«كاف» في الصيانة
يواجه المواطن «كاف» مشاكل كبيرة في أصابعه الصناعية التي لم تعد تعمل، ورغم طلباته الملحة لقطع الغيار فإن شركائه في مصنع الأصابع الصناعية (المداام والعميل النتن شلومو) لم يسمحوا بذلك، وحركوا شبكة عملائهم العنكبوتية من تل أبيب إلى مضيق هرمز وصولاً إلى المنطقة الحرة في جبل علي لإفشال مساعيه ومنع حصوله على ما يحتاج... فبات «كاف» معاقاً.
اضطر «كاف» إلى البحث عن مصادر بديلة في كوريا الشمالية وروسيا ومنغوليا وقرية أم العصافير جنوب بغداد. وفي آخر المطاف أُجبر على الاكتفاء بحلول محلية. توجه «كاف» إلى كراج في منطقة الشويخ الصناعية وظل منتظراً دوره عند البنشرجي وهو لا يستطيع أن يحك رأسه أو يكش الذباب الذي يتنزه على جبينه، حين سمع من بعيد الصوت الشادي يغني "أهواك وأتمنى لو أنساك" لان قلبه وبدأ يملي على هاتفه رسالة إلى حبيبته الغدّارة الدكتورة «كافه» (المتعلمة المتربية الفاهمة) مفادها ما يلي:
" حبيبتي،
أنا بالكراج،
الحرارة 55 وأصابعي تحرقني،
وأنتِ تسوحين مع عدوي العميل النتن،
وأنا بانتظار قطع الغيار،
ولو أني أتمنى لك السعادة؛ إلا أنني أدعو رب العالمين أن يتوّلى عشيقك النتن شلومو،
عساه يموت موتة كلب أجرب،
أما بعد،
أنا مستعد أغفر لك كل خطاياك وخياناتك،
بشرط أن تحجزي لي غرفة بجوارك في ميكانوس،
وأن تتبرئي من كل الصهاينة،
وأن نخطط لحياة صالحة،
معاً،
على جزيرة قاروه،
لا أعلم إن كانت ستأتيني قطع غيار لأصابعي من كوريا الشمالية أو قرية أم العصافير،
لكن كلي أمل أنك ستستجيبي للقدر،
وتشاركيني الجلوس في الكراج،
أعدك بتوفر الماء، و بَرِّد "صاروخ"
وأبيات من الشعر اللذيذ..."
فردت عليه الدكتورة «كافه» (المتعلمة المتربية الفاهمة):
هبيبي كافي كيوت،
خلك بالكراج،
لايق عليك المكان،
تهنّى بماء البحر،
وما تدري يمكن يجيك درون ويبط رأسك،
أو جرافة بلدية تشلعك -
يسلم عليك شلومو، هبيبي شالوم.
سليمان البسام
https://t.co/WcGJGRVKoY
https://t.co/RVte7KYmA8
أنياب... «كاف»
أصبح المواطن «كاف» أشبه بالكلب. ولا ندري أكان السبب في ذلك قلة النوم، نتيجة انشغاله الليلي بقطع أصابع الناس، أم كثرة الدعوات الحارة واللعنات المتصاعدة من قلوب ضحاياه الأبرياء. لكن المؤكد أن رأسه صار أكثر تربيعاً، وأنفه أطول، وعيناه أضيق، حتى إن العامل البنغالي، حين يدخل صباحاً إلى مكتبه حاملاً القهوة، لا يرى أمامه آدمياً يرتدي دشداشته جالساً خلف مكتب أكبر منه خمس مرات، بل يرى كلباً. فيعوي العامل وهو يقدم القهوة، ويعوي «كاف» رداً عليه.
وفي الآونة الأخيرة، كبرت تجارة مصنع الأصابع الصناعية، وكبر معها غرور المواطن «كاف». لم يعد ذلك الإنسان الساذج، طيب القلب، الذي كان يوماً يعشق الحـ(و)رية ويتغنّى بها، ولم يعد يكترث بمشروع «حيل لعلاج العلل» أو بتقديم النصح للمسؤولين للارتقاء بحال البلاد والعباد. أما اليوم، وبعد النجاح الباهر الذي حققه المصنع، فقد أصبح «كاف» من أصحاب العيار الثقيل: تُفتح له الأبواب، وتفرد له السجادة الحمراء، ويركض خلفه من يحمل له البشت، وآخر يصب له الدلة.
وهكذا صار «كاف» الحاضر نقيضاً لـ«كاف» السابق. بات يرى في تعاسة البلاد، ورداءة التعليم، وسخافة الصحف، وهشاشة الفن، وفشل الرياضة، واستحالة أبسط إجراء إداري، وطفح أسماك البحر، وإبادة الأرانب، واعتقال الغزلان، وخنوع الطيور، وتكاثر الكلاب المسعورة، وانتشار الفئران، وتغذية النميمة، وتسميم الغيوم، وتخوين الأحلام، وتمجيد الكوابيس، وإيقاف قطرات المطر على ذمة التحقيق، … فرصاً ذهبية لمزيدٍ من قطع الأصابع ليلاً، وتوسعة قاعدة الأعمال نهاراً.
