ليس للحزن عندي أي قيمة أخلاقية أو جمالية، أتقبله كحالة إنسانية لا مفرّ منها لكني لا أستسلم له بسهولة، ولا أسعى إلى التطبيع معه، وكثي��ٌ منه يبقى شأنًا خاصًا محتفظًا بخصوصيته. لا ألتقط لنفسي صورًا وأنا حزينة، ولا أطيل النظر في المرآة حين يكون ألمي مكشوفًا.
أكره إضفاء هالة رومانسية على الانكسار، وأرفض تحويله من تجربة عابرة إلى هوية شخصية، ويستفزني ذلك الوصف الشاعري المبتذل في العبارة الجاهزة "في عيونك حزن" تلك التي تُقال على سبيل المغازلة.
علاقتي بالحزن يمكنني اختزالها في أمرين، استخلاص المعاني أو تحويله إلى موضوع فني، وفي كل مرة أصل إلى النتيجة نفسها، ليس في الحزن كمادةٍ خام ما هو جميل، لكن ما يُخلَق رغمًا عن الحزن قد يكون جميلًا.
*الشرف الخفي- خدمة الوالدين*
*في مرحلةٍ من العمر، يتبدّل المشهد الإنساني بهدوءٍ عجيب؛ فالأب الذي كان سندًا لا يميل، والأم التي كانت طاقةً لا تنضب، تبدأ خطواتهما في التباطؤ، وتثقل الحركة، وتصبح أبسط الأمور التي كانت تُنجز في لحظات بحاجة إلى عونٍ ومرافقة وصبرٍ طويل.*
*عند كِبر الوالدين، لا تكون الشيخوخة مجرد أرقامٍ تُضاف إلى العمر، بل تحوّلًا عميقًا في طبيعة الحياة نفسها.*
*الجسد يضعف، الذاكرة تتعب أحيانًا، والحاجة إلى الأمان العاطفي تصبح أعظم من الحاجة إلى الدواء.*
*هنا تبدأ مرحلة جديدة… ليس في حياتهم فقط، بل في حياة الأبناء أيضًا.*
*وغالبًا في معظم البيوت لا يتوزع هذا العبء بالتساوي. بل يحدث أمر يكاد يكون قانونًا اجتماعيًا غير مكتوب:*
*ابنٌ واحد أو ابنةٌ واحدة يجد نفسه الأقرب، الأكثر حضورًا، والأشد تحمّلًا لمسؤولية الرعاية اليومية.*
*قد يكون السبب السفر، أو ظروف العمل، أو بُعد المسافات، أو اختلاف القدرات… لكن الحقيقة الأعمق التي يغفل عنها كثيرون أن هذا ليس مجرد ظرفٍ عابر، بل اختيار إلهي دقيق.*
*نعم… اختيار.*
*فالله سبحانه لا يضع أحدًا في موقع الخدمة إلا لأنه أراد له نصيبًا خاصًا من البرّ، ونوعًا استثنائيًا من الأجر، وت��ربةً إنسانية تُهذّب القلب وتعيد ترتيب معنى الحياة داخله.*
*تأمّل المفارقة العجيبة:*
*في بداية حياتك كنتَ عاجزًا تمامًا، لا تمشي ولا تأكل ولا تقضي حاجتك إلا بمساعدة والديك.*
*كانوا يسهرون لراحتك دون شكوى، ويخفون تعبهم حتى لا تقلق.*
*واليوم، تدور عجلة الزمن ليعود الإنسان إلى ضعفه الأول، وكأن الحياة تمنحك فرصة ردّ الجميل… لا مساواةً بالعطاء، فذلك مستحيل، بل شرف المحاولة فقط.*
*إن السنوات الأخيرة من عمر الوالدين تشبه الأيام الأخيرة من رمضان؛ الأعمال فيها ليست كغيرها، واللحظات العادية تتحول إلى عبادات عظيمة.*
*ابتسامة، كأس ماء، تعديل وسادة، أو جلسة حديث ��صيرة… قد تكون عند الله أثقل من أعمالٍ كثيرة نظنها أعظم.*
*وفي هذه المرحلة تحديدًا، يصبح الوالدان أكثر حساسية مما نتخيّل. فهم رغم حاجتهم الشديدة يخجلون من الطلب، ويخشون أن يكونوا عب��ًا على أبنائهم. قد يتحمل أحدهم الألم أو العطش أو عدم الراحة ساعات طويلة فقط لأنه لا يريد إزعاجك.*
*وهنا يظهر المعنى الحقيقي للبرّ:*
*أن تبادر قبل أن يُطلب منك.*
*أن تفهم الصمت قبل الكلمات.*
*أن ترى الحاجة قبل أن تُقال.*
*والأجمل وربما الأصعب أن تخدمهم دون أن تُشعرهم بأنك تُضحي لأجلهم، لأن أعظم ما يؤلم الشيخوخة ليس المرض، بل الإحساس بالثقل على من نحب.*
*أما مسألة عتاب الإخوة، فهي اختبار آخر للنفس. فالبرّ الحقيقي لا يبحث عن الاعتراف ولا يقارن نصيبه بنصيب الآخرين.*
*العتاب أمام الوالدين قد يضاعف ألمهم النفسي، إذ يشعرون أنهم سبب خلاف أو عبءٍ يتنازع الأبناء حوله.*
*الأجمل أن يتحول الأمر إلى مشروع عائلي رحيم: توزيع أدوار، تنظيم زيارات، تخصيص أوقات للحديث والضحك، وإحياء جوٍّ من الألفة حولهم.*
*فالكبار لا يحتاجون الرعاية الجسدية فقط، بل يحتاجون أن يشعروا أنهم ما زالوا مركز الحب داخل الأسرة.*
