سيلفيا بلاث: قاموس الكآبة والموت
تنتمي مفرداتُ الشاعر إلى عالمه التجريبيّ، وتظهر فرادته بمقدار ما تنجح لغته في إقناع القارئ بجدارة التجربة.
في الثامنة من عمرها بدأت الحكاية بموت أبيها، وانتهت حين اختارت وضع حدّ لحياتها في الثلاثين، بعد محاولات انتحار سابقة، ودخول متكرر إلى المستشفى، وخضوع للعلاج ال��فسي.
وبين العمرين صاغت شعرًا مشتعلًا بالعاطفة والصور الصادمة والصادقة، نقلت من خلاله الأبعاد الداخلية لنفس مكتئبة ظلّت تراودها فكرة إنهاء حياتها.
لم تكتب بلاث عن الموت كما يكتب عنه شاعر يتأمله من الخارج، أو حكيم يعظ تلاميذه؛ لقد عرفته حقًا من الداخل: فكّرت فيه، واختارت أدواته، واقتربت منه، وأُنقذت، ثم صمّمت على إعادة المحاولة.
لذلك تكوّن في شعرها قاموس شديد الخصوصية: الممرّضات، والثياب البيضاء، وسرير نقل المرضى، والتخدير، وسيارة الإسعاف، وغازات الاختناق، والجسد، والرماد، والإنقاذ.
لا أذكر أنني قرأت شاعرًا يُدخل «أول أكسيد الكربون» في قصيدته بهذا ��لحضور المقلق. يظهر عند بلاث، لا بوصفه مصطلحًا علميًا دخيلًا ��لى الشعر، بل مفردةً طبيعية تنبثق من عالمها. تراه في الغيوم، وتشبّه به الرسائل البيضاء الخانقة، وتتخيّل استنشاقه برفق.
لم يكن الموت عندها استعارةً بلاغية؛ بل معرفةً حميمة بالمادة التي تصنعه.
وفي قصيدة «زهور التوليب» تدخل بلاث المستشفى، ثم ترغب في أن تستلقي في البياض، بهدوء لا يقطعه إزعاج؛ لكن الزهور الحمراء التي جاء بها الزائر تصبح مصدر إزعاجها. تحقد على حمرتها الصاخبة، وتشعر بأنها بدأت تراقبها وتلتهم هواء الغرفة.
ما الذي ينتظره القارئ من مريضة أمام باقة ورد يؤتى بها إليها؟ بلاث لا تكتب ما ننتظره. الزهور عندها ليست جمالًا، بل اعتداء من الحياة على رغبة ب��يطة في السكون والاختفاء.
هذه صورة لا يكتبها على هذا النحو إلا من عرف كيف يمكن للجمال، في ذروة الاكتئاب، أن يصبح مؤلمًا.
وفي «السيدة لازاروس» تقول ما معنا�� إن الموت فن، مثل كل شيء آخر، وإنها تتقنه على نحو استثنائي. ثم تستعيد محاولاتها كما لو أن لها دورة زمنية: مرة كل عشر سنوات.
وفي «أبي» تمتزج المحبة بالكراهية. تكره أباها لأنه مات وتركها طفلة، وتحبه وتصلّي لاستعادته، ثم تقول إنه كان ينبغي لها أن تقتله. وحين تكبر تصنع رجلًا على صورة والدها وتتخذه زوجًا، ثم تجد، حين تحاول قتل صورة الأب داخلها، أنها تقتل رجلين معًا: الأب والزوج؛ صورتين لجرح واحد لم ينتهِ. لعلها رغبة داخلية في التحرر من السلطة الأبوية، وقد عادت إليها في صورة أخرى.
لا تتكرر هذه التجربة كثيرًا في الشعر. فكثيرون يعانون، وقليلون يستطيعون رؤية ما يجري في أعماقهم، وأقلّ منهم من يملكون الشجاعة لكتابته. أما الذين يحوّلون تجربة نفسية عميقة وخطيرة إلى لغة باقية، فنادرون حقًا.