والأهم من ذلك أنه لم يعد مقتنعاً بحصيلته المتواضعة من الأرباح الطائلة للمصنع. فقرّر أن يواجه شركاءه، مطالباً إياهم بالتنازل عن بعض حصصهم له، بما يليق بجهوده ومقامه. فدار بينه وبينهم الحوار التالي:
— المــدام: ألووو؟ بونجور؟
— كـــــاف: أنا المدير «كاف».
— المــدام (وهي تغني): وكافٍ وكفكاف وكفي بكفها*
— شلومو: كبر راسك، هاه؟
— كـــــاف: أنا اللي أركض، وأقطع أصابع الناس، وأتلطخ بدمائهم، وأُشتم، ولولاي…
— شلومو: أنت منفّذ مهام فقط.
— كـــــاف: أطالب بحصتي.
— شلومو: حصّتك ستأتيك.
— كـــــاف: متى؟
— شلومو: حين تثبت أنك تستطيع قطع أصابع…
— كـــــاف: لقد أثبتُّ ذلك.
— المــدام (وهي تغني): فكم كم وكم كم ثم كم كم وكم وكم*...
— شلومو: ليس أصابع النساء فقط.
— كـــــاف: ماذا بعد؟
— شلومو: أصابع الرجال.
— المــدام (وهي تغني): وعن عن وعن عن ثم عن عن وعن وعن*...
وهكذا بات «كاف» يترصّد ضحاياه الجدد من الرجال. وبما أنهم — في نظره — قليلو فهم، ولا يؤمنون بمتطلبات الحداثة، فقد أُجبر على استخدام وسائل أكثر بدائية لإقناعهم بقطع أصابعهم. وفي هذه المرحلة بالذات، أفاده كثيراً تشابهه المتزايد مع الكلب فأصبح -عند تعثّر الحجة- يُشهِر أنيابه ويعضّ.
------------------------------------
* من أغنية "تعلق قلبي طفلةً عربية" لهيام يونس.
سليمان البسام
https://t.co/9SBbraFxXh
https://t.co/2J3DJfTMdK
نساء «كاف»
واظب المواطن «كاف» على مهامه الدموية في قطع أصابع الناس. ورغم صعوبة وبشاعة المهام إلا أن «كاف» كان يراها من صميم واجباته كمدير لمصنع الأصابع الصناعية، بل وأنه يؤدي واجبه في تنمية الاقتصاد الوطني. لم يكن «كاف» مجرد منفّذٍ بارع، بل كان أيضاً من طليعة المؤمنين بالمنتَج؛ فهو من أوائل من فقدوا أصابعهم، ويشهد — عن تجربة شخصية — بأن الأصابع الصناعية أكثر احتمالاً لحرارة سِكّان السيارة في عز الصيف، وأقدَّر على فتح معلبات الفول، وأجدى في حالات الدفاع عن النفس، وتربية النشء وحل الخلافات الزوجية فـ طراق من الأصابع الصناعية ليس كطراق من اللحم الطري.
في بدايات مشروعه، وعملاً بتوصية العميل النتن شلومو دشن «كاف» مسيرته مع أمه. اعترضت والدته بشدة قائلة أنها لو فقدت أصابعها الأصلية فلن تعود قادرة على تلمس شعر ابنها. فذكّرها «كاف» -بكل محبة- بأنه أصلع ثم بتر أصابعها، إلا أن شدة بكائها دفعته إلى زيارة سوق الذهب وشراء كفوف ذهبية لها.
بعد ذلك حاول «كاف» توسيع قاعدة زبائنه، فاختار ذات مساء شاباً من الفريج، بدا له مناسباً من حيث البنية، وقابلاً — في تقديره — للفكرة فاستوقفه وهو خارج من المسجد، وأخرج عدّته، وأبلغه ببراءته المعهودة أن المسألة لن تستغرق سوى دقائق، وأن النتائج ستكون مشجعة على المدى الطويل، إلا أن الشاب لم يُشارك «كاف» رؤيته التقدمية؛ إذ شتمه أولاً، ثم ركله، وضربه على رأسه، قبل أن يطارده حتى آخر الشارع وهو يصيح: «اقطع أصابع أمك أول!». فعاد «كاف» إلى بيته ممزّق الدشداشة، ممتهَن الكرامة، واستنتج أن بعض الشرائح ما زالت غير مهيأة لتقبل الحداثة- وتحديداً الذكور دون سن الرشد.
بعد مجموعة من التجارب الميدانية كهذه، توصّل «كاف» إلى قناعة علمية مفادها أن النساء أكثر تقبلاً لرسالته من الرجال. فهنّ أحرص على الستر، وأقل ميلاً إلى الفضيحة، وأسرع مبادرةً إلى تعويض أصابعهن المبتورة بشراء البديل الصناعي قبل أن يشقّ الخبر طريقه عبر المجتمع. ومن هنا، خصّ «كاف» النساء بعنايته، وصار يتعقّبهن بعد خروجهن من الصالونات، والجامعات، والجمعيات، وأماكن العمل.