*ولا تخف إن شعرت بالتعب؛ فالتعب في هذا الطريق ليس خسارة، بل استثمارٌ روحي طويل الأثر.*
*كم من إنسان تغيّرت حياته كلها بعد رحيل والديه لأنه أدرك أن أجمل أيام عمره كانت تلك اللحظات البسيطة التي قضاها إلى جوارهما.*
*وأعظم لحظة قد يعيشها الإنسان ليست نجاحًا مهنيًا ولا إنجازًا دنيويًا، بل أن يرحل والداه وهما راضيان عنه، مطمئنان إلى قلبه، وقد رأيا فيه ثمرة تعب سنوات طويلة.*
*حينها فقط يفهم الإنسان معنى البركة التي تبقى بعد الفقد… دعاءٌ صادق، ورضاٌ صامت، وأثرٌ نوراني يرافقه بقية عمره.*
*فإن كنتَ ممن اختارهم الله لهذه المهمة، فلا تنظر إليها كعبء، بل كمنحةٍ مؤجلة، وكبابٍ من أبواب الجنة فُتح لك دون أن تسعى إليه.*
*فليغتنم الإنسان الفرصة قبل أن تتحول الذكريات إلى أمنيات، وقبل أن يصبح المكان الذي كان يمتلئ بأصواتهم صامتًا إلا من الحنين.*
*(وأخفض لهماجناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)*
*اللهم بارك في آبائنا وأمهاتنا، وأطل أعمارهم على الطاعة، وارحم من سبقونا إليك، واغفر لنا تقصيرنا في حقهم، واجعل برّهم نورًا لنا في الدنيا والآخرة.*
*اللهُمَّ نسألك بر الوالدين وصلة الأرحام، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات*
*سعيد جدا من لحق بر والديه في كبرهم ونال رضاهم ورحم الله كل من فقدناهم من آباء وأمهات نسال الله لهم الفردوس الأعلى من الجنة*
#منقول_للفائدة
مرعب فعلًا أن يمرّ الإنسان بأحداث جسيمة في حياته مثل فقد عزيز، أو مرض منهِك، أو ن��ص في الأموال، أو حرمان من الرزق، ثم لا تغيّر فيه هذه التجارب شيئًا، إلا أن تزيده غفلة وانفصالًا عن ذاته وعن خالقه وعن معنى الحياة.
لكن يبدو لي أن البنية النفسية السابقة للشخص هي الأساس والمرتكَز، وأن الأحداث مجرّد محفّزات غير حتمية للاستجابة والتغيّر.
ما أشدّ بؤس الإنسان حين يعبر تجاربه الثقيلة دون معنى، ويعيد تدوير تخبّطه وضياعه بأشكال مختلفة.
عاملت أخاً من إخواننا اليمنيين لصيانة كهرباء البيت؛ فانتبهت إلي جوابه كلما طلبت منه خدمة وحاجة: طاعة.
كلما التمست منه مسألة قالها ولا زيادة: طاعة!
وهذه إجابة عربية عريقة أصيلة، وجاء بها القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿وَيَقولونَ طاعَةٌ﴾.
قال الإمام البغوي في تفسيره: (أي مرنا فأمرك طاعة، قال النحويون: أمرنا وشأننا أن نطيعك). وطاعة هنا خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أمرك. أي أمرك طاعة.
ما ألذ اللغة العربية ..
وما أطيب أفواه الناطقين بها.
نَمُشُّ بأعراف الجياد أكفَّنا **إذا نحن قمنا عن شواءٍ مُضَهَّبِ
جميع هذه الكلمات التي ذكرها امرؤ القيس مستخدمها في عاميتنا اليوم بالمعنى نفسه، غير أننا نقول "مُهضَّب" وهي فصيحة أيضا لغة في "مُضهَّب" وتعني شي اللحم دون إنضاجه.
ينقصنا الآن فقط أعراف الجياد التي كانت العرب تمشّ بها بعد أكل المهضّب😄
أستغرب أحيانًا من طرح مسألة تعدد الزوجات وكأنها "انتصار" أو هدف بحد ذاته، بينما الشريعة حين أباحت التعدد ربطته بمقاصد عظيمة ومسؤوليات ث��يلة، وعلى رأسها العدل والاستقرار الأسري وحفظ الحقوق.
التعدد في الإسلام ليس بابًا للتفاخر أو الاستعراض، ولا معيارًا للرجولة، بل تشريع له حكمه وظروفه وضوابطه، فالمقصد الأسمى ليس "التعدد" وإنما إقامة بيت قائم على المودة والرحمة والعدل، وتحقيق السكينة لكل الأطراف دون ظلم أو عبث بمشاعر..
السر الذي يعرفه الجميع .
أظن أني لن أتحدث عن الاداء في الفيلم ، والذي أراه أحد جماليات الفيلم ، وقد وجدت في كل ما قرأت إجماع على اتقانه وبراعته ، وللوصول لهذه الدرجة من التلقائية اعتقد أن العمل احتاج كثير من البروفات لاسيما أن معظم المشاهد بأصوات متداخلة ، علاوة على جهد عالي ودقيق في المتابعة والتصوير والمونتاج ، حتى نصل إلى تلك التفاصيل الحية التي شاهدناها.
