خلال تغطية التشييع، وفي غمرة مئات الآلاف، أوضح تحليق الطائرات الإسرائيلية وردة الفعل عليه، بالنسبة لي على الأقل، ما جرى حقًا يوم أمس.
الثواني الخمس السريعة التي حلّقت فيها الطائرات الإسرائيلية فوق المدينة الرياضية اختزلت ثلاثة أشهر من الحرب. في الثواني الأولى، رأيت حشدًا من الآلاف يتفاجأ، يرتبك، يخاف، وارتعب بعضهم عند سماع صوت الفتك الذي رافق البعض لأشهر وكثيرين لعقود، يهدر فوق رؤوسهم. وفي لحظة واحدة فقط، بدا وكأن وعيًا جماعيًا استُحضر من أعماق بدايات الوعي البشري، ليذكّرهم بسبب وجودهم في هذه اللحظة تحديدًا، بمعنى البقاء والاستمرار على النهج، على الطريق، على المسيرة، على المقاومة... سمّوها ما شئتم.
لم يصرخ أحدهم أولًا بالهتاف لتمتد الهتافات، ولم تُرفع قبضة واحدة لتلحق بها القبضات. كانت تلك اللحظة أشبه بحركة جماعية اتفقوا عليها دون أن يدركوا أنهم متفقون، دون أن يعرفوا أنهم مستعدون وقادرون على الاستمرار في المسار، أو الدرب، أو الوصايا... سمّوها ما شئتم.
وكأن قائد أوركسترا أمسك بعصاه وضبط إيقاع تشتت بفعل صوت نشاز هبط عليهم من السماء، والسماء لهم قبلة حياة لا تحجبها أجنحة الموت. أعادهم إلى أصل المعزوفة، وكل ذلك حدث، بينما قائدهم الحق يُشيَّع.
ثوانٍ سريعة كانت كالأيام المتسارعة في أيلول، حين تفاجأوا بفقء عيون أحبّتهم، وارتبكوا عند قتل قياداتهم، وخافوا باغتيال أملهم، وارتعبوا من تحوّل الآمال إلى هواجس ظنّوا أنها ولّت إلى غير رجعة. وبمنطق الأحداث، لم يكن متوقعًا أن يبقى أحد في موقعه، أو أن تظل قبضة مشدودة على زناد. كان الانهيار والهروب أمام الموت القادم المنطق الوحيد، ولكن بعضهم أصرّ، وذكّر من بقي بسبب وجودهم، بالحفاظ على ما تبقى. أدركوا أن الهزيمة الكاملة أو الانهيار التام لا نهوض بعده، وكان ثمن ذلك آلاف الأحبّة. وبسبب ذلك، لم يتردد مئات الآلاف في رفع قبضاتهم في وجه الطائرات. خسروا، ضعفوا، لكنهم لم يهربوا ولم يُهزموا، بل بقوا ليذكّروا بأن البقاء ممكن بعد أن كان مستحيلًا، حتى وإن كان المرتجى أكبر من ذلك.
لماذا قامت إسرائيل بذلك؟ لأن نصر الله، بعد رحيله، ترك وراءه بضعة آلاف من أبناء حزبه، ومئات الآلاف من المحبين والمناصرين، وفي عقود قليلة، من عام 1993 إلى 1996 إلى 2000 ثم 2006، قال إن الـ"لا" ممكنة وواجبة، وهذا ما يرعب إسرائيل.
سمعتُ كثيرين يوم أمس يقولون إنه "شخصية لن تتكرر في التاريخ". قيل ذلك في عبد الناصر سابقًا، وكانت الهزيمة حينها واقعًا، وليس مجرد خسارة أو ضعف. ثم جاء نصر الله، فأنجز ما أنجز، وأخطأ فيما أخطأ، لكنه زرع خلال أربعة عقود ما لا يمكن اقتلاعه بجَرْفة واحدة.