كان «كاف» يفضّل أداء مهامه في الأماكن العامة لا في الظلام تجنباً لسوء الفهم والتأويلات الرخيصة. فحين يتنكر بزي عامل النظافة كانت مواقف السيارات من أحبّ المواقع إلى نفسه، وعندما يتنكر بزيّ رجل أمن تراه واقفاً عند إشارات المرور... هناك، في الهواء الطلق، وتحت نظر الجميع، كان يشعر أن عمله عمل وطني جبار، وأن نتائجه سيتغنى بها التاريخ.
وبهذه الطريقة وبفضل حماسه، وسرعة يده، وتفانيه، تجاوز الطلب على الأصابع الصناعية قدرة المصنع على الإنتاج فأصبح «كاف»— وشركائه "المداام" والعميل النتن شلومو — من كبار تجار القوم حتى فاقت أموالهم أحلامهم وأفسدت نفوسهم، وبدأت علامات الشقاق تظهر بينهم.
سليمان البسام
https://t.co/hujTX4c6Gt
https://t.co/le6ujPNhyb
«كاف» وقسيمة الميعاد
لم يصدق المواطن «كاف» يوماً نجاح مصنعه للأصابع الصناعية، ولم يخطر بباله أبداً أن ينتهي به المطاف جالساً خلف مكتبٍ أكبر منه بثلاثة مرات، تعلوه لوحة منقوشٌ عليها بخطٍّ كوفيّ عريض: مدير. إلا أن «كاف» كان قد عاش مؤخراً سلسلة من الأحداث شديدة الغرابة… سنحاول إيجازها لكم هنا.
فبعد أن عرض عليه مديره — ساخراً — مكافأته بقسيمة صناعية بعد خطابه المستوحى من خطب الحجاج، تلقّى «كاف» اتصالاً من العميل المزدوج النتن، شلومو، ودار بينهما الحوار التالي:
شلومو: فتّشت عن رقمي في هاتفك؟
كـــــاف: لا أريد محادثتك… أنت سارق فؤادي.
شلومو: ما عليك، فؤادك في نعيم.
كـــــاف: أبي أسوي مصنع.
شلومو: تبي تبيع أصابع صناعية، ها؟
كـــــاف: كيف عرفت؟
شلومو: يبيلك سوق يا «كاف»، يبيلك تخلق طلب.
كـــــاف: وكيف أخلق الطلب؟
شلومو: اعترف أنك تريد استشارة عمّك شلومو…
سكت «كاف» طويلاً، ثم قال: أعترف أني أريد استشارتك.
شلومو: عيد السؤال وقل: عمي.
كـــــاف: كيف أخلق طلب على الأصابع الصناعية… عمي؟
فانفجر شلومو ضاحكاً ثم قال: راح نعلّمك، بس لازم يكون قلبك قوي.
كـــــاف: قلبي وطني، ووطني قوي.
شلومو: تقصّ أصابع الناس.
كـــــاف: نعم؟
شلومو: الليلة تقصّ أصابع أمك.
كـــــاف: أمي؟
شلومو: وهي نايمة.
كـــــاف: يا إلهي.
شلومو: بتصير تاجر أصابع صناعية وإلا طاف؟
كـــــاف: أنا «كاف»، مو طاف.
شلومو: هذا عهدنا فيك.
كـــــاف: وتالي؟
شلومو: كل ليلة تقطع أصابع عشرة من الفريج.
كـــــاف: هذه جريمة!
شلومو: الضرورات تبيح ماذا يا «كاف»؟
كـــــاف: المحظورات.
شلومو: شاطر.
كـــــاف: بس ما عندي مقص ولا منشار، وما عندي لباس أتنكّر به.
شلومو: لحظة… في وحدة تبي تكلمك.
وهنا أعطى العميل النتن شلومو الهاتف إلى حبيبة «كاف» السابقة، الدكتورة «كافه»، المتربية الفاهمة،
فقالت: «كاف»، هبيبي، ألقاك بالجمعية يا أُومري؟
كـــاف: ليش عربيتك غريبة؟
كـــافه: لا مو غريبة، بس شلومو يهب جذييييه… هيهيهه!
في اليوم التالي، ذهب «كاف»— كعادته — لمراجعة مديره في الحملة الوطنية «طفح الكيل»، ودار بينهما الحوار التالي:
المدير: اقعد يا «كاف».
كـــاف: قعدت. آمر.
المدير: سمعت أن عندك شريك أجنبي واصل.
كـــاف: واصل وين؟
المدير: عموماً، مصنعك جاهز.
كـــاف: ما أصدق!
المدير: وتمويلك جاهز.
كـــاف: قول والله!
المدير: تحطّ نصف الشركة باسم زوجتي-
كـــاف: منو زوجتك؟
المدير: المدام.
كـــاف: والنص الثاني؟
المدير: باسم شلومو.
كـــاف: وأنا شَبقالي؟
المدير: أنت مدير، ولك نسبة من المبيعات.
كـــاف: موافق.
وهكذا أصبح «كاف» يجلس خلف مكتب أكبر منه بثلاث مرات، يُصدِّر أصابع صناعية لكل بيت، وأحياناً ينام على سطح المكتب نهاراً، نتيجة شدّة انشغاله ليلاً مع السكاكين والمناشير واللباس التنكّري… إلخ إلخ إلخ إلخ... في بلادٍ بات ما يعيشه «كاف» فيها من عبثٍ... غيضٌ من فيض.