اكثر ما لفتني في الفيلم هو السر : السر بالنسبة لي أمر في غاية الاهمية ، وقد سجلت تأملاتي حوله في كتاب تام وخالص ، ولأني لا أرضى ولا أومن بمسالة ان ادفع مبلغ لاطبع كتاب ، رضيت أنه يقعد عندي ( حبيس الا��راج حسب القول الشائع اللي اتحفظ عليه )، عموماً ، الفيلم يؤكد على فكرة أنه لايوجد سر ، وأن ما تتوقع بل وتثق انه سرك وتخفيه ، هناك من يعلمه ويعرفه ولكن لم يخبرك بمعرفته ، أما أحتراماً لمشاعرك ، أو عدم ا��تمام بالامر او لم تأتي الفرصة المناسبة ، وربما لو تعرض لاي استفزاز منك ، فسيبعثر ما يعرفه عنك على الملأ وفي الهواء الطلق ! أبسطها : اسأل نفسك لماذا لم تخبر فلان بالسر الذي تعرفه عنه ؟ وعليها قيس هذا الوضع على ملايين البشر .
الامر الاخر في السر أنه متشابه بين الناس ؛ وحتى لا اكشف كل ما كتبت في الكتاب لسردت هنا أنواع الاسرار التي يشترك فيها ملايين الناس ، وأكثر قصة وضحت هذا الامر قصة صديقات المطعم ، وأن كانت طرحتها بشكل مباشر في التشابه ، ولكن هذه القصة أشارت لنقطة أخرى وهي : عبء السر ، والمجهود النفسي الهائل الذي يبذله الشخص لاخفاءه لأنه يرى كرامته مرتبطة بهذا الأمر ، وكيف أن هذا الجهد الضاغط هو السبب الدافع الذي يجعلك تحسب ، كل كلمة وعبارة تعنيك ( عقولنا تلعب علينا ) !حتى تكشف نفسك بنفسك ، أو تنهار وتكشفه نتيجة اضطراب وقلق من ثقل السر والخوف والرعب من انكشافه كما حدث مع العروس التي تحب شخص آخر غير زوجها المستقبلي ، وأرى هذه القصة ناضجة جداً، وتمثل النضج في ردة فعل الماكييرة (Makeup Artist) ، التي قابلت اعترافها المفاجئ الخارج تماماً عن سياق الحدث ( لخبطة نفسية ) بحضن وطبطبة واحتواء، هذا الطرح يلمس منطقة نضج عالية؛ فالاعتراف (بالاسرار ) في لحظات الضعف لا ينبغي أن يُقابل بالفزع والتوجيه والتوبيخ وكأنه حدث يقع لأول مرة على الأرض، بل بالقبول كجزء من تعقيد النفس .
يمكن اكثر ما ازعجني ، هو الصراخ الكثير والمستمر في كل مشهد ، ولكن بعد وقت وجدته توظيف رائع ، ورأيت صدق المؤلفة نهى عادل ويحسب لفنيتها العالية أن نقلت الواقع في جانب من المجتمع المصري ، واقع يتوافق مع عفوية الاداء من الممثلين ، ( رجاء ان لا يفسر كلامي تحامل على احد ) لاني وجدت هذا الطرح صادق جداً، فهو ينقل التوتر الذي يعيشه الفرد بم��اقف مختلفة ، وقد تجلى التوتر المكبوت في القصة الاولى ، عندما سجل الشاب ملاحظة قد تكون عادية ، على طفل يتحدث بالإنجليزية وكأنه لمس سلك كهربائي مكشوف عند والدة الطفل ، فصعقه السلك بقوة ، تولد عن هذه الصعقه انفجار هائل .
حبيت فكرة الاغاني مع هذا الكم من الغضب والتوتر ، هذا الخليط في حياتنا اليومية ، ضحكات على السطح، وتوتر يغلي تحتها.
الفيلم يطرح فكرة أننا لا نعرف بعضنا في اللطف ، بل في الغضب ، الغضب هو اللحظة الصادقة، لأنه ينهي حالة (التمثيل الجماعي ) الذي نعيشه .
عنوان الفيلم ربما هو ساخر ، مقارنة بمضمونه ، ولكن خاتمة العمل تنتصر للربيع الضاحك .
رائعة التجارب ��لمصرية الحديثة التي نراها في السينما ، جهود إبداعية تحترم حتى وان اختلفت معها في بعض الامور ، تجارب تشعر فيها بالجدية والمعرفة التي تحمل وجهة نظر مختلفة ومتفردة .
أتمنى أن أرى نسخة إيرانية لهذا الفيلم ، كيف سيتم التعامل مع السر ؟
#��ي_الدراما
الدراما التي تروي العادي… وتترك الأثر الأعمق
عندما نتوقف عن مطاردة “الأعظم والأكبر والأجمل والأفضل ، ونمنح العادي حقه ��ي الوجود، نكتشف أن المعنى الحقيقي يتجلى في الأفعال اليومية ربما حتى الصغير منها ولكننا نتجاوزهاي ولا نهتم بها ونذمها ، ولا نعرف قيمتها حتى تأتي الأيام الشديدة التي تكدر وتلغي الأفعال اليومية المعتادة والمكر��ة ، وقد تكون أيام كورونا مثال واضح .
الأعمال الدرامية التي تحكي عن العادي ، أسرة تجلس حول مائدة، شاب يذهب يومياً إلى العمل، طالبة تذهب للجامعة … الخ ،هي التي تلمسنا أكثر، لأنها تقول لنا دون صخب ، هذه حياتكم أنتم أيضاً .