لن يتكرر؟ ربما.
لكن ربما لم يعد هناك حاجة لأن يتكرر، لأنه أثبت أن المستحيل بات ممكنًا.
كان حُسينيّاً...
محمد نزال
كان حُسينيّاً. على ذلك قاتل وعلى ذلك مضى وعلى ذلك يُبعَث، شهيداً، وجبين الشمس على ذلك مِن الشاهدين. كان حُسينيّاً، وفيّاً لأمّته، وقد "جرّعته أحوالها نُغَبَ التهمام أنفاساً". ثم فراق الأحبّة، صالح بعد صالح، إلى أن نطقت ملامحه: "خُيّر لي مصرع أنا لاقيه... وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف".
كان حُسينيّاً، بسم الله وعلى ملّة رسول الله، وقد خالط القرآن لحمه ودمه: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين مِن الرجال والنساء والولدان". كانت غزّة تكثيفاً تاريخيّاً لمعنى الاستضعاف في وجه الاستكبار. أولئك "الذين أُخرِجوا مٍن ديارهم بغير حقّ". مثله كان لينتفض كالمذبوح على أن يشيح بوجهه عن جنوب جنوبه. مثله ما كان ليتابع حياته وكأنّ شيئاً لا يحدث. لبس لامة الحرب وذهب بها إلى النهاية: "أبالقتل تُهدّدني! هيهات منّا الذلة". وهل فهم جيلنا تلك المقولات الكربلائيّة إلا منه! وهل تلبّست تلك الكلمات معنى الراهن بالضدّ مِن طقوسيّة مُفرغة إلا بصدى صوته! أيكون مُحرّم دونه و"عاشر" بعده! اليوم نفهم أجلى. اليوم تأخذ تلك الشعارات معانيها، بتمامها، بتجسيد أقصوي، فنسمعها كما لم نسمعها مِن قبل، ومثلها، أحزن وأوجل: "لأبكين عليك بدل الدموع دماً". كان "هل مِن ناصر" وكان "لبّيك". مَن كان ليُطلق رصاصة واحدة على الصهاينة، بعد يوم مِن ذاك الصباح الهائل، فيما العالم يرتجف ترقّباً مما سيفعله الوحش وقد زمجر مِن الألم! هو، هو فعل، هو، أشجع أهل الأرض. هو، وكان "على طريق القدس". غزّة كانت امتحان الألفيّة لما بقي مِن إنسانيّة الأرض، وقد فاز، كان سيّد الفائزين.
كان حُسينيّاً، لم تظفر "الفرنجة" منه بحلف يوماً ولم تنل "التتار" منه موادعة. ظلّ يُقاتل "عدو الأمّة" إلى أن سكبَ دمه عند أكناف بيت المقدس. لكأنّ السماء أبت إلا أن يكون دمه بذاك الجلاء. مزّق بشهادته أباطيل التأريخ وزيوف الدواوين، بأن ليس ها هنا مِن ابن العلقمي، بل إنّه في رؤوسهم، مِن صنع الكيد وفحيح السلطات وتبريرات الهوان، إنّما أنا... "أنا حسن نصرالله".
كان حُسينيّاً، ولأهله، لا خوف عليهم إن أخذوا بميراثه. بعد ألف عام سيقرأ فتى ما، على هذه الأرض، لحظة السيّد وملحمته الخالدة. فتى سيشعر أنّ شرايينه قد انتفخت وضُخّت فيها دماء المجد، ولسان وجده: "أنا مِن ذاك". لأهله، لا خوف عليهم، وللسائل الحصيف أن يقرأ نصّاً مِن تراثهم تُلي على مدى القرون: "دعاء الندبة". كلمات تقطر قهراً بغير يأس. سيفهم أن ذلك "الصبر الجميل" ديدنهم. أنّ رمادهم لا يكفّ عن الانبعاث، مرّة تلو مرّة، وإن تخلّلها الكمون في التاريخ. لمثله: فليبكِ الباكون وليندب النادبون، ولتذرف الدموع وليصرخ الصارخون، ويضج الضاجّون ويعجّ العاجون... أين "الحسن ابن الحسين"!
