرخ نيابةً عنّا. نحتاج إلى من يرى ما لا نراه.