هي لا تعِدنا بالهروب من الروتين، بل تكشف لنا أن الروتين نفسه مليء بالدهشة حين نتأمله. وحين نشاهدها، نشعر بالدفء لأننا نرى أنفسنا في الشاشة، لا كأبطال خارقين ولا كأشخاص استثنائيين، بل كأناس عاديين نحاول أن نعيش ونفهم ، مثل الأعمال السورية التي برعت في تصوير تفاصيل الحياة اليومية بحميميتها ، مهما كان هناك احداث ومنعطفات ، وكذلك السينما الاير��نية وبعض الافلام الاوربية خاصة الفرنسية والإيطالية والاسكندنافية .
وسرها أنها تذكرنا بما ننساه غالباً : أن العادي ليس فراغاً، بل هو الحاوي لكل ما هو حقيقي ، ولهذا، حين ينتهي الفيلم أو المسلسل ، لا نتذكر فقط الأحداث ولكن ا��شخصيات والحياة اليومية وروتينها الذي قد نكتشف من خلال هذه الأعمال كم أن هذه الأيام غنية وثرية .
وهذا هو النوع الأصعب في الكتابة.
#في_الدراما
أبرز الأساليب المستخدمة في خطاب التلاعب الأمريكي دائما اعتبارها البدء من النقطة الثانية هو محل انطلاق النقاش. فلا توجد نقطة أولى تناقش من الأساس لأنها وفق وجهة النظر الأمريكية محسومة.
هذا مثال آخر على انطلاق الحوار من النقطة الثانية، وهي أن أمريكا لديها شروط، وهذه الشروط لو نفذت فلن تعلن الحرب، وأن عمان كوسيط لديها فرصة تاريخية لكي توقف الحرب، إذا نفذت هذه الشروط.
منطق بسيط أليس كذلك؟ ماذا عن الجذر الذي لم يتفق عليه؟ الذي يقول:
- نحن أمريكا، الأقوى، نفعل ما نشاء، ونخدم مصلحة إسرائيل بكل ما بوسعنا من صدق ومن أكاذيب، بالمال، وبالرجال، بالخطابات، وبالمواقف، وبالإعلام.
عندما ترى تعامل البيت الأبيض مع حلفائه، لن تستغرب أن ينال الوسيط الأذى والهمز، واللمز، والضغط. حتى هذا المقال المضحك الذي يشبه بكل بساطة مندوب مبيعات ساخط من عدم حصوله على صفقة وذهب لكي يشتكي للمدير. النقاش لم يكن في النقطة الثانية، ولم يبدأ منها أبدا بالنسبة للشعوب والدول التي تعاني الأمرين من سياسة أمريكا الدموية، والعدوانية ثقافيا، والعدوى العنصرية التي حصلت عليها من فرط مخالطتها تل أبيب ومن بها من سفاحين ومحترفي إبادة وصناع دولة فصل عنصري.
ذلك الوزير القادم من دولة قليلة السكان، أقوى ما لديها هي النوايا الحسنة، والصدق التام المثبت بالدليل الواقعي بالسعي للسلام، والتمسك بالحياد كان يعلم جيداً كيف يمكن لكذبة واحدة أن تخلق كارثة إنسانية تمت�� لعقود.
كذبة مثل "أسلحة الدمار الشامل" التي بسببها حدث غزو العراق، وتكالبت دول العالم مثل الأكلة على قصعتها تجرب أسلحتها، وقذائفها، وتنزف قدرا معقولا من المال والتمويل مقابل كل ميجا طن من المتفجرات على رؤوس العراقيين.
هناك عرف وزير الخارجية العماني كيف يلقي الورقة الأخيرة. يعلم جيدا ما الذي يفعله، ويتضح لاحقا لماذا فعله! عندما تكون وسيطا، أنت في موقف شاهد على الطرفين، وإلا لماذا وثقا بك من البداية؟
من الجانب الأمريكي، التلاعب الدائم يقول: "نحن أمريكا نحن المشيئة، ما نريده أمر واقع" ..
العالم لا يتعامل مع أمريكا بالطريقة التي يحلمون بها، وقطعا لا يتعامل مع أمريكا بالطريقة التي يحلم بها مخبول البيت الأبيض الخارج عن المنطق والفهم والسيطرة. وإلا لكانت إيران سجدت للرب الأمريكي، وسلمت أسلحتها، وصواريخها، وببساطة بالغة لم تكن هناك مشكلة من الأساس، وشبه جزيرة إسرائيلية أيضا سيأتي مع سجود تام لكل الدول! منطق طفولي لا يمكن أن يؤمن به سوى ترامب وهو يلعب بألعابه الحربية في مكتبه كأي شخص اضطر لكي يتعلم السياسة فقط بعدما أصبح رئيس أقوى دولة في العالم، ولا يبدو أنه تعلمها حتى هذه اللحظة!
كيف توقف الكذبة الكبيرة؟ هنا توقف الحرب، أو على الأقل تحاول أن توقف الحرب، وإن لم توقفها توقف تفاقمها نتيجة انسياق الجميع واراء سياسة بدء الحوار من النقطة الثانية. ولهذا السبب كانت المقابلة، ولهذا السبب كان المقال، ويبدو من ردات الفعل أنها حقق نتائج حقيقية في إحباط المساعي الأمريكية لترويج الكذبة الإسرائيلية، وبالتالي تحقيق الدعم الدولي لحرب تدميرية نهايتها وجود دولة مفككة مجاورة لدول الخليج، وطبعا بلا شك مجاورة لعمان التي ستنال نصيبا موج��ا للغاية من تفكك إيران، أو تحولها إلى دولة منهارة.