سليمان البسام
https://t.co/pImVcH3g7C
https://t.co/3kAaacobrP
«كاف» والحَجاج*
منذ تولّيه منصبه الجديد قائداً للحملة التوعوية الوطنية «طفح الكيل»، صار المواطن «كاف» كثير الهمّ. يمضي ساعات طويلة وهو يفكّر كيف يرصد التأفف والسلبية في المجتمع، ثم كيف يهدّئهما. احتار «كاف» أمام حجم المعضلة، وحتى مساعده الرقمي بات يكرر حلول لا جدوى منها إلى أن وصل الأمر بـ «كاف» أن يتهرب من اتصالات مديره تجنباً للإحراج. ومن ثِقل هذي الهموم وقع «كاف» كعادته في نومٍ عميق، وفي منامه رأى رجلاً مخيفاً ينظر إليه بازدراء، وعرف أنه الحجاج ابن يوسف، فارتجف «كاف» خوفاً، ثم رآه خاطباً في جمعٍ من الناس قائلاً:
"أيها الأوباش والغوغاء،
نحن لكم بالمرصاد.
نرى من يقفل سيارته،
ومن يطفئ ليتاته،
ومن يتعاطف مع الأوغاد ويترحّم على أمواتهم،
ومن يعدّ النمل سراً،
ومن يستغلي سعر الزبيدي،
ومن يُفتي فيما لا يعنيه،
ويعنيه ما يُفتى به،
ويسأل من لا يُسأل،
ويتقرب من المقرّبين،
ويتسلّق الأسوار،
ويحلم بالكافيار،
وكلُّ من ظنّ نفسه هامور،
أو هارب من القرقور،
وكلُّ من جرّب حظّه،
ومن لا حظّ له- طاح حظه!
فاحذروا يوم الصاخَّة الإدارية، يوم تُبعثر الجيوب والدفاتر، وتُنشر القوائم، ويُسأل المرء عمّا أخفى وما أعلن، ويوم تَبيضُّ وجوهُ المصفّقين وتسودُّ وجوه المتنهّدين. فلا تقولوا: لم نُنبَّه. ولا تقولوا: كنّا غافلين. فقد قامت عليكم الحجة، وجاءكم البيان، ووُضعت الأوزار، ومن ثَقُلت عليه كلمته فليملأ فمه بالماء ... انتهى البيان".
استيقظ «كاف» و دوَّن ما أتاه من سفاح بني أمية وأرسله لمديره، و في اليوم التالي تمت مكافأته بدرع made in China، ووعده مديره بتخصيص قسيمة صناعية، ففرح «كاف» وبدأ يخطط لمشروع مصنع أطراف صناعية، وأخذ يفتش في هاتفه عن رقم العميل النتن «شلومو» الذي سبى حبيبته وقتل فؤاده.. قائلاً لنفسه: الضرورات تبيح المحظورات.
--------------------------
* الحجاج بن يوسف الثقفي قائد عسكري أموي شهير.
سليمان البسام
https://t.co/3KT00QCKFo
https://t.co/K35xZ3uzj7
«كاف».. و «طفح الكيل»
فشلت مساعي المواطن «كاف» في أداء فريضة الحج، لأسبابٍ يتحفظ على ذكرها. فعاد إلى البيت، وعلّق إحرامه الناصع البياض، ثم جلس.
لاحظ «كاف» أنه في الآونة الأخيرة صار يشعر بالضجر، خصوصاً منذ خروج أخيه «لام» من المنزل. وكان شعوره بالملل وانعدام الفائدة يتزايد يوماً بعد يوم. ففكر أن يحدّث طلب التوظيف في القطاع العام، لعل الوظيفة تخفف عنه، وتوفر له دخلاً يسدّ به حاجات بيته خاصةً بعد أن توقفت مخصصات وإعانة والدته الأرملة لأسباب لا يود الخوض فيها.. فكان ذلك.
ذهب «كاف» إلى مقابلة عمل لدى الجهة المعنية، ودار الحوار التالي:
المسؤول: لماذا تريد أن تتوظف؟
كــــــــاف: للتغلّب على الملل.
المسؤول: ماذا يعني أن تكون موظفاً؟
كــــــــاف: أن أبصم أول الدوام.
المسؤول: وبعد؟
كــــــــاف: أبصم في منتصف الدوام.
المسؤول: وبعد؟
كــــــــاف: أبصم في نهاية الدوام.
المسؤول: ما أهم سمات الموظف الناجح؟
كــــــــاف: حسن المظهر.
المسؤول: وبعد؟
كــــــــاف: لباقة الحديث.
المسؤول: وبعد؟
كــــــــاف: ألاّ يتفلسف.
المسؤول: وما معنى أن يتفلسف؟
كــــــــاف: يعني إذا ما يعرف، يقول: ما أعرف.
المسؤول: وأنت ماذا تعرف؟
كــــــــاف: ولا شيء.
المسؤول: كمبيوتر؟
كــــــــاف: شوية آيباد.
المسؤول: كتابة؟
كــــــــاف: ما عندي أصابع.