نحن نخفي الحقائق عن قصائدنا، ونكتب شعرًا تجميليًا وترقيعيًا. ننتقي من داخلنا ما يصلح للعرض أمام المجتمع، ونهذّب الألم والكراهية والرغبة، ونجامل القارئ، ونحافظ على سمعة كاذبة. نكتب أنفسنا كما نحب أن يرانا الآخرون، لا كما نحن.
سيلفيا بلاث لم تفعل ذلك. لم تجامل نفسها أو قارئها، ولم تكتب ما يليق بصورة المرأة والأم والزوجة، بل كتبت ما وجدته في أعماقها، مهما كان قاسيًا أو مخيفًا.
لم تكن فرادة بلاث في أنها عانت ما لم يعانه أحد، بل في أنها امتلكت الشجاعة واللغة لتكتب ما يعانيه كثيرون ولا يستطيعون البوح به.
لم تكتب عن الموت فحسب؛ بل منحتنا لغةً لا تُنسى لما كان يعذّبها ويقتلها كل يوم.
متفقان تمامًا.
لكن أليس في تاريخ قصيدة النثر العربية، منذ بدايات محمد الماغوط وأنسي الحاج وغيرهما، وصولًا إلى يومنا هذا، وبعد نحو سبعة عقود أو ثمانية، مثالٌ واحد على الأقل لقصيدة نثر تتوافر فيها الخصائص الشعرية؟ أظن أننا سنتفق من جديد على أن الأمر لا يقتصر على مثال أو مثالين، بل إن هناك نماذج كثيرة امتلكت من عناصر الشعر وجمالياته ما يجعل انتماءها إليه غير محتاج إلى برهان.
وهنا يبدأ سؤالي الحقيقي: لماذا لا نجد هذه القصائد تُقرأ وتُتداول بالجدية نفسها التي تُقرأ بها القصيدة الكلاسيكية؟
منذ سنوات، أنشر على صفحتي وأعيد نشر بعض تلك القصائد، وأشير إلى ما فيها من جماليات، وإلى لغتها وفرادتها، بل وإلى ما أراه أحيانًا من عبقرية وتميّز فيها. وأذهب أبعد من ذلك فأقول إن في قصيدة النثر العربية نماذج لا تقل قيمةً عن نماذج قصيدة النثر المكتوبة في لغات وثقافات أخرى، بل قد تتفوّق على بعضها.
وأزعم أنني أجيد قراءة قصيدة النثر وتذوقها، كما أجيد قراءة امرئ القيس والمتنبي ونزار قباني ومحمود درويش وتذوق شعرهم. ولا أرى في هذا أي تناقض؛ فالأشكال تتعدد، بينما تظل القدرة على التقاط الشعر، حيثما كان، هي الأساس.
لذلك فإن القول إن قصيدة النثر العربية لم تنجح حتى اليوم في ابتكار لغة شعرية قادرة على اجتذاب القارئ، أو أنها لا تزال، بعد كل هذه العقود، ومئات الشعراء وآلاف النصوص، مطالبةً بإثبات وجودها وشرعيتها، يقع في ما أسميه الظلم الذي تمارسه الأحادية في حق التعدد؛ ذلك الإفراط في التعلّق بأشكال الماضي حتى تصبح هي المعيار الوحيد للشعر، وذلك الجحود الذي كثيرًا ما يلقاه الأحياء لمصلحة ما استقرّ واكتسب شرعيته بمرور الزمن.
وأقول هذا بالمعنى العام، بالطبع، وليس في كلامي ما أقصد به شخصك الكريم.
متفقان تمامًا.
لكن أليس في تاريخ قصيدة النثر العربية، منذ بدايات محمد الماغوط وأنسي الحاج وغيرهما، وصولًا إلى يومنا هذا، وبعد نحو سبعة عقود أو ثمانية، مثالٌ واحد على الأقل لقصيدة نثر تتوافر فيها الخصائص الشعرية؟ أظن أننا سنتفق من جديد على أن الأمر لا يقتصر على مثال أو مثالين، بل إن هناك نماذج كثيرة امتلكت من عناصر الشعر وجمالياته ما يجعل انتماءها إليه غير محتاج إلى برهان.