السبيل الوحيد لتغيير نظام إيران هو الثورة الشعبية فقط، وكل ما فعله نتنياهو وترامب هو اختيار سيناريو البناء الاضطراري بعد الهدم، وحتى هذه اللحظة لا يبدو أن هذا الهدم قد حدث بصورة لا يمكن إصلاحها ولا بناؤها، كل هذه الحرب لم تتجاوز أن تكون تعطيلا وغرسا للمزيد من الإرادة والعدوانية للنظام الإيراني الذي يهدد أيضا بتسليم المنطقة للشيطان الرجيم في حال سقوطه. كما يتآمر الخليج على إيران ويؤيد أمريكا ضد إيران، تتواطأ إيران أيضا مع الشيطان الرجيم ولا تعبأ أن تسلم أمريكا وإسرائيل شبه الجزيرة العربية في حال سقوطها، هذا هو الجوهر الثقافي الكبير لما يدور من مآلات تُفهم في ذهن الفرد العادي، وكاتب المقال من هؤلاء الأفراد العاديين الذين يفهمون المآلات بهذه الطريقة.
اضرب السردية، تضرب الحرب. هذا ما فعله وزير الخارجية العماني، لم يفعل ذلك دفاعاً عن إيران، ولا تحيزا لها، فعل ذلك دفاعا عن مصالح بلاده التي لا تريد حربا بجوارها، ولا تريد ��عقيدات هذه الحرب والبلاد تمر بمرحلة تغيير نموذج اقتصادي صعبة للغاية، وآخر ما تتقبله هو: حرب إقليمية.
هذا الحقد الجمهوري والضغط على الوسيط شيمة سياسة جديدة على أمريكا التي كانت مرارا تتغنى بموال (Don't shoot the messenger ) ردة فعل تدل على تعطيل تأجيج الحرب وتسعيرها، وقد وافق وعيا عالميا بتفلت البيت الأبيض من المنطق، ودخوله منطقة الخبال الرسمي بسبب مجنونه الذي يجلس عليه حاليا، دونالد ترامب تارجيريان الذي سيلقب لاحقا بلقب (Mad president) نقلة سياسية في محلها، آتت أكلها، والآن مع ردات الفعل الساخطة، والتي منها هذا المقال الذي كما يقول العمانيون (يقلب النعال) وذهب يشتكي على وزير الخارجية مع مديره المباشر!
ستدفع سلطنة عمان ثمن موقفها المحايد أمام مجانين الحرب والفتن والغدر كثيرا. مهما دفعت من ثمن، لن يكون باهظاً مثل الثمن الذي ستدفعه لو أصيبت بجنون تسعير الحرب، واللعب على أوتار دماء الشعوب ومصائرها.
الضغط على سلطنة عمان من قبل الأنظمة التي أعلنت الحرب ولم تعترف بها كبير، ودورها في الوقت نفسه محتفظ به للوقت الملائم عندما يحين السلام، وكذلك أيضا الضغط على سلطنة عمان من قبل اللوبي الصهيوني واليهودي سيكون كبيرا، ولن يتم الاحتفاظ به من قبلهم وإنما من قبل منافسيهم الذين عندما يحلون محل ترامب مستقبلا، سيعودون إلى مد خيوط التفاهم مع عمان مع اعتذار ضمني كذلك يبدأ من النقطة الثانية: "أمريكا فعلت ما تشاء في زمن ترامب، والآن تفعل ما تشاء في زمن خصوم ترامب، اقبلوا بذلك أيها العالم"
إبطال زخم حرب مثل تلك بقوة الشاهد على الطرفين شيء جديد لا يحدث دائما من قبل عمان. ويدل على استماتة عمان في الدفاع عن مصالحها، ومصلحتها في السلام مبنية على عقيدة الدولة نفسها التي لا تلعب لعبة التفريق والسيادة، وتحاول بكل ما لديها من طاقة أن تصنع لنفسها مكانةً واضحة المعالم متسقة مع هويتها الحضارية الراسخة، ونظامها السياسي المستقر منذ عقود طويلة على أن الحرب هي شأن دفاعي بحت وليست لعبة رأسمالية كما أصبحت دول كثيرة الآن تتأمرك في هذا السياق التدميري، عمان ليست من هذه الدولة.
ما يسجل لعمان بتمسكها بخيار السلام لن يأتي بمردود حاليا. والخليج ليس بريئا أيضا من محاربة إيران، وقطعا إيران لم تكن يوما ما بريئة ولن تكون، ما فعلته من عدوان غاشم انتقامي وعقابي على مصالح مدنية كانت رسالة من يريد هدم المعبد في حال هزيمته. المشهد معقد، والذي يسجل لعمان هو أنها وقفت ضد هذه الحرب التي يقودها ال��غيان العالمي، بتمركزٍ في محله، وخطاب في وقته المناسب، ومقال في سياقه المناسب، واستطاعت بقوة الشاهد على الطرفين أن تحقق أثرا واضحاً في تخفيف تفاقم زخم هذه الحرب.
وحسم الوضح الحالي كل ذلك بالتخبط الأمريكي الذي مجددا بدأ الحوار من النقطة الثانية، نقطة فتح المضيق، وحل الأزمة، ولأن مخبول البيت الأبيض في المعادلة أيضا أصبح مهما ذلك المجد النرجسي الكاذب بإضافة أزمة جديدة لقلادة هذا الرئيس الذي رشحته إسرائيل لجائزة نوبل للسلام!