المسؤول: وما الوظيفة المثالية لك؟
كــــــــاف: يصير أقول وزير؟
المسؤول: غيره.
كــــــــاف: ... بواب؟
مرّت بضعة أيام، و«كاف» ينتظر نتيجة مقابلته. ثم أبلغوه بموعد ثانٍ. ومن شدّة حماسه، ارتدى دشداشته بالمقلوب، ونسي عقاله. وحين دخل على المدير، دار بينهما الحوار الآتي:
المدير: المواطن «كاف»؟
كـــاف: (بصراخ) حاضر سيدي!
المدير: اخفض صوتك، مو تجنيد.
كـــاف: أمرك، طال عمرك!
المدير: درسنا وضعك.
كـــاف: تمام.
المدير: إمكانياتك غير عادية.
كـــاف: معلوم.
المدير: أنت إنسان وطني.
كـــاف: حيل!
المدير: اخترناك لتقود حملة توعوية وطنية بعنوان «طفح الكيل».
كـــاف: «طفح الكيل»؟
المدير: بالضبط.
كـــاف: ما المطلوب؟
المدير: رصد وتهدئة جميع مظاهر التأفف والسلبية داخل المجتمع.
كـــاف: عمل جبّار!
المدير: لا تتفلسف.
كـــاف: قصدي إن شاء الله أكون قدّها.
المدير: لو ما كنت قدّها لما وقع الاختيار عليك.
كـــاف: طيّب، في ميزانية؟
المدير: ما في ميزانية.
كـــاف: طيّب، في موظفين؟
المدير: أنت قائد الحملة، ومعك مساعد رقمي.
كـــاف: فوق الممتاز. ألديّ مكتب؟
المدير: تعمل عن بعد عبر الآيباد.
كـــاف: وإذا خلص شحنه؟
المدير: الوطن ما يخلص شحنه.
كـــاف: عظيم. أحضر اجتماعات؟
المدير: نحن نراقبك، ونخبرِّك.
كـــاف: ومنو يراقبكم؟
المدير: لا تتفلسف.
كـــاف: العفو. قصدي، ما أهداف الحملة؟
المدير: القضاء على شعور السلبية والاستياء بجميع أنواعه.
كـــاف: حتى المكتوم؟
المدير: خصوصاً المكتوم.
كـــاف: إن خلّيت واحد بس، واحد، ما يطقّ أصبع ويرقص يومياً من الفرح، ماني كفو!
المدير: أنت أكيد كفو يا «كاف».
فابتسم «كاف» ابتسامة فخر، وسرى فيه الزهو.
غير أن المواطن «كاف» لا يعرف التأفف ولا الاستياء قط، فقرّر أن يستشير مساعده الرقمي في كيفية رصد تلك المظاهر السلبية: من التأفف، واللعنات، واليأس الذي تُخفيه القلوب ويهدد استقرار الوطن ويؤرّق نوم المواطن الخفير «كاف».
وإليكم ما توصلا إليه في المقال القادم.
سليمان البسام
https://t.co/GKMq9Zydwn
https://t.co/VPN6fTgvRs
بين «كاف» و «طاف»
عاش «كاف» أياماً عصيبة وهو محتار بين الاستمرار في دنياه باسمه الحالي، أو أن يطوي صفحة ذلك المواطن المسكين ويغيّر مصيره بتسمية حاله المواطن «طاف»— تيمناً بتوصية حبيبته الغدّارة. وبعد تفكيرٍ عميق، اكتشف «كاف» أنه يعتزّ بإنجازاته — على تفاهتها — ويفتخر بما تبقّى من نفسه، على الرغم من فقدان معظم أسنانه على جبهات الحب المستحيل، وجميع أصابعه ضحيةً لمؤامرات العميل شلومو ومكر الجرّاح الفذ. وفي صدارة ما ينوي الحفاظ عليه مخطوطته البارعة: «حِيَل لعلاج علل البلاد والعباد»، التي تحتوي — في نظره — على دررٍ وهوامش قيمة، وتوصيات ذهبية لكبار المسؤولين، من شأنها — لو نُفِّذت — أن تُخرج بلاده من النفق المظلم الذي وقعت فيه.
وفي المقابل، كانت إغراءات إعادة تسمية نفسه والانبعاث باسمٍ جديد كثيرة. فـاسم «طاف» يومئ إليه كصفحة بيضاء، خالية من الانتكاسات، لم يأكل عليها الدهر ويشرب. كما أن كلمة "طاف" تحتوي على ثلاثة أحرف سحرية توحي لعقل «كاف» الصغير بانطفاء الكهرباء في عزّ الصيف، وطفو الأسماك في الجون، وإطفاء نيران الفتنة، وغيرها من صور تذكّره بمشاهد طفولته، بل ويوميات بلاده. أضف إلى ذلك بعض الاعتبارات الانتهازية التي لطالما راعاها «كاف» سراً... إذ لا يرى اليوم بصيص أمل في أن يُنصَّب وزيراً، بينما اسم «طاف»— بما يحمله من وزنٍ وأصالة ووقار — قد يلوِي ذراع الحظ، فيحالفه أخيراً.