وهنا يبدأ سؤالي الحقيقي: لماذا لا نجد هذه القصائد تُقرأ وتُتداول بالجدية نفسها التي تُقرأ بها القصيدة الكلاسيكية؟
منذ سنوات، أنشر على صفحتي وأعيد نشر بعض تلك القصائد، وأشير إلى ما فيها من جماليات، وإلى لغتها وفرادتها، بل وإلى ما أراه أحيانًا من عبقرية وتميّز فيها. وأذهب أبعد من ذلك فأقول إن في قصيدة النثر العربية نماذج لا تقل قيمةً عن نماذج قصيدة النثر المكتوبة في لغات وثقافات أخرى، بل قد تتفوّق على بعضها.
وأزعم أنني أجيد قراءة قصيدة النثر وتذوقها، كما أجيد قراءة امرئ القيس والمتنبي ونزار قباني ومحمود درويش وتذوق شعرهم. ولا أرى في هذا أي تناقض؛ فالأشكال تتعدد، بينما تظل القدرة على التقاط الشعر، حيثما كان، هي الأساس.
لذلك فإن القول إن قصيدة النثر العربية لم تنجح حتى اليوم في ابتكار لغة شعرية قادرة على اجتذاب القارئ، أو أنها لا تزال، بعد كل هذه العقود، ومئات الشعراء وآلاف النصوص، مطالبةً بإثبات وجودها وشرعيتها، يقع في ما أسميه الظلم الذي تمارسه الأحادية في حق التعدد؛ ذلك الإفراط في التعلّق بأشكال الماضي حتى تصبح هي المعيار الوحيد للشعر، وذلك الجحود الذي كثيرًا ما يلقاه الأحياء لمصلحة ما استقرّ واكتسب شرعيته بمرور الزمن.
وأقول هذا بالمعنى العام، بالطبع، وليس في كلامي ما أقصد ب�� شخصك الكريم.
أستاذ أحمد:
قولك: «التنظير وحده لا يكفي» و«هات نصوصًا واقرأها» ليستا، في تقديري، من أدب الحوار بين شخصين لا معرفة بينهما، و لا نقاشات سابقة.
ثمة فرق بين أن تقول: «حبذا لو أرفقتَ المقال بنماذج تطبيقية» وبين أن تخاطبني بصيغة الأمر، وكأنك تملي علي ما ينبغي أن أكتب وكيف أكتب.
أنا أرحب بالنقد والاختلاف، لكنني أحرص أيضًا على أن يبقى للنقاش أدبه: نختلف في الأفكار من موقع الاحترام، لا من موقع الذي يصدر التعليمات.
أما اقتراحك نفسه، بعيدًا عن أسلوب طرحه، فلو كنت تتابع صفحتي لوجدت غايتك… قدمت عشرات و عشرات النماذج لقصيدة النثر و عوالمها و لغتها، و لي مع هشام الوكيلي بودكاست في قصيدة النثر و موسيقاها.
الموسيقى الداخلية في قصيدة النثر
لم يعلّمنا أحد في المدرسة كيف نقرأ قصيدة النثر.
ولهذا، حين انتقل كثيرون منّا إلى القصيدة الحديثة، ظنّوا أن الشاعر ��خلّى عن الموسيقى حين تخلّى عن الوزن والقافية.
لكنّ قصيدة النثر لم تتخلَّ عن الإيقاع.
للقصيدة الحديثة موسيقاها الداخلية، وأنا أفهمها بوصفها ذلك الإيقاع النفسي للقصيدة و قد تحول إلى لغة.