عالم مقزز بمعنى الكلمة، وهي شهادة شهدت بها الأعداء أن تغضب عمان حفنة الأنذال والسفاحين بمحاولة معنوية ولغوية وخطابية تركت أثراً واضحا لدى حفنة الأنذال المؤمنين بالدماء والقتل والضاربين عرض الحائط بكل ما استقر في وجدان العالم من مسلمات ومفاهيم عن القانون الدولي والتعايش بين الثقافات، وبين الكيانات السياسية التي تحمل اسم: دولة.
نعيش في زمان غريب! ويعلم الله فقط إلى أين سيذهب بالعالم إن لم ينتصر صوت العقل، وتعود القنابل إلى صناديقها! فإما عصر تعايش وجدال ساخن، وإما عصر الميجا طن من التي أن تي. كل هذا في حكم المجهول!
والله غالب على أمره
سبحان الله! إن توجيه الرسول ﷺ لنا بقراءة سورة الكهف كل جمعة يحمل حكمة بالغة؛ فكلما أمعنت النظر فيها، وجدتها أشبه ما تكون بـ (دليل إجراءات تشغيلي) لإدارة الحياة. هي خارطة طريق أسبوعية ترسم لك كيف تعيش أيامك بوعي واتزان
إنها تهذب فوضى أسبوعك، وتمنحك المعايير اللازمة لفهم أحداث الحياة كيف…!!!
لدي وجهة نظر (كفرد مستقل يتابع ما يحدث) تجاه أمرين يخصان هذا المنشور:
الأولى: طرح مثل هذا، مليء بالتهذيب، رغم الاختلاف الجذري معه من حيث السياق، وغياب تام من الأساس لتحليل أهداف عمان، ومواقفها، وأسباب الوساطة، هذا الطرح لا أظن أنه يستحق ردة الفعل الحادة التي أصابته. لو كان كل شخص يختلف مع الموقف العماني بهذا الاحترام لكان العالم بخير!
الحديث عن عمان في الإعلام الخليجي، والعربي دائما ما يأتي ناقص السياق للأسف. وهذا ما يجعلنا كعمانيين دائما نشكك في الكثير من الطرح لأنه ترك فجوات مفاهيمية شاسعة ونبذها. طيب لماذا عمان من الاساس تقوم بدور الوسيط؟ هل هذا بمبادرة منها أم من الأساس نتيجة وضع ثابت في السياسة العمانية؟
موقف وزير الخارجية العماني يمكن تفسيره على عدة طبقات من التأويل كلها ستصب في نهاية واحدة، عمان لا تريد الحرب، لأنها لا تريد الحروب! لا تلعب لعبة النار والدم، ولديها مشروع بناء اقتصادي تسعى به لتحسين قوتها كدولة، ولتحسين الوضع المعيشي لشعبها.
هذا هو السياق الذي عندما لا يذكر يجعل أي طرح عن عمان عرضة للتشكيك، ومع أن الأخ العزيز كاتب المقال أدناه لم يقم بأي إساءة، إلا أنه ترك أبواب التأويل مفتوحة على مصراعيها. الحقيقة هي أن الكثيرين لا يفهمون عمان جيدا وينطلقون من تصورات عمومية تستغرب أحيانا أن ��صدر من متخصصين وذوي خبرة في المجالات الإعلامية والدبلوماسية.
وزير الخارجية العماني عندما قرر رفض حرب إسرائيل على إيران لديه أسباب اتفقت كل دول الخليج عليها لاحقا، ورغم ما تعرضت له هذه الدول من عدوان إيراني، قررت هذه الدول أيضا على مضض ألا تحارب حرب إسرائيل على إيران، وألا تسمح للسيناريو الأقبح أن يحدث، أن تكون إسرائيل رفيقة سلاح في حرب شاملة في المنطقة، ووقتها لا أظن أن أي حلم يقظة لنتنياهو سينافس في اللون الوردي ما يتحول له الواقع إن حدث ذلك.
الرفض المسبق لوزير الخارجية العماني، وذهابه إلى البعيد، وكتابته للمقال كان استباقاً لما سيأتي بعد هذه الحرب، وا��ضغوط التي ستمارس على سلطنة عمان لكي تنخرط أكثر في الأجندة الإسرائيلية التي تمثل أمريكا ذراعها الضاربة. هذه لم تكن حربا إيرانية أمريكية، هذه بدأت حربا إسرائيلية إيرانية، وعندما دخلت أمريكا على الخط، انشغلت إسرائيل بإثارة الفوضى في لبنان وتركت ترامب في ورطته أمام العالم والرأي العام، لا يختلف اثنان على أن أي اقتراب مع ترامب لا يأتي سوى بالمشاكل والإحراجات الدبلوماسية، وبياناته القذر�� مؤخرا لم تترك لأحد مجالا للشك بأنَّ المتواطئ مع أمريكا حاليا سيذهب بنفسه إلى داهية.
هذا هو العمق الثاني في خروج وزير الخارجية العماني عن المألوف، لإغلاق الطريق لاحقا أمام الضغوط التي ستريد جرجرة عمان إلى مهرجان الخسارات والعنف والدماء، ولم تسلم عمان من المسيرات، ولم تسلم من الإعلام الموجه.
الذي قال: لا في وجه البيت الأبيض ..