وهكذا عاش «كاف» حالةً من الازدواجية المريعة. لم يعد قادراً على تحديد انتمائه، أهو «كاف» أم «طاف»، أهو من أهل النار أم من أهل النهار، ولا يعلم إن كانت أوراقه الثبوتية صالحة أم طالحة. وحين رأت أمّه حاله المزرية وقد استفحلت، حشدت له جيشاً من قارئات الفال، وشيوخ الاستخارة، وعلماء الموس والكؤوس، لكنهم خرجوا كما دخلوا حائرين.
غير أن أم أحمد ضاربة الودع المسنة تنهدت تنهيدةً عميقة وهي تستجمع حوائجها ثم أنشدت:
«دواؤك فيك وما تشعر *** وداؤك منك وما تُبصر
وتحسب أنّك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر» *
وقع هذان البيتان على مسمع «كاف» كالصاعقة، فرددهما مرةً، ثم أخرى، ثم شعر — لوهلة — أن كل ما فعله في حياته لم يكن سوى تطوافٍ واسع حول هذين البيتين القصيرين. لقد طاف بحثاً عن العلة في البلدان، وفي الجيران، والخدم، وفي الأسماء، وفي شلومو، وفي الجراح الفذ، وفي أصابع الناس وأسنانهم وأصولهم، ولم يخطر له إلا الآن أن أصل البلاء قد يكون متطيفاً فيه.
فقرّر «كاف» على الفور أن يحجّ إلى بيت الله الحرام، لعلّ الطواف حول بيت الله أرحم من الطوفان الطويل حول نفسه، ولعلّ ربّ العالمين يفتح له باباً يخرجه من دهاليز عقله المشلول ومصيبته المتفاقمة.
فجمع ما تبقّى منه، وتهيّأ للسفر، وهو لا يدري: أيسافر إلى الحجّ… أم إلى آخر نسخة ممكنة من نفسه!
-----------------------------
* بيتان منسوبان لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
سليمان البسام
https://t.co/Kp5I8tK01Y
https://t.co/7TfIN3PMD5
نهاية «كاف» وبداية «طاف»
يعلم المواطن «كاف» أن طاعة ولي الأمر — كما بر الوالدين— من المُسلمات التي لا جدال فيها، لا سيما في أوقات الشدائد. لذلك لا يمكنه أن يعارض أمه مثلاً حين قررت أن سبب اختفاء ابنها داخل دهاليز البيت —بعدما صعد الدرج متجهاً إلى داره— يعود إلى مخططٍ آثم نفذته عصابة طاقم المنزل؛ أي العمالة المنزلية.
ولذلك أيضاً لا يمكن لـ «كاف» حتى أن يتفوه بـ «تأ» حين طلبت والدته رجال الشرطة، وطالبتهم باعتقال الطاقم وتسفيرهم جميعاً على الفور، بتهمة اختطاف وحبس ابنها المحبوب. ووفقاً للائحة اتهام والدة «كاف» فإن العصابة مؤلفة من: راجو السائق الهندي «الذي يقضي وقته في النوم والتسكع مع حبيبته الخادمة مارتيز الفلبينية «سارقة التراجي»، والطباخ السريلانكي سومودو «الذي يبيع أرز التموين سراً لجماعته».
والحال أثناء هذه الأحداث المريعة أن «كاف» المسكين كان جالساً في داره؛ يستمع إلى كل هذه التفاصيل عبر المتاهة العجيبة التي صنعها بأصابعه الصناعية، والتي توصل له الأخبار دون أن توصل صوته. فقرّر «كاف» أن يتصرف، وأن يستخدم أصابعه الفذّة لاستحداث فتحات في الجدران، علّه يخرج بأي طريقة من تلك المتاهة اللعينة التي صنعها لنفسه.
وبينما هو منغمسٌ في ذلك؛ يرن هاتفه فجأة. كانت المتّصلة الدكتورة «كافه»— حبيبته ومالكة فؤاده، فردَّ بحماس، ودار بينهما الحوار الآتي:
كاف: حبيبتي؟
كافه: طل!
كاف: اشتقت لك.
كافه: شلومو يسلم عليك.
كاف: من شلومو؟
كافه: ولو؟ شلومو حبيبي وحياتي وخطيبي، و-
كاف: فيها بعد «و»؟
كافه: وقريباً زفافنا.
كاف: أتريدين قتلي؟
كافه: بالعكس، أريد انقاذك.
كاف: كيف؟
كافه: أصابعك لن تنفعك قبل أن…
كاف: قبل أن؟
(فاصل موسيقي رومانسي... يتلذذ به «كاف» قبل أن... تخبره «كافه» أن هذه رنة تلفونها الثاني وأن شلومو يتصل بها)
كافه: ... تتخلص من جميع أسنانك.
كاف: فدوة لك.
كافه: وتتخلص من كل طاقم منزلك.
كاف: تم.
كافه: وتتخلص من كل أصحابك.
كاف: ليس لدي أصحاب أصلاً.
كافه: وتعتذر من شلومو.
كاف: أعتذر من عدوي؟
كافه: وتبوس يده.
كاف: قبلة الموت.
كافه: كيفك. طاف.
