#سياق_أوسع
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾.
هذه الآية من أكثر الآيات التي تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان و عمله، لأنها تنقل مركز الثقل من “الآخر” إلى “النفس”.
و إذا استشعر الإنسان هذا المعنى علم أن الله غني عن إحسانه، و أن خلق الله أغنياء عن منّة بعضهم بعضًا، فلا يتفضل أحد على أحد بإحسانه، لأن الفضل أولًا و آخرًا لله.
فالصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، و المعروف يرفعه الله قبل أن يراه الناس، و البر يعود إلى صاحبه قبل أن يصل إلى غيره.
و المحسن في علمه، و عمله، و سلوكه، و رحمته، و عفوه، و صدقه، إنما يبني نفسه قبل أن يبني غيره؛ لأن الإحسان يزكي القلب، و يشرح الصدر، و يبارك العمر، و يطهر المال، و يصلح النفس، و يترك أثرًا يمتد في الدنيا قبل الآخرة.
و لهذا قال: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾، فجعل ثمرة الإحسان عائدة إلى صاحبه.
ثم تأمل المقابل، فلم يقل: و إن أسأتم عليها، بل قال: ﴿فَلَهَا﴾.
و كأن الإساءة لا تتجاوز صاحبها، فهي أول ما تفسد قلب المسيء، و تظلم بصيرته، و تحرمه بركة الطاعة، و تزرع في داخله القسوة و الوحشة قبل أن تصيب غيره.
فالإحسان استثمار، و الإساءة خسارة، و كلاهما يبدأ من النفس قبل أن يمتد إلى الخارج.
و في ذلك إشارة بديعة إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يخرج عن دائرة أثر عمله؛ فما يزرعه في داخله هو أول ما يحصده. فإن زرع إحسانًا، عاش في بركته، و إن زرع إساءة، عاش في آثارها، حتى قبل أن يرى جزاءها يوم القيامة.
#سياق_أوسع
قراءات في سورة الذاريات
هندسة القلب الإنساني
يمرُّ كثيرٌ من الناس على قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، و قليلٌ منهم من يقف طويلًا عند معناها.
فالقراءة المباشرة توحي بأن السماء موضع الرزق، و أن الأرض موضع السعي. و هذا معنى صحيح، لكنه لا يكشف كل ما في الآية؛ لأن آيات القرآن لا تُقرأ في معزلٍ عن سياقها إذ تتكامل دلالاتها حين يُقرأ الخطاب كاملًا.
و لذلك نعود إلى السياق الذي يبدأ بقوله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾.
و عندها يتبين أن الآيات لا تتحدث عن الرزق وحده، بل عن تهيئة القلب لاستقبال الرزق. فالقرآن قبل أن يقرر أن الرزق في السماء، كان يعيد بناء الإنسان من الداخل، و هو ما أحب أن أسميه بهندسة القلب الإنساني.
حيث يبدأ السياق بدعوة خفية إلى التحرر من سلطان اللذة؛ إذ يقوم المؤمن في السَّحر، حين تستغرق الأجساد في أعمق لذة للنوم، فيترك فراشه متجهًا إلى الله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
و عليه، فإن الاستغفار هنا ليس ألفاظًا تُقال، بل إعلان تحرر من هيمنة الجسد، و من الغفلة، و من الاكتفاء بعالم الأسباب، و التوجه إلى من بيده مفاتيح الغيب، و خزائن الرزق التي لا تنفد لذلك أكدت الآيات على مفاهيم التدبّر.
ثم ينتقل السياق إلى تحرير آخر، لا يقل عمقًا، و هو التحرر من لذة التملك: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. فالإنفاق في القرآن ليس مجرد عبادة مالية، بل تربية للقلب على أن المال أمانة لا معبود، و وسيلة لا غاية، و أن البركة لا تنشأ من كثرة الإمساك، بل من صدق البذل.
و من اللافت أن الإنفاق يتكرر في القرآن كلما أراد الله أن يعالج مرضًا في النفس.
▪️فهو علاج للشح،
▪️و علاج للخوف من المستقبل،
▪️و علاج للتعلق بالدنيا،
فاليد التي تعطي تتعلم أن الرزق لا ينقص بالبذل، و القلب الذي يبذل يتحرر من عبودية المال، و النفس التي تؤمن بالخلف الإلهي غنيّةً و إن قل ