مهنة الطبيب: تأمّلات في تشكّل الهوية
تغدو قريباً دفعة جديدة من طلبة الطب إلى مقاعد الدراسة وأروقة المستشفيات، متوشحين معاطفهم البيضاء وفخر آبائهم. إن مررت بهم يومها سترمق في أعينهم براءة البدايات، وما تخفي ابتساماتهم من مشاعر التيه والشك. يسابقون بحرف الدال أسماءهم تفاؤلاً بغدٍ قريب، ومنتشين بإعادة رسم مكانتهم في محيطهم الاجتماعي الصغير.
ولكن رومانسية الأيام الأولى سرعان ما تنجلي، ويأخذ الأمر طابعاً جدياً ومعه تتأرجح هممهم بين "لا أبرح حتى أبلغ" و "لا طاقة لنا اليوم". ومع مرور الأيام تنبعث في دواخلهم تساؤلات في نسق يعرفه جيداً كل من درس الطب، تبدأ من: كيف أصبح طبيباً يملأ صيته الدنيا؟ مروراً بهل هذا حقاً قدري؟ ولا تنتهي عند وجودية "من أنا"؟!
هذه التساؤلات ليست علامة اضطراب، بل هي جوهر ما يُسمى بــ "تشكّل الهوية المهنية"، وهي عملية تحوّل تدريجية تتضمن اندماج القيم والمعتقدات والسلوكيات المهنية بهدف الوصول إلى مرحلة "التفكير والتصرف والشعور كطبيب". هذه العملية تبدأ من مرحلة كلية الطب ولا تنتهي بممارسة المهنة، فهي عملية ديناميكية بمعنى أنها تخضع لبناء وتفكيك وإعادة بناء مستمرين طوال الحياة المهنية.
إن هوية الطبيب لا تُمنح بأمر، بل تتشكل ببطء مع كل لقاء مؤثر بمريض، وكل قدوة تُجارى، وكل خطأ يُتعلَّم منه. والبداية غالباً ما تكون مربكة؛ إذ يصطدم الطالب بفجوة بين صورة الطبيب المثالية في مخيلته وبين واقعه اليومي المليء بالنقص والتعب والمعرفة غير المكتملة. هذا الاصطدام طبيعي، ومن يعرف أنه جزء من الطريق يعبره بطمأنينة أكثر ممن يظنه فشلاً شخصياً.
وفي مواجهة هذا الارتباك الذي يرافق الطالب على امتداد رحلته، قد يظن أن ما سيحميه هو ذكاؤه ودرجاته العالية وحدها؛ غير أن أدبيات التعليم الطبي تكشف عن شيء أعمق من ذلك. فأقوى ما يقي الطالب من الإنهاك النفسي ليس تفوقه، بل شعوره بالانتماء، بمعنى أن يجد له مكاناً حقيقياً بين زملائه وأساتذته، وأن يستشعر أنه فرد من "عائلة" الطب. وعلى النقيض من ذلك، فإن أخطر ما يهدد صحته النفسية هو ذلك القلق الذي يجرّه سؤال لا يهدأ: "هل أنا حقاً في المكان الصحيح؟ هل أنتمي إلى هنا؟".
وهذا الانتماء لا يُصنع بالانغلاق على الكتب ولا بالتنافس المحتدم مع الزملاء، وإنما ينمو حين يجد الطالب معنى فيما يتعلمه، وحين يدرس في بيئة يشعر فيها بالأمان، وحين ينسج مع أقرانه علاقات حقيقية تنضج شيئاً فشيئاً عبر سنوات الدراسة. ومن هنا تأتي أولى الرسائل إلى طالب الطب، بسيطةً وعميقةً في آن واحد، وهي: أرجوك لا تقطع هذا الطريق وحيداً!
وحين يطمئن الطالب إلى انتمائه، ويجد بين زملائه وأساتذته من يسنده، يصبح أقدر على مواجهة نقصه دون أن ينهار أمامه. فالرفقة التي تقيه الوحدة هي نفسها التي تمنحه الشجاعة ليعترف بأنه ما زال يتعلم. ومن هنا تأتي الرسالة الثانية: الطب مهنةٌ لا يُدرَك الكمال فيها دفعةً واحدة، بل خطوةً بعد خطوة. وأنفع ما يحمله الطالب في هذا الطريق الطويل هو ما يسميه المربّون "عقلية النمو"، وهي الإيمان بأن القدرة تُبنى بالجهد والصبر والتعلم المتدرج، لا كونها موهبة فطرية ثابتة يُمتحَن المرء في إثباتها أو يُكشَف عجزه عند غيابها.