وبهذه الكلمة اليومية، القصيرة، الموجعة «طاف» انتهى الاتصال وقُطع الوصال بين «كاف» وحبيبته «كافه». فأخذ «كاف» يبكي، ثم بدأ يعضّ أصابعه الصناعية من شدة الجوع، ويلتهمها واحداً تلو الآخر، حتى شبع، وأصبح مُشوه اليدين، وفجأة رأى عموداً نحيلاً من النور يتسلّل إلى غرفته المظلمة، فعرف أن المتاهة التي صنعتها أصابعه بدأت بالتلاشي، فاستمر «كاف» ينهش ما تبقّى من أصابعه الصناعية حتى آلمه بطنه، واحتفاءً بخلاصه من المتاهة قرر أن يأخذ كلمة حبيبته الأخيرة بصيغة وعد ويخلدها، وأن يُطلق على نفسه اسماً جديداً يحمله من الآن إلى آخر أيامه: «المواطن طاف».
سليمان البسام
https://t.co/nBuqZqWKAQ
https://t.co/obxfsgF0yQ
متاهة «كاف»
لم يعد المواطن «كاف» يستحسن جيرانه، خصوصاً منذ تعليق الدراسة الحضورية في المدارس، إذ بدأ أولاد الجيران يربّون الأفاعي، وينصبون الأفخاخ لصيد العصافير في الحديقة، ويشعلون «الجرّاقي»، وينبحون ليلاً كالكلاب-أجلكم الله- ويموؤون نهاراً كالقطط المُبتلاة، ومن شدة اعتمادهم على أكل المطاعم والتوصيل المنزلي صاروا يجمعون الزبالة في الشارع وكأنهم يبنون جبل مون بلانك الشهير الواقع على الحدود الإيطالية الفرنسية.*
فكر «كاف» أن يفتح حواراً مع الجيران، إلا أنه لم يستطع أن يبرر ذلك. أدرك «كاف» أنهم — من حيث الظاهر — من أهل الفريج، لكنه لم يعد قادراً على الجزم بمن يكونون حقاً. ولوحظ في الفترة الأخيرة أن «كاف» بدأ يشكك في جميع جيرانه بلا استثناء. فقرر عِوضاً عن الحوار أن يبني سوراً داخل حدود منزله، وشرع يشيد سوراً عالياً متيناً، يحميه من إزعاج الجيران وخطورتهم.
وما إن انتهى من تشييد السور الكبير حتى لاحظ أن سلوك العمالة المنزلية وروائحهم يزعجانه جداً. وبما أنه لا يستطيع التخلص منهم (لأسباب بديهية) قرر أن يبني سوراً ثانياً داخل البيت، وتحديداً في الصالة. وحين اعترضت والدته بأن الصالة أصبحت ضيقة، وأنها لن تعود قادرة على مشاهدة التلفاز، قال لها «كاف»: «ارفعي الصوت، ما في داعي للصورة» إلا ان والدته لم تقتنع حتى أُجبر «كاف» على إنهاء الجدال ببيت شعرٍ لعنترة قائلاً:
لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ
بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ
وبعد الانتهاء من السور الثاني داخل الصالة، صعد «كاف» إلى غرفته ليرتاح قليلاً. إلا أن عادة والدته في متابعة محطات تلفزيونية مشبوهة دفعت «كاف» إلى التفكير في تشييد سور ثالث داخل داره. فبدأ البناء على الفور، وبفضل حماسه الشديد وبراعة أصابعه الصناعية الجديدة، لم تمضِ ساعات قليلة حتى أغلق بإتقان جميع النوافذ والمخارج، بل وبنى بدل الجدار الواحد جدراناً متعددة، بحيث تحول منزله إلى متاهة يستحيل الدخول إليها أو الخروج منها إلا بخريطة وفانوس.
ولم تمضِ ساعات قليلة حتى بدأ «كاف» يشعر بالجوع الشديد. فأخذ ينادي دون جواب وراح يبحث عن المخرج بلا جدوى. و بهذه الطريقة بقي «كاف» داخل متاهته، لا يأكل ولا يشرب، يردد فقط اسمه منادياً: «كاف… كاف… كاف…»... وينصت إلى صدى الحروف الثلاثة، وهي تتضاعف: ثلاثة، ثم ستة، ثم اثنا عشر، ثم أربعة وعشرون… وتتكرر إلى الأبد داخل المتاهة العجيبة التي صنعها بيديه الجديدتين.
***
حاشية:
* يتوجب علينا هذا الإيضاح الجغرافي حول جبل مون بلانك، والذي قد يراه البعض تكلفاً، إلا أنه يبدو لنا ضرورياً نتيجة صعوبات السفر وانخفاض مستويات التعليم العام الناتجة عن الظروف الراهنة.
كما أننا نود أن ننوه أن الإشارة إلى المعجزة الطبيعية التابعة للدولتين الصديقتين فرنسا وإيطاليا ومقاربته بجبل النفايات في شارع محلي افتراضي لا يهدف إلى الإساءة للدول الصديقة أو تعكير صفو العلاقات معها. ويهمنا أن نعبر عن كامل تقديرنا لأجبانهم اللذيذة وملابسهم الفاخرة وسياراتهم الفخمة وطائرتهم الحربية وكل ما يربطنا بهم.
