ختمةٌ مباركةٌ في رحاب المسجد النبوي الشريف
"هذهِ رياضُ الجنّة.. وهؤلاءِ فخرُ الأمّة،
المرابطون على ثغرٍ من ثغورها العظيمة." 🤍
اللهم تقبّل منهم، وارفع درجاتهم،
واجزِ معلميهم ووالديهم خير الجزاء،
وأكثر في الأمة من أمثالهم.
"ما من طاعة إلا تجد دونها المُنغِّصات لكن ما إن تصبر عليها وتُكابد من أجلها؛ إلا أورثك اللَّه فيها من الخير والفتح ما لا يخطر لك على بال؛ ومن ذلك تلاوة القرآن الكريم".
فوائد
من «التفسير الكبير» للفخر الرازي – رحمه الله –
﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ مُبَارَكࣱ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِی بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ یُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ یُحَافِظُونَ﴾
[الأنعام ٩٢]
قوله تعالى: ﴿مُبَارَكࣱ﴾ قال أهل المعاني كتاب مبارك أي كثير خيره، دائم بركته ومنفعته، يبشر بالثواب والمغفرة، ويزجر عن القبيح والمعصية، وأقول: العلوم إما نظرية، وإما عملية، أما العلوم النظرية، فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه، ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب، وأما العلوم العملية، فالمطلوب، إما أعمال الجوارح، وإما أعمال القلوب، وهو المسمى بطهارة الأخلاق وتزكية النفس ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب، ثم قد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة.
يقول مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي: وأنا قد نقلت أنواعا من العلوم النقلية والعقلية، فلم يحصل لي بسبب شيء من العلوم من أنواع السعادات في الدين والدنيا مثل ما حصل بسبب خدمة هذا العلم.
فوائد
من ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب – رحمه الله –
[سورة النساء]
لكل سورة من سور القرآن شخصيتها الخاصة ، وملامحها المميزة ، ومحورها الذي تشد إليه موضوعاتها جميعا . . ومن مقتضيات الشخصية الخاصة أن تتجمع الموضوعات في كل سورة وتتناسق حول محورها في نظام خاص بها ، تبرز فيه ملامحها ، وتتميز به شخصيتها . كالكائن الحي المميز السمات والملامح ، وهو - مع هذا - واحد من جنسه على العموم…
إن السورة تعمل بجد وجهد في محو ملامح المجتمع الجاهلي - الذي منه التقطت المجموعة المسلمة - ونبذ رواسبه ؛ وفي تكييف ملامح المجتمع المسلم ، وتطهيره من رواسب الجاهلية فيه ، وجلاء شخصيته الخاصة . كما تعمل بجد وجهد في استجاشته للدفاع عن كينونته المميزة ، وذلك ببيان طبيعة المنهج الذي منه انبثقت هذه الكينونة المميزة ، والتعريف بأعدائه الراصدين له من حوله - من المشركين وأهل الكتاب وبخاصة اليهود - وأعدائه المتميعين فيه - من ضعاف الإيمان والمنافقين - وكشف وسائلهم وحيلهم ومكايدهم ، وبيان فساد تصوراتهم ومناهجهم وطرائقهم . مع وضع الأنظمة والتشريعات التي تنظم هذا كله وتحدده ، وتصبه في القالب التنفيذي المضبوط .
وفي الوقت ذاته نلمح رواسب الجاهلية ، وهي تتصارع مع المنهج الجديد ، والقيم الجديدة ، والاعتبارات الجديدة . ونرى ملامح الجاهلية وهي تحاول طمس الملامح الجديدة الوضيئة الجميلة . ونشهد المعركة التي يخوضها المنهج الرباني بهذا القرآن في هذا الميدان . وهي معركة لا تقل شدة ولا عمقا ولا سعة ، عن المعركةالتي يخوضها في الميدان الآخر ، مع الأعداء الراصدين له والأعداء المتميعين فيه !…
إن الجاهلية ليست فترة ماضية من فترات التاريخ . إنما الجاهلية كل منهج تتمثل فيه عبودية البشر للبشر . وهذه الخاصية تتمثل اليوم في كل مناهج الأرض بلا استثناء . ففي كل المناهج التي تعتنقها البشرية اليوم ، يأخذ البشر عن بشر مثلهم : التصورات والمبادىء ، والموازين والقيم ، والشرائع والقوانين ، والأوضاع والتقاليد . وهذه هي الجاهلية بكل مقوماتها . الجاهلية التي تتمثل فيها عبودية البشر للبشر ، حيث يتعبد بعضهم بعضا من دون الله .