حين تهدأ القصيدة تهدأ جملها، وحين تقلق تتوتر لغتها، وحين تتسارع عاطفتها تتسارع معها الكلمات والصور. تتغيّر أطوال الجمل، والمفردات، والتراكيب، وتظهر التكرارات، وتتجاوب الحروف، وتتقارب الصور أو تتباعد، وتدخل الوقفات والفراغات وطريقة توزيع الكلمات والأسطر في بناء الإيقاع.
حتى الصمت بين جملتين قد يكون جزءًا من الموسيقى.
الشاعر هنا لا يعود في نهاية كل سطر إلى الوراء ليبحث لفكرته عن قافية، ولا يلزم جملته بعقد مسبق مع وزن أو رويّ.
وهنا، في رأيي، تصبح المهمة أصعب لا أسهل: على الشاعر أن يبني إيقاع قصيدته بنفسه.
ولذلك، حين أقرأ قصيدة نثر، أسأل:
كيف تتحرك لغة هذه القصيدة؟
أتابع حركة اللغة، والجمل، والمفردات، والصور، والتكرار، والوقفات والصمت.
أقرأها بصوت مسموع مرة، ثم أعيد قراءتها في داخلي.
شيئًا فشيئًا يبدأ إيقاعها بالظهور لي.
@AAqryn يتعجب الإنسان من هكذا تعليقات ؟ لا أدب في الطرح و لا حسن ظنّ.
هل أنا في مع��كة معك؟ لو كنت تتابع بغرض التعلم لاستفدت، و كفاك ما أنشره من سنوات عن ترك تعليقات غير مؤدبة بهذه الطريقة.
في قراءة قصيدة النثر
أعتقد أنّ قصيدة النثر العربية تُعامَل بشيء من الاستخفاف في وعينا الجمعيّ، حتى عند كثير ممن يعترفون بها نظريًا بوصفها شعرًا.
اعتدنا طويلًا أن نتعرّف إلى الشعر من شكله. يكفي أن تقع العين على أبيات موزونة مقفّاة حتى يعرف القارئ أنه أمام قصيدة، فيتأنّى، ينتبه إلى الصورة، والتركيب، والمجاز، والإيقاع، واختيار المفردة، ويب��ث عمّا وراء المعنى المباشر. لقد تعلّمنا في المدرسة والجامعة أن نقرأ القصيدة بهذه الجدية.
لكن ماذا يحدث عندما تختفي العلامة الشكلية؟
هنا تبدأ مشكلة قراءة قصيدة النثر.
يرى القارئ أسطرًا لا تشبه صورة القصيدة في وعيه، فيقرأها بالطريقة نفسها التي يقرأ بها قطعة نثر جميلة. يمرّ عليها سريعًا، يلتقط معناها العام، وربما يقول: جميلة، ثم يمضي.
لا يتوقف طويلًا أمام صورة، ولا يسأل لماذا جاءت هذه المفردة هنا، ولا ماذا صنع هذا التركيب باللغة، ولا ينتبه بالقدر نفسه إلى الإيقاع الداخلي، أو العلاقات بين الصور، أو المرجعيات الثقافية، أو الطبقات النفسية والفكرية التي تتحرك تحت النص.
وهكذا نكون قد اعترفنا بقصيدة النثر اسمًا، لكننا لم نعترف بها تمامًا في فعل القراءة.
قصيدة النثر ليست نثرًا، ولا خاطرة، ولا قصة قصيرة. إنها شعر.
وإذا جاء شكلها مختلفًا عما ألفناه، فلا ينبغي أن نتواطأ سريعًا مع أعيننا فنضعها في خانة النثر لمجرد أنها تشبهه على الصفحة. لا بأس بهذا الالتباس الأول، لكن حين نعرف أننا أمام قصيدة، علينا أن نعيد قراءتها بوصفها قصيدة.
وهذا يعني أن نمنحها ما كنا نمنحه للشعر دائمًا: التوقف، وإعادة القراءة، والإنصات إلى اللغة، والنظر في الصورة والتركيب والإيقاع، واختبار مقدار ما أضافه الشاعر إلى اللغة والتجربة، لا الاكتفاء بقول: نص جميل.