سيستمر في قول لا لأن رفض الحرب بالنسبة لعمان هو موضوع مبدأ، فالحرب دفاعية، وليست لعبة سياسية مؤقتة تقودها جيوش ضخمة باقتصادات ضخمة في منطقة تحاول جاهدة صناعة جذب للعالم، وتطوير لأنماط حياتها كما يحدث في الإمارات والسعودية وقطر تحد��دا، دول ثرية غنية ما أجمل أن يقحمها ترامب في حرب إسرائيل ضد إيران ليبيع لها السلاح لعقد كامل متواصل، وسلم على الخليج، والنفط، والوفرة، هذا إن لم تكتمل المعمعة بمشاريع مؤجلة ضد الأنظمة الملكية، وما يأتي مع ذلك من تقسيم. ويمكن تخيل حدوث ذلك بسهولة نظرا لما فعلته أمريكا مرارا في العالم!
لا أعرف من أين يأتي الإعلاميون بمعلوماتهم عن العلاقات العمانية الإيرانية!!! أو هذا "التقارب" المزعوم!!! حجم حضور إيران، واستثماراتها في دول خليجية أخرى أضعاف مضاعفة، والمنتجات الإيرانية حاضرة في دول عربية أضعافا مضاعفة أمام وجودها في عمان.
عمان لا تستفيد من إيران شيئا يذكر سوى الصداع، (وكف الشر). من بين كل الدول، إيران جار مهووس بالخروج عن حدوده، والتدخل في دول أخرى، ولديه عامل مذهبي يمكنه أن يثير الفتن في مجتمعات كثيرة، أقصى فائدة تريدها عمان من إيران هي أن تجنب عمان عدوانيتها، وكثرة خصومها.
حديث الأهواء المتداول في الإعلام الموجه يغفل دائما عن توضيح هذا السياق، ولذلك يغضب ذلك العمانيين�� ومن حقهم، الذي يتابع الإعلام الموجه يظن أن إيران لديها مصانع، واستثمارات ضخمة، وجامعات، ومعاهد!! كل هذا مجرد وهم ومحض خيال.
تبدو عمان غريبة لمن يظن أن الفتنة الدينية الإسلامية الكبرى شيء طبيعي. نعم، تبدو غريبة! ما هذه الدولة التي حتى هذه اللحظة من الناجين من معمعة الانشطار التكتوني العربي؟
السياسة المسالمة وعدم التدخل في شؤون الآخرين ليست مسلمات رومانسية تؤمن بها عمان من باب الخطاب السياسي، هذه عقيدة حقيقية في الدولة العمانية، تجنبها صناعة الأعداء، وتدخر ما لديها من قوة وجهد للبناء وللدفاع. هل يتوقع أحدهم مثلا من عمان أن تنهمك في حرب إسرائيل ضد إيران؟ أو أن تلعب دورا مؤيدا لها؟
أما بخصوص قولك عن ترامب، وغيره، وموقف وزير الخارجية العماني الذي كان يعلم جيداً أي تأثير لتلك المقابلة سيكون، والتأثير اللاحق لها بعدما أثبت مشروع ترامب فشله التام في فهم إيران، وفهم نظامها.
كل العمل العسكري ضد إيران كان مبنيا على دعاية خطورة إيران على العالم وعلى المنطقة! وخطورة برنامجها النووي؟ ��لبيت الأبيض ماذا يفعل الآن؟ أصبح أكبر مروج للدعاية التي تقول "خطر إيران انتهى" .. أليس هذا انقلابا على السياق، وانهيار دراماتيكي عجيب وغريب!!!
بل العجيب حتى من منظور المصلحة الإسرائيلية ودعايتها، ترامب نفسه الآن هو حجر العثرة أمام تأجيج أي تأليب ضد إيران، فهو يدافع عن "نصره" وعن مجده، وعن كرامته.
هذه الحرب جعلت إيران أكثر خطرا، وقوّت مشروع الدولة العسكرية المحاربة والجاهزة للتوزسع للخارج، وجعلت الشعب يصبر على شر نظامه الحالي لعلمه اليقيني أن البديل الغربي سيكون تحطيما شاملا للدولة وإعادة لها مئة سنة للوراء.
إيران ليست دولة بريئة، وعدوانها الآثم على الدول الخليجية وضرب مصالحها المدنية وفق مبدا (انتقام العاجز عن ردع أمريكا) وكل الضرر الذي سببته لا يوضع في فاتورة إيران فقط، يوضع أيضا في فاتورة أمريكا الذي السير في حسابات مجنون البيت الأبيض حاليا ليس أكثر من مقامرة مع حقل ألغام.
ما فعله السيد بدر بسيط للغاية وواضح: سنقول لا للحرب، ولو جاءت من البيت الأبيض.
وسنقول لا للبيت الأبيض لو جاء لكي يقحم عمان في مشروع حرب من حرو��ه.
وسنقول للبيت الأبيض: هذه ليست حربكم، هذه حرب إسرائيل.
وسنقول: نرفض أن نخوض حرب إسرائيل ضد إيران.
لهذا السبب دكتور عمر، يغفل المحللون الخليجيون عن هذه الفجوات، فيكون خطابهم عموميا يجعلك تتساءل عن سببه، وحتى مع طرحك حسن النية غير المشكوك في صدق سعيه للفهم، تبقى هذه الفجوات موضوعا إعلاميا مستمرا.