والإسلام هو منهج الحياة الوحيد ، الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر . لأنهم يتلقون التصورات والمبادىء ، والموازين والقيم ، والشرائع والقوانين ، والأوضاع والتقاليد ، من يد الله - سبحانه - فإذا أحنوا رءوسهم فإنما يحنونها لله وحده ، وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده ، وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده . ومن ثم يتحررون حقا من عبودية العبيد للعبيد ، حين يصبحون كلهم عبيدا لله بلا شريك .
وهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية - في كل صورة من صورها - وبين الإسلام . وهذه السورة تتولى رسم مفرق الطريق بالدقة وبالوضوح الذي لا تبقى معه ريبة لمستريب .
فوائد
من ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب – رحمه الله –
فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس، ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون، التي يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر.
لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج الله الذي اختاره لحياة الناس، وبينه في كتابه. وإلا فلا قسط ولا عدل، ولا استقامة ولا تناسق، ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان.
وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع!
قلت :
هذا الفكر، وهذه الفكرة، التي أدارها وخدم بهما كتاب ربه عز وجل من أول الظِلال إلى آخره، رحمه الله رحمة واسعة.
قبس من الوحي - كتاب وسنة -
قال جل ثناؤه :
﴿أَمَّن يُجيبُ المُضطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكشِفُ السّوءَ وَيَجعَلُكُم خُلَفاءَ الأَرضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ﴾
[النمل: ٦٢]
وقال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم : دعوة ذي النون - إذ دعا، وهو في بطن الحوت - :
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ؛ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب اللّٰه له .
وعد البخاري في الصحيح عن أبي هريرة قال :
قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم :
" إن في الجمعة لساعة، لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه ". وقال بيده يقللها يزهدها .
وفي الجامع الكبير للترمذي :
باب في الساعه التي ترجى في يوم الجمعة.
قال : ورأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن الساعة التي ترجى بعد العصر إلى أن تغرب الشمس.
وبه يقول أحمد، وإسحاق، وقال أحمد : أكثر الحديث في الساعة التي ترجى فيها إجابة الدعوة أنها بعد صلاة العصر، وهي ترجى بعد زوال الشمس .
حق لمن قرأ هذه الآيات، أن يخشع وأن يغلبه البكاء.
فوائد
من “المُحَلَّى شَرْحُ المُجَلَّى” للإمام ابن حزم – رحمه الله – :
مسألة (٤٧٧)
ومن بكى في الصلاة من خشية الله تعالى أو من هم غلبه ولم يمكنه رد البكاء؛ فلا شيء عليه ولا سجود سهو ولا غيره، فلو تعمد البكاء عمدًا بطلت صلاته.
حدثنا عبد الله بن ربيع، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا أحمد بن شعيب، أخبرنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن مطرف - هو ابن الشخير - عن أبيه قال :
«أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، يعني : يبكي» .
قال علي : هكذا هو التفسير نصًّا في نفس الحديث؟
وأما غلبة البكاء فقال تعالى : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلّا وُسعَها﴾.
وقال عليه السلام : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» .
وأما تعمد البكاء فعمل لم يأت بإباحته نص، وقال عليه السلام :
«إن في الصلاة لشغلًا». فصح أن كل عمل فهو محرم في الصلاة، إلا عملا جاء بإباحته نص، أو إجماع، وبالله تعالى التوفيق.
من المختارات
الشاعر زيد ابن غيام وأبياته المشهورة بصوت الأديب الكبير عبدالله الخميس صاحب برنامج من القائل وغيره الكثير من الأعمال - رحمه الله - وهو ممن أحسنوا إلقاء الشعر بالفصحى والعامية.
فوائد
من «الإِحْكَامُ فِي أُصُولِ الأَحْكَامِ» للإمام ابن حزم – رحمه الله –
ثم جمعنا كتابنا هذا وقصدنا فيه بيان الجمل في مراد الله عز وجل منا فيما كلفناه من العبادات والحكم بين الناس بالبراهين التي أحكمناها في الكتاب المذكور آنفا، وجعلنا هذا الكتاب بتأييد خالقنا عز وجل لنا مُوعبًا للحكم فيما اختلف فيه الناس من أصول الأحكام في الديانة مستوفًى مستقصًى، محذوف الفضول، محكم الفصول، راجين أن ينفعنا الله عز وجل به يوم فقرنا إلى ما يثقل به ميزاننا من الحسنات، وأن ينفع به تعالى من يشاء من خلقه، فيضرب لنا في ذلك بقسط، ويتفضل علينا منه بحظ؛ فهو الذي لا يخيب رجاء من قصده بأمله، وهو القدير على كل شيء لا إله إلا هو.