ومن هنا يأتي التباس آخر: إذا كانت قصيدة النثر تبدو بهذه البساطة، أليس في وسع أي إنسان أن يكتب بضعة أسطر ويسميها قصيدة؟
بالطبع يستطيع أن يسميها ما يشاء، لكن التسمية لا تصنع الشعر.
غياب الوزن والقافية لم يُلغِ صعوبة الشعر، بل نقل العبء إلى أماكن أخرى. عندما يتخلى الشاعر عن جزء من الأدوات التي كانت تمنح الكلام شعريته الظاهرة، تصبح اللغة نفسها تحت امتحان أشد: الصورة، والتركيب، والإيقاع الداخلي، والحذف، والتكثيف، والمفاجأة، والعلاقات غير المتوقعة بين الأشياء، والقدرة على خلق تجربة لا يستطيع الكلام العادي أن يخلقها.
وهنا أيضًا يقع سوء فهم متعلق باللغة المعاصرة.
أمر آخر يتعلق بمفهوم البلاغة.
لم تعد فخامة المفردة، والمحسنات، والقاموس الشعري القديم شروطًا للشعرية. يمكن لكلمات شديدة البساطة أن تدخل في تركيب شديد الشعرية، ويمكن لعبارة مألوفة أن تصبح، داخل القصيدة، جزءًا من صورة أو إيقاع أو مفارقة لم تكن تملكها خارجها.
لقد تغيّرت الحياة، وتغيّرت اللغة، ومن غير الممكن أن يعيش الإنسان بكل تفاصيله في القرن الحادي والعشرين، ثم حين يصل إلى الشعر يراد من الشاعر أن يكتب مثل الفرزدق. هذا فصام و ليس بلاغة.
المشكلة، إذن، ليست فقط أن بعضنا لا يعترف بقصيدة النثر. ربما المشكلة الأعمق أن كثيرين يعترفون به��، ثم لا يقرؤونها كما يُقرأ الشعر.
وهذا في رأيي أحد أسباب الالتباس الكبير حول قصيدة النثر العربية: لقد تغيّرت القصيدة أسرع مما تغيّرت طرائق قراءتنا لها.
بوحْ
كنّا حُلْوينِ، يا رفيقتي،
سعيدين مثل الحجارةِ فوق الجبل،
مثل أفياءِ البساتين
وظلالِ الدروب.
كنّا حُلْوين مثل الحياة.
لا نتعبُ،
ولا نملّ الفرحْ.
وكنتِ تخبّئين شيئًا عنّي،
وكنتُ، مثلكِ، أفعلْ.
اليومْ؛
متعبٌ أنا،
ومتعبةٌ أنتِ.
آهِ يا رفيقتي،
يا سيّدةَ الزرقةِ الحمراءْ.
حدود الشاعر
مهما بلغ شاعرٌ، فللشاعر حدودْ.
وليس الشعرُ كالشاعر؛ الشعر لا حدودَ له.
ولو أحطّتَ بتجربة أيّ شاعر، لأدركتَ حدودَ تجربته، ورسمتَها بقلم الرصاص.
أما الشعرُ،
فهو الكونُ في تمدّده الأبديّ.
شكرًا أستاذ محمد النجار، وشكرًا للسيدة نجلاء على المشاركة.
أتفهّم ملاحظتك، لكنني ما زلتُ أجد «قلق القصيدة» أقربَ إلى ما أردت قوله في المقال.
لفتني أولًا أنك لم تستغرب «قلق النص»، بينما استوقفتك «قلق القصيدة». ولا أرى بينهما، في هذا السياق، فارقًا يجعل الأولى مقبولة والثانية مستغربة. فالقصيدة نص، ونحن نستعمل الكلمتين في الكتابة النقدية المعاصرة على نحو متقارب، والسياق هنا واضح في أنني أتحدث عن الشعر.
