نكتب.
لأن الصمت أحياناً يصبح ثقيلاً على الروح، ولأن الكلمات هي الجسور الوحيدة التي تربط بين عالمنا الداخلي والواقع.
ليس بالضرورة أن يقرأ الجميع ما نكتب، فبعض الحروف خُلقت لتكون مناجاة للذات قبل أي شيء.
ما نُسميه حباً ليس سوى أنانية مقنّعة.. نحن لا ننظر لتفضيلات المحبوب، بل نرغمه على البقاء بجوارنا ليسعدنا. الحقيقة الصادمة: نحن لا نحبّ الآخرين، نحن نحبّ سطوتنا على وجودهم لنسدّ بها ثقوبنا الداخلية.
3/3
وهنا يصبح الكتاب أكثر قسوة مما يبدو:
ربما لا يكون السؤال هل يحبنا الآخر، بل هل نملك نحن القدرة على الحب دون امتلاك؟
"فن الحب" كتاب يستحق القراءة لمن يريد أن يفهم الحب باعتباره فعلا ونضجا، لا مجرد شعور.
1/3
"فن الحب" لإريك فروم ليس كتابا عن كيف تجد الحب، بل عن كيف تتعلم أن تحب.
يرى فروم أن الحب ليس حالة عاطفية نقع فيها، بل قدرة تحتاج إلى نضج ومعرفة وعطاء ومسؤولية.
ولهذا فالوقوع في الحب أسهل كثيرا من الحب نفسه.
2/3
عند فروم، الحب الحقيقي لا يقوم على الامتلاك، بل على الرعاية والاحترام ومعرفة الآخر كما هو.
فالذي يحبك لا يحاول أن يجعلك نسخة تناسب حاجته، بل يترك لك مساحة أن تكون أنت.
الحب الذي يخنق الحرية قد يكون تعلقا أكثر منه حبا.
"الحب لا يملك، ولا يُمتلك، فالحب يكتفي بالحب."
— جبران خليل جبران
ربما يبدأ الحب حين تتوقف عن اعتبار من تحب جزءا من ممتلكاتك، وتدرك أن حريته ليست تهديدا لحبك، بل الاختبار الحقيقي له.
"الحب هو أن تحمي وحدتان منفردتان إحداهما الأخرى، وأن تلامس كل منهما الأخرى وتحييها."
— راينر ماريا ريلكه
ربما لا يكون ال��ب أن نلغي المسافة بين شخصين، بل أن نحترمها. أن يبقى كل واحد منهما نفسه، دون أن تتحول الحرية إلى ابتعاد أو القرب إلى امتلاك.
"كلما أصبحت أكثر هدوءا، استطعت أن تسمع أكثر."
— رام داس
ربما لا نحتاج دائما إلى إجابة جديدة، بل إلى إسكات الضجيج الذي يمنعنا من سماع ما يحدث في داخلنا. حين يهدأ العقل، تبدأ النفس في الظهور.
اللاوعي ليس بئرا للمكبوتات، بل هو منطقة تلتقي فيها المادة الافتراضية بعالم الذات الفعلي. في لحظات الصمت، أو بين اليقظة والنوم، يضعف سلطان العقل وتتحدث النفس بلغتها.
التفكير المفرط ليس قوة للعقل، بل قد يكون سجنا له. نستخدم العقل كأداة، ثم نصبح عبيدا لها حين نعجز عن إيقافها. يجرنا التفكير بين الماضي والمستقبل، بينما النفس لا تتحرر إلا حين تعود إلى الآن.
لماذا وهبنا الله العقل؟ هل وظيفته تنتهي عند الاستدلال على وجوده والإيمان به؟ وماذا ��و أننا استخدمناه فيما يتجاوز وظيفته، فأدخلنا أنفسنا في تيه المادة وتفاصيلها التي لا تنتهي، حتى أصبح العقل الذي أُعطي لنا دليلا سببا في ضياعنا؟
"أكثر أشكال اليأس شيوعا هو ألا تكون نفسك"
— سورين كيركغارد
وربما كان السؤال الأصعب: من الذي يمنعك من أن تكون نفسك؟ أنت، أم العقل الذي أقنعك طويلا أن ما يريده منك هو ما تريده أنت؟
"معرفة الآخرين ذكاء، ومعرفة النفس حكمة"
— لاوتسه
ربما لهذا يبدو الإنسان غريبا عن نفسه؛ فهو يقضي عمره في محاولة فهم العالم، بينما يظل الكائن الأقرب إليه، نفسه، أكثر الأشياء غموضا.