عمان كأي دولة، لها مشروعها، ولها قراراتها، ولها عقيدتها السياسية، ولها أدواتها وطرقها، وتحاول حماية مصالحها. ومن يقرأ واقع عمان جيدا، ويتابع كل ما تفعله في السنوات الخمس الأخيرة سيرى بوضوح أن دولة لديها مشروع اقتصادي طموح، وفي منتصف معمعة تغيير للنموذج الاقتصادي من النموذج الريعي إلى نموذج اقتصادي متنوع سيتوقع منطقيا وبكل سهولة أن دولة في هذا الوضع ستقف تلقائيا ضد أي حرب في المنطقة. فما بالك بحرب مع دولة يجمعها معها مضيق ووضع لوجستي شائك ومعقد!!
هل تنفع إيران عمان بشيء؟؟؟ أقصى ما تريده عمان من إيران هي أن تكف شرها، وأن تبعد مشاكلها وصداماتها عن عمان. مسقط وسيط في عشرات التحركات الدبلوماسية وإيران واحدة منها، دور تقوم به عمان ان��جاما مع عقيدتها السياسية، وأهدافها، ومصالحها البديهية كأي دولة في العالم!
لا يوجد شيء غريب لا في الموقف العماني، ولا في القرار العماني، ولا يوجد شيء غير منطقي، دولة حافظت على نفسها بعيدة عن تيار الاستقطاب العربي، وانزاحت بهدوء مليء بالصعوبات بعيدا عن مجنون البيت الأبيض.
لماذا لا يفهم الإعلام الخليجي ذلك؟ السبب واضح، لأنه يفترض ويبني افتراضا فوق افتراض، فوق افتراض.
الافتراض من حيث التقارب المذهبي: افتراض خاطئ علميا ومنطقيا.
الافتراض من حيث المصالح المشتركة: أكثر من معلبات التونة، والكثير من الزعفران المصالح المشتركة مع إيران أقل بقليل وبكثير من مصالحها مع دول أخرى عربية وغربية.
والافتراض أن عمان منحازة مع إيران: خطأ آخر، تدخلات إيران في دول المنطقة تشكل ضررا وضغطا على عمان، وحرب إسرائيل وترامب على إيران تشكل ضررا وضغطا على عمان، دولة مشغولة بشيء أهم، وعملية انتقالية صعبة وتأخذ وقتا في تغيير النموذج الاقتصادي، ومع كل هذا أعباء جديدة، ورفع كفاءة قواتها المسلحة، وكلما نجح اقتصادك اضطررت إلى المزيد من الحماية.
هل تترك عمان مشروعها وتذهب لتنحاز لإيران، أو لأمريكا؟
الفضيلة الوحيدة التي تمثلها إيران على أمريكا أنها أقل ضررا بعمان، عدا ذلك، إيران، وأمريكا كلاهما دولتان تلعبان خارج حدودهما كثيرا.
أعلم دكتور أن كثيرا من التعليقات كانت مؤسفة، وأحزنتني بصراحة، ما هكذا ينبغي معاملة هذا الطرح المحترم والمهذب. هذه الفجوات الدائمة في الخطاب الخليجي تجاه عمان، أتمنى أن أجد إعلاميا يوما ما قد وضعها في الحسبان قبل أن يطلق عموميات مثيرة للاستغراب، وأحيانا للشك، وأحيانا للضحك ..
وهناك عوامل أخرى، لا يسمح لي الوقت ولا الظروف بسردها. العامل المشترك الأكبر في كل تحركات عمان: هي دولة تريد أن تسلم من شرور الجميع!
فلا هي تلعب لعبة النار والدماء، ولا هي تلعب لعبة الشرق الأوسط الجديد، ولا هي منساقة وراء المشروع الصهيوأمريكي .. ولا هي منساقة وراء شيء، دولة تعبت كثيرا في بناء نفسها، ولا تريد أن يذهب مجنون البيت الأبيض بالمنطقة للجحيم، وسعت بقدر ما لديها من وصول دبلوماسي لتجنيب المنطقة سعيراً يراد لها.
وكلمة (شخصية) بحتة لي في الأخير، لولا حالة الأحقاد المتراكمة، وما كادت أن تقدمه إيران على طبق من ذهب لأحلام إسرائيل الكبرى بهجومها على الخليج ودول الخليج بطريقة انتقامية، كان يمكن لهذه الحرب أن تنتهي بمشروع سلام خليجي إيراني كبير، سلام بين أعداء، سلام بين خصوم، سلام بين ما يكون! الخطر القادم من خارج المنطقة أكبر بكثير من الخطر الذي بها. هذا هو المنطق الذي تعيشه عمان حضاريا بشكل يومي، التوازن الطائفي الذي تتمناه أن يعم كنموذج ثقافي على الجميع.
في الختام، هذه وجهات نظري الشخصية، وملاحظات مراقب غير مختص، من الم��كد أنني أخطأت في شيء ما ومن المؤكد أنني تركت فجوةً ما هنا أو هناك.
في كل الأحوال: عمان لا يمكن اختصارها بمقال سريع ..
هذا ما أتمنى أن يفهمه كثير من الإعلاميين الخليجيين والعرب.
تحية ود وسلام دكتور، وأرجو أنني كتبت شيئا يساعدك على فهم عمان أكثر.
لا أحد يعلم الفتيات
كيف يتعاملن مع وجع القلب
الذي لا يجد له مكانًا بين الغسيل
وإعداد العشاء
لذا ننتظر
ننتظر أن تخلو الحجرة
أن ينضج الأرز
ننتظر حتى يرحل آخر ضيف
حاملًا معه مجاملاته وبقاياه
نرتب الحزن كأنه أمر عابر
ونؤجل الانهيار إلى يوم الأح��
ونتعلم البكاء بالتقسيط