عقلية النمو، على جليل أثرها، ليست عصا موسى؛ فالمبالغة في شعار "كل شيء ممكن بالجهد" قد تضر من حيث يراد بها النفع: تغذّي الكمالية ولوم الذات حين يتأخر النمو المنتظَر، وتُحمِّل الطالب وحده وزر كل تعثر. و لذلك فإن الرسالة الثالثة مفادها أن النمو مسؤوليةٌ مشتركة. فليس من العدالة أن نطالب الطالب بأن ينمو وحده ثم نحاسبه وحده على تعثّره؛ فبقدر ما عليه أن يجتهد ويطلب التغذية الراجعة ويعمل بها، فإن على مؤسسته التعليمية والطبية أن تهيّئ له بيئة الانتماء التي يكون فيها طلب المساعدة أكثر أماناً من إخفاء الحيرة. وحين يلتقي اجتهاد الطالب برعاية مؤسسته، ينضج النمو حتى يستوي هويةً راسخة، وهو المنشود هنا.
وهذه المسؤولية لا تقف عند أسوار المؤسسات التعليمية والطبية، بل تمتد إلى المجتمع الذي يرسل أبناءه إلى هذه المهنة. فاعلموا أن الطبيب لا تصنعه الدرجات وحدها، بل يصنعه الوقت والرحمة، وبيئة تتيح له أن يتعلم وينضج. وحين ترون الطبيب الشاب مرتبكاً في بداياته، فتذكروا أنه يعيش مخاض تكوين هويته، ذلك الانتقال البطيء من "ماذا أعرف" إلى "من أكون"، وأن قسوة التوقعات قد تهدم في لحظةٍ ما يبنيه الصبر في سنوات. فالمجتمع الذي يحيط أطباءه المستقبليين بالدعم والثقة، يجني في النهاية أطباء أكثر إنسانية واتزاناً، وأشد حرصاً على سلامة مرضاهم.
وهكذا لا تُصنع هوية الطبيب على عجل، بل تنضج على مهل حين يملأ قلبه المعنى في خدمة الإنسان؛ فإذا استوت لم يعد يسأل "من أنا؟"، لأنه دون أن يشعر صار هو الجواب: في دعاء كل مريض، وضحكة كل طفل، وأثر كل عثرة نهض منها.
سيأتي يومٌ تخفت فيه كلُّ أصوات الدنيا،وينطفئ من حولك ذلك الضجيج الذي استنزف قلبك، وتغادر كلَّ ما ألفتَه ومضيتَ خلفه، متوجّهًا إلى لقاء الله… فردًا، لا تحمل معك إلا ما قدَّمت.
وحينها ستتكشّف لك الحقائق كاملة؛ فكم من معركةٍ ظننتها مصيرية، لم تكن إلا حدثًا عابرًا، وكم من خصومةٍ أرهقت روحك، لم يكن لها في ميزان الآخرة أيُّ وزن، وكم من انشغالٍ سرق أيامك وأبعدك عن الاستعداد لحياتك الحقيقية.
فلا تنتظر لحظة الرحيل حتى تدرك ذلك متأخرًا؛ أدركه الآن، وأنت لا تزال تملك مهلة العمل، وفرصة التوبة، والقدرة على إصلاح ما مضى.
خفّف تعلّقك بما يفنى، واعمُر آخرتك بما يبقى: بصلاةٍ خاشعة، وتوبةٍ صادقة، وقلبٍ نقي، وكلمةٍ طيبة، وأثرٍ من الخير لا ينقطع.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
"ما أكثرك في غيابك، ما أشدّ وضوحك في أشيائك، في أماكنك، في صمت البيت، في فراغ القلب، وفي الوجوه التي تذكرني بك. لستُ وحدي أعيش يُتمًا، كل شيءٍ بعد رحيلك يَتِيمُك.."
على فضل الأب في حيواتنا وعلّو منزلته وكونه سند المرء في دنياه غير أنّ ذكره محدود في السياقات الأدبية والسّرد العام؛ ولذا أرى في نفسي إجلالًا لكل من يجلّ أباه ويباهي به، بل وأعرف قدر المرء بقدر والده عنده، وأستدلّ على الوالد المربّي العظيم من أخلاق ذرّيته، سيّما الرجال في مروءتهم ومعاملتهم، والإناث في بُعد شأوهنّ وحسن إدارتهنّ لحياتهن.