وهذا حين نبدأ في ذلك بحول الله وقوته؛ فنقول وبالله تعالى التوفيق:
وصح أنه ألزمنا على لسان نبيه ﷺ شرائع من أوامر ونواه وإباحات باستعمال تلك الشرائع يوصل إلى الفوز وينجي من الهلاك، وصح أنه أودع تلك الشرائع في الكلام الذي أمره به رسوله الله ﷺ بتبليغه إلينا وسماه قرآنا، وفي الكلام الذي أنطق به رسوله ﷺ وسماه وحيا غير قرآن، وألزمنا في كل ذلك طاعة نبيه عليه السلام لزمنا تتبع تلك الشرائع في هذين الكلامين لنتخلص بذلك من العذاب ونحصل على السلامة والحظوة في دار الخلود، ووجدناه تعالى قد ألزمنا ذلك بقوله في كتابه المنزل ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِیَنفِرُوا۟ كَاۤفَّةࣰۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةࣲ مِّنۡهُمۡ طَاۤىِٕفَةࣱ لِّیَتَفَقَّهُوا۟ فِی ٱلدِّینِ وَلِیُنذِرُوا۟ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ یَحۡذَرُونَ﴾ فوجب علينا أن ننفر لما استنفرنا له خالقنا عز وجل فوجدناه قد قال في القرآن الذي قد ثبت أنه من قبله عز وجل والذي أودعه عهوده إلينا اللازمة لنا ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَـٰزَعۡتُمۡ فِی شَیۡءࣲ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِۚ﴾.
قال أبو محمد: فنظرنا في هذه الآية فوجدناها جامعة لكل ما تكلم الناس فيه أولهم عن آخرهم مما أجمعوا عليه، واختلفوا فيه الأحكام والعبادات التي شرعها الله عز وجل لا يشذ عنها شيء من ذلك؛ فكان كتابنا هذا كله في بيان العمل بهذه الآية وكيفيته، وبيان الطاعتين المأمور بهما لله تعالى ولرسوله ﷺ، وطاعة أولي الأمر، ومن هم أولو الأمر، وبيان التنازع الواقع منا، وبيان ما يقع فيه التنازع بيننا، وبيان رد ما يُتنازع فيه إلى الله تعالى ورسوله ﷺ وهذا هو جماع الديانة كلها.
ووجدناه قد قال تعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِینࣰاۚ﴾ فأيقنا أن الدين قد كمل وتناهى، وكل ما كمل فليس لأحد أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه، ولا أن يبدله؛ فصح بهذه الآية يقينا أن الدين كله لا يؤخذ إلا عن الله عز وجل ثم على لسان رسول الله ﷺ، فهو الذي يبلغ إلينا أمر ربنا عز وجل ونهيه، وإباحته لا مبلغ إلينا شيئا عن الله تعالى أحد غيره، وهو عليه السلام لا يقول شيئا من عند نفسه؛ لكن عن ربه تعالى، ثم على ألسنة أولي الأمر منا؛ فهم الذين يبلغون إلينا جيلا بعد جيل ما أتى به رسول الله ﷺ عن الله تعالى، وليس لهم أن يقولوا من عند أنفسهم شيئا أصلا؛ لكن عن النبي ﷺ.
هذه صفة الدين الحق؛ الذي كل ما عداه فباطل، وليس من الدين إذ ما لم يكن من عند الله تعالى فليس من دين الله أصلا، وما لم يبينه رسول الله ﷺ، فليس من الدين أصلا، وما لم يبلغه إلينا أولو الأمر منا عن رسول الله ﷺ فليس من الدين أصلا.
فبينا بحول الله تعالى وقوته غلط من غلط في هذا الباب؛ بأن ترك ما هو من الدين مخطئا غير عامد للمعصية، أو عامدا لها، أو أدخل فيه ما ليس منه كذلك فلا يخرج البتة الخطأ في أحكام الديانة عن هذين الوجهين إما ترك، وإما زيادة، ولخصنا الحق من الخطأ تلخيصا لا يشكل على نصح نفسه، وقصد الله عز وجل بنيته، وما توفيقنا إلا بالله عز وجل.
وجعلنا كتابنا هذا أبوابا لنقرب على من أراد النظر فيه، ويسهل عليه البحث عما أراد الوقوف عليه منه رغبة منا في إيصال العلم إلى من طلبه، ورجاء ثواب الله عز وجل في ذلك، وبالله تعالى نتأيد.
الإحكام (٢٧٢/١-٢٧٥).