كما يهمنا بيان أن فعل بناء الجدران والأسوار التي يقوم بها بطلنا ليست إشارة مبطنة إلى أي أحداث تاريخية محلية، وأي تشابه معها هو من محض الصدفة وسوء الحالة العقلية للبطل نفسه.
كما نود إدانة طريقة تعامل هذا المواطن ناقص العقل مع والدته، وكل ما بدر منه من تعالٍ وعنصرية تجاه العمال الأجانب، كما أن لدينا شكوكاً جدية في أن الشهادات التي يدعي امتلاكها مضروبة وجارٍ التدقيق بها، رغم ادعاءه الثقافة و ترديده لشعر عنترة.
كما ندين كذلك علاقته المشبوهة مع المدعو الجراح الفذ واهب الأصابع الصناعية، ولا نستبعد -وإن كنا لا نطعن في النوايا- أن يكون «كاف» على تواصل مع جهات خارجية مشبوهة، ونرصد عن قرب تحركاته بحثاً عن المزيد من الأدلة، وتمهيداً لتقديم ملف كامل للسلطات المعنية، خصوصاً بعد تشكيكه في أبناء فريجه وقطيعته معهم، وتعنيفه لأطفالهم لفظياً.
سليمان البسام
https://t.co/HV0Z4sxYd9
https://t.co/aHylYModL4
«كاف» و العرفج
وقف المواطن «كاف» أمام الكاميرا، يبتسم كالمشدوه، حين قال له المخرج:
«لا تبتسم، لو تكرمت. أنت أصلاً ما عندك ضروس».
فأغلق «كاف» فمه، واكتفى بابتسامة خجولة لم يستطع محوها.
فاليوم، «كاف» مدعو للمشاركة بدورٍ بطولي في فيلم إعلانيٍ وطني، يتمتع بوسائل إنتاج ضخمة نتيجة حملة واسعة جمعت تبرعات مالية سخية من جميع أعيان البلد. قال له المخرج:
«انتظر الإشارة مني، ثم ادخل المشهد وتوجه صوب البيت، وافعل ما قلت لك».
هزّ «كاف» رأسه، فهو حافظٌ دوره عن ظهر قلب، وهو يعلم أن البيت بابه مخلوع، وأن البيت وطن وبابه وحدة أهله. ورسالة الفيلم أن يدخل البطل حاملاً بيده درنفيساً أزرق، ثم يثبّت براغي الباب ويعيده إلى وضعه المستقيم. وكان «كاف» يعي أيضاً أن فعل «شدّ البراغي» واجب وطني نابع عن الحب. ولكم أن تتخيّلوا مقدار الفخر الذي كان يملأ صدر «كاف» في تلك اللحظة.
ثم صاح المخرج:
«أكشن!»
وبدأ المشهد. وفجأة انفجر البيت، وطارت شبابيكه، وسقط سقفه، وانهارت جدرانه، ولم يبقَ منه سوى الباب المخلوع. عندها أشار المخرج إلى «كاف» أن يدخل. فتقدّم نحو الباب، وأخذ الدرنفيس الأزرق، وبدأ يثبت البراغي بكل ما أوتي من قوة، حتى استقام الباب منتصباً. وما أن استقام، حتى بدأت زهور العرفج الصفراء تتساقط من كل صوب، وراح الحمام الأبيض يحلّق في كل اتجاه.
هنا — رغماً عنه — ابتسم «كاف» ابتسامة عريضة، وكشف فمه الخالي من الأسنان.
فصرخ المخرج:
«كات!»
ودار بينهما الحوار التالي:
المخرج: ألم أحذّرك من الابتسامة؟
كاف: نعم، ولكن العرفج والحمام يفرحان قلبي…
المخرج: ولك وجه تبتسم به أصلاً؟
كاف: أسناني ذهبت فداءً للحب.
المخرج: حبتك القرادة إنشالله.
كاف: سؤال لو سمحت، مخرجنا.
المخرج: آخر سؤال!
كاف: لماذا فجّرتم البيت؟
المخرج: ليَنهار.
كاف: ولماذا ينهار؟
المخرج: ليفهم المشاهد رمزية الباب طبعاً.
كاف: أليس البيت وطناً؟
المخرج: وما هو الباب إذاً يا أبله؟
كاف: كيف يكون للباب رمزية من دون البيت الذي…
المخرج: آتوني بكومبارس آخر. واحد يفهم، وعنده أسنان على الأقل!
وهنا دمعت عينا «كاف». حاول أن يمسح دموعه، لكنه لم يكن قد اعتاد بعد على أصابعه الصناعية الجديدة — وهي من ابتكار الجرّاح الفذ: جلدها عربي، وذكاؤها من صُنع الكيان - فلم يستطع أن يهتدي إلى الدمعة وهي تسيل على خده.
وبينما كان جيش الإنتاج منهمكاً في إعادة ترميم البيت، وجمع الحمام، والبحث عن كومبارس آخر، ظلّ «كاف» وحده، يبكي محتاراً.
سليمان البسام
https://t.co/GR2cAw3YtP
https://t.co/HFfDrayncw