قرأتُ مؤخرًا أبياتٍ وردت على لسان ابنٍ يرثي أباه -رحم الله صفيّه وحفظ من بقي بعين رعايته وغفر لمن اختارهم ربي في جواره-؛ ووددتُ والله لو أنّ أبياته هذه تبلغ الآفاق، وتشعل جذوة النّور في صدر كلّ مقصّر ليرعوي، ويتمتّع بقرب والده ما دام حيًّا💔
«لو أمطرت ذهبًا من بعد ما ذهبا
لا شيء يعدل في هذا الوجود أبا
يا ليتني ما تركت الموت يسبقني
لكنه قدرٌ غالبته غلبا
ما زال في جبهتي من عطر قبلته
مازال يطعمني التفاح والعنبا
مازلت في حجرِه طفلاً يلاعبني
تزداد بسمته لي كلما تعبا
لم يحنِ ظهر أبي ما كان يحمله
لكن ليحملني من أجلي انحدبا
وكنت أحجب في نفسي مطالبها
فكان يكشف عما أشتهي الحجبا
أغفو وأمنيتي سرٌّ ينام معي
أصحو وإذ بأبي ما رُمت قد جلبا
كفّاه غيمٌ، وما غيم ككف أبي
لم أطلب الغيث إلا منهما انسكبا
يا ليتني خاتمٌ في خنصرٍ وكما
قد شئت يا أبتي قلّبته انقلبا
يا ليتني الأرض تمشي فوقها فأرى
من تحت نعلك أني أبلغ الشهبا
مهما كتبت به شعرًا فإن أبي
في القدر فوق الذي في الشعر قد كتبا
يامن لديك أب أهملت طاعته
لا تنتظر طاعةً إن صرت أنت أبا
فالبر قرضٌ إذا أقرضته لأبٍ
يوفيكه ولدٌ والبر ما ذهبا
لا تنتظر موته، صل في الحياة أبا
لا ينفع الدمع فوق القبر إن سكبا»
أُحِبُّ الندوبَ التي
كلَّما أطفأتني الحياةُ
استحالتْ نجوماً
وظلَّتْ تُضيء
فلم أنتبهْ لانطفائي
ولا لعواتمِ ليلي البهيمْ
أُحِبُّ الندوبَ
التي طبَّبتها الحكاياتُ
والشِعرُ
والخاذلونَ
الأُلى آزروني بخُذلانِهم
حينما لم أجدْهم
فصادقتُ نفسي
فطوبى لها من صديقٍ حميمْ!
لـ روضة الحاج 🌸
"كل عام ونحن نكتب عن الجمال والحب والحرية، دفاعا عن حقنا في الحياة..
كل عام ونحن نحاول ألا نفقد قدرتنا على الحب، على العطاء، على الامتنان، على الحنان، على الرغبة في الحياة، على الجمال، على الأحلام، على الدهشة من أصغر التفاصيل "🩵🌱
تفسير السعدي:
﴿يدبِّرُ الأمرَ﴾: في العالم العلويِّ والسفليِّ؛ من الإماتة والإحياء، وإنزال الأرزاق، ومداولة الأيام بين الناس، وكشف الضُّرِّ عن المضرورين، وإجابة سؤال السائلين؛ فأنواع التدابير نازلةٌ منه وصاعدةٌ إليه، وجميع الخلق مذعِنون لعزِّه خاضعون لعظمته وسلطانه.
قبس من تراويح الشيخ د. #عبدالعزيز_التركي
يا من بيدهِ ملكوت كل شيء
ومقاليد كل أمر
يامن لا يشغلهُ داعٍ عن داع،
يسر لنا سُبل الخير، وآتنا سُؤلنا، وألهمنا رشدنا، وأعذنا من شرور أنفسنا ، ورضّنا بما قدَّرت، وارزقنا ما نتمنى عاجلًا غير آجل ، على الوجه الذي تُحبُّ وترضى ، سُقهُ لنا وسُقنا إليه يارب 🤍
1-1-2026
"وتذكروا أن كل الأحلام تتحقق يا أصدقاء، وأن الأحلام التي لم تتحقق، تنازل عنها أصحابها، وتكاسلوا عن السعي لها
لا خيّب الله مساعينا في مناكب الحياة ولا أضاع لنا جهداً ولا حلماً.."