ثم إنني لم أستعمل «قلق القصيدة» بوصفه ترجمة لمصطلح نقدي غربي، ولم يخطر في ذهني ناقد بعينه حين كتبته. خرجت العبارة مني بديهية وأنا أكتب وأفكر في المقالة. ولا أظن أن كل عبارة نقدية جديدة تحتاج بالضرورة إلى أصل سابق أو ترجمة عن لغة أخرى. يمكن لناقد أو شاعر عربي، كما ي��كن لأي ناقد أو شاعر في العالم، أن يجترح تعبيرًا يراه قادرًا على وصف ما يريد قوله.
أما اختياري «القصيدة» بدل «الشاعر» فهو مقصود تمامًا. أنا لا أبحث في نفسية الشاعر ولا في مقدار قلقه الشخصي، وإنما في القلق حين يصبح جزءًا من التجربة الشعرية نفسها.
وهذا ليس افتراضًا ��ظريًا بالنسبة إليّ. حين قرأت بلاث وريلكه، مثلًا، شعرت أن القصائد نفسها متوترة، قلقة، مضطربة، متسائلة، مرتبكة. لم أكن أفكر في الحالة النفسية للمؤلف، بل في ما صار موجودًا أمامي في القصيدة.
فالقصيدة، منذ أن تنفصل عن مؤلفها، تصبح بين يدي المتلقي. يراها ويفهمها ويحللها ويعيد قراءتها بطريقته وبوعيه. وفي وعيي أنا، تبدأ منذ تلك اللحظة حياةً تخصها.
فإذا جاز لنا أن نقول «تجربة قلقة» و«نص قلق»، فلا أرى بعيدًا أبدًا أن نقول «قصيدة قلقة».
وفوق ذلك كله، لماذا لا تكون العبارة مجازًا؟ نحن نتحدث عن الشعر، والمجاز من طبيعته. نقول إن القصيدة تسأل، وتبوح، وتصمت، وتقاوم، وت��مرّد؛ ولا يستغرب أحد ذلك. فلماذا يكون غريبًا أن تقلق؟
لهذا لم أقل «قلق الشاعر».
قلت: قلق القصيدة. 🌹
شكرًا أستاذ محمد النجار، وشكرًا للسيدة نجلاء على المشاركة.
أتفهّم ملاحظتك، لكنني ما زلتُ أجد «قلق القصيدة» أقربَ إلى ما أردت قوله في المقال.
لفتني أولًا أنك لم تستغرب «قلق النص»، بينما استوقفتك «قلق القصيدة». ولا أرى بينهما، في هذا السياق، فارقًا يجعل الأولى مقبولة والثانية مستغربة. فالقصيدة نص، ونحن نستعمل الكلمتين في الكتابة النقدية المعاصرة على نحو متقارب، والسياق هنا واضح في أنني أتحدث عن الشعر.
ثم إنني لم أستعمل «قلق القصيدة» بوصفه ترجمة لمصطلح نقدي غربي، ولم يخطر في ذهني ناقد بعينه حين كتبته. خرجت العبارة مني بديهية وأنا أكتب وأفكر في المقالة. ولا أظن أن كل عبارة نقدية جديدة تحتاج بالضرورة إلى أصل سابق أو ترجمة عن لغة أخرى. يمكن لناقد أو شاعر عربي، كما يمكن لأي ناقد أو شاعر في العالم، أن يجترح تعبيرًا يراه قادرًا على وصف ما يريد قوله.
أما اختياري «القصيدة» بدل «الشاعر» فهو مقصود تمامًا. أنا لا أبحث في نفسية الشاعر ولا في مقدار قلقه الشخصي، وإنما في القلق حين يصبح جزءًا من التجربة الشعرية نفسها.
وهذا ليس افتراضًا نظريًا بال��سبة إليّ. حين قرأت بلاث وريلكه، مثلًا، شعرت أن القصائد نفسها متوترة، قلقة، مضطربة، متسائلة، مرتبكة. لم أكن أفكر في الحالة النفسية للمؤلف، بل في ما صار موجودًا أمامي في القصيدة.
