"في سن مُبكر إتحرمت من ( أبي ) لا أنساها، تلك الليلة التي رحل فيها عني ، عندها أيقنت إني كبرت كثيراً ، كبرت عمرًا فوق عُمري ونضجت فيها من شدة ما كان آلماها عميقًا."رحم الله أمواتناً جميعاً
لما حسبتها، لقيتني خسران وخسران أكتر مما كنت متخيّل.
سنين عدّت، وأنا واقف مكاني، ببص على الكل وهو بيمشي، بينما الكل غادرني وأنا لسه مستني.
حاولت كتير أتحرك، لكني اكتشفت متأخر إن كل اللي عملته كان مجرد محاولة طويلة للنجاة، مش للوصول.
كل من حولك يراك قويًا؛ لأنك دائمًا تستمع إليهم بهدوء، وتحتويهم بصمت، وتنصحهم حين تضيق بهم الحياة…
ولا أحد يرى تعبك، ولا يسمع ضجيجك الداخلي، ولا يعرف كم مرة انهرت وحدك، ثم عدت إليهم وكأن شيئًا لم يكن.
اعتادوا منك أن تكون السند، حتى نسوا أنك أيضًا تحتاج إلى من يسندك.
رأوا صمودك، ولم يروا ثمنه… رأوا هدوءك، ولم يعرفوا كم حربًا خضتها بداخلك حتى تصل إليه.
وأقسى ما في الأمر، أن الجميع يظنون أنك بخير… فقط لأنك لم تسمح لأحد أن يرى انهيارك.
ستُرهق حتى لا يبقى فيك ما تدافع به عن نفسك، وستفقد حتى الرغبة في التبرير، وستتقبل أن تبدو المخطئ في أعين الجميع. ثم ترحل بصمت، دون عتابٍ أو غضب، لا لأنك اقتنعت، بل لأنك بلغت من الإرهاق حدًّا لم يعد يترك فيك قدرةً على أي محاولة.
النسخة التي أصبحتُ عليها اليوم غاليةٌ جدًا، ولن أفرّط فيها بسهولة.
هي نسخةٌ كلّفتني سنواتٍ من الصبر، ومواقفَ موجعة، لكنها علّمتني أكثر مما آلمتني.
صنعتها من بقايا خيباتٍ لم أفهم معناها إلا بعد فوات الأوان، ومن وجعٍ أعاد ترتيب روحي، وعرّفني قيمة نفسي كما ينبغي.
لذلك سأحافظ عليها بكل ما أملك؛ فهي لم تأتِ صدفة، بل دفعتُ ثمنها غاليًا جدًا.
اليوم أدركتُ أن بعض المعارك لا ينتصر فيها أحد، وأن الراحة أحيانًا تكون في الانسحاب.
لذلك، أُقِرُّ لكم بأنكم على صواب، وأنني وحدي من يتحمّل كلَّ شيء.
أكمِلوا حياتكم، ولتستمر من دوني…
فقد أعفيتُ الجميع من وجودي، وأعفيتُ نفسي من انتظار ما لن يأتي.
جحودُ الأقربين لا يغيّر نظرتنا إلى الحياة فحسب، بل يسلبنا الطمأنينة، ويزرع في قلوبنا خوفًا لا تصنعه قسوةُ الغرباء. ومنذ تلك اللحظة، نعيش مترقبين الضربة القادمة، لا نعلم متى ستأتي، ولا من أين.
وهكذا نمضي في بقية العمر نحمل أثر الخذلان، ونتعلّم بصمتٍ أن القلوب ليست كلُّها مأوى، وأن بعض الجراح لا يداويها الزمن، بل يعلّمنا فقط كيف نتعايش معها.