أسطورة؟ وما الأسطورة سوى تزخيم لروح قوم أبت الاندثار. سوى خلاصة تطلعات وآمال جماعة وفكرة ضدّ تقلّب الأزمان. حكاية ذاك الدم الذي يُعثر عليه تحت كل حجر يُرفع، وقد هبطت سحابة مِن حزن تحجب الشمس... يعني أنّ دماء صاحب الشهادة لم تتبخّر، بل اتسعت، تكاثرت، والآن يولد مِنها في الأرض أجيال تختزن تلك الذاكرة المُخضّبة. لكنّه كان حقيقة، شهدناها، حقيقة على غرار الأساطير. سنظل نشهدها ما عشنا وكلّ حين ستتجلى أبعادها أوضح. تلك الشهادة، اليوم، هي "طقس العبور" إلى عالم جديد. انبثاق جديد.
كان حُسينيّاً، وقد ضمر العالم بعده، تضاءل وانكمش، كشّ وانثلم. كان يبكي، لا يتحرّج مِن دمعة في أوانها، ثم يُنازل شيطان العالم بلا هوادة. لا تعارض بين هذه وتلك. كان حقيقيّاً، يتكلّم في الحبّ بلا تكلّف وبغير صنعة شِعر. مهما قيل، سيظلّ في النفس ما لا تسعفه الكلمات. كأنّ اللغة تموت على اللسان. مِن ذلك قول الجواهري: "وحين تطغى على الحرّان جمرته.. فالصمت أفضل ما يُطوى عليه فمُ".
اسمَعنا يا سيّد، أنت حيّ تُرزق، اسمعنا وادعُ لنا ربّك ألا يواخذنا إن نسينا أو أخطأنا. أن يقوّينا ويثبّتنا وينصرنا. ارمقنا مِن حيث أنت واشفع لنا عنده. وإن فرضتْ علينا أحوالنا اللحاق بك، فعلى هديك، بجهاد عدوّنا وعدوّك. يا سيّد، لا جديد في هذه الدنيا، فها هي مجدّداً "قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، فلم يبق منها إلا صُبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل". يا سيّد، بما لك عند الله، مٍن عليائك، خذ بيدنا.
ينظر إلينا السيد الأسمى من عليائه وأظنه يقول: بارك الله بكم، بيضتم وجهي وكنتم على قدر الرهان والأمل، ما قصرتم ولا تراجعتم ولا تجابنتم، لم تكسركم النوازل بل جعلتموها معجزتكم، لم تهزكم نار العدوان بل بانت بها معادنكم، لم تضعفكم وسوسات الخبثاء المتربصين بل زادتكم ثباتا، لم يرهبكم وعيد أهل الجبروت بل كسرتموه.. أكملوا الطريق وكونوا على قدر الأمانة وتصدوا للمسؤولية واحفظوا العهود واصنعوا المستقبل كما يليق بنا.
مع الألم والأثمان والتحديات نعود غدا إلى أرضنا برؤوس مرفوعة وهمم عالية وإرادات لا تلين، لنكمل في ميادين الحياة ما صنعه إخواننا في ساحات الشهادة.
الميدان والميدان فقط يحدّد المسار والمصير… للمقاومة وأهلها…
ليس أمام المقاومة وأهلها إلّا الصمود والمواجهة في هذه الحرب الوجوديّة. هم يعرفون بأنّ الإنهزام يعني الموت المجبول بالذلّ.
قلوب أهل المقاومة مع خيرة أبنائهم على جبهات الشَرَف دِفاعاً عن الوجود في أرض الآباء والأجداد.
#المجد_للمقاومة