فالقصيدة، منذ أن تنفصل عن مؤلفها، تصبح بين يدي المتلقي. يراها ويفهمها ويحللها ويعيد قراءتها بطريقته وبوعيه. وفي وعيي أنا، تبدأ منذ تلك اللحظة حياةً تخصها.
فإذا جاز لنا أن نقول «تجربة قلقة» و«نص قلق»، فلا أرى بعيدًا أبدًا أن نقول «قصيدة قلقة».
وفوق ذلك كله، لماذا لا تكون العبارة مجازًا؟ نحن نتحدث عن الشعر، والمجاز من طبيعته. نقول إن القصيدة تسأل، وتبوح، وتصمت، وتقاوم، وتتمرّد؛ ولا يستغرب أحد ذلك. فلماذا يكون غريبًا أن تقلق؟
لهذا لم أقل «قلق الشاعر».
قلت: قلق القصيدة. 🌹
لاحظتُ أنّ أجملَ العلاقاتِ قد تنشأ مع أشخاص نختلف معهم عميقًا، ما دمنا نلتقي بوصفنا بشرًا، لا ممثلين عن عقائدنا وأحزابنا ومقدساتنا.
كثيراً ما يكون الإنسان أرحبَ من أفكاره وألطفَ من معتقداته.
""لن يفهم المحيطون بك عوالمك الدفينة""
حتى الله نفسه
لن يستوعبَ ذلك القدر المهول
من التنانين،
والشجر العملاق،
والدوائر المتلويّة
تحاصر طفلًا في ملابس النوم.
وكان أن عثرتَ،
ذاتَ ليلةٍ ذاتِ قمر،
على البحيرة.
أجريتُ خلال ا��سنة الفائتة تجربتين منفصلتين على حسابي في تويتر.
في الأولى، توقفتُ عن وضع ��لإعجابات على منشورات بعض الشعراء والأدباء الذين أقدّرهم فعلًا، لأرى: هل إعجاباتهم بما أنشر نابعة من قناعة بما أكتب، أم أنها في معظمها مجاملة وتبادل للتفاعل؟
جاءت النتيجة لمصلحة الاحتمال الثاني بنسبة تكاد تكون تامة.
وفي التجربة الثانية، توقفتُ عن متابعة و ألغيت صداقة السلفيين والمتدينين المحافظين والتفاعل معهم، سواء ممن يكتبون في الشعر والأدب أو خارجهما.
والنتيجة هنا كانت مختلفة: تحسّنٌ ملحوظ في البيئة الافتراضية المحيطة بي؛ أصبحتْ أنظف، وأهدأ، وأكثر راحة، وأقرب إلى الجو الثقافي والفكريّ الذي أبتغيه.
الشعر و الأدب كانا المعلم و الضوء في حياتي، و مبكرا جدا شعرت أنهما في تكامل مهيب مع الطبيعة … و بدأت في السر أخرج برفقة هذه العناصر خارج النفق العام للتشويه.
لا أغالي إذا ما أعلنت: ثقافتي مشوّهة.
ومنذ أن أخرجوني من اللعب في الحارة، وأقعدوني إلى مقعد الدراسة، بدأت مسيرة التشويه.
لا أشكّ في أن المعلّمين كانوا دائمًا من ذوي النوايا الحسنة. وربما كانوا، قبلي، قد تعرّضوا لمهانة التشويه، حتى صار التشويه مثل كلّ الأشياء من حولهم: عاديًّا.
التاريخ، والجغرافيا، والتربية الإسلامية، والتربية القومية… و التربية العسكرية و هذه الأخيرة من ألعن ما يكون بالنسبة للطفل و المراهق.
ثم جاءت مرحلة الإعلام و الفنون البصرية، والسياسة العامة للبلاد، لت��اصل العمل على صناعة إنسان مشوّهٍ.
كانت أول استفاقة لي في الخامسة عشرة.
ومن يومها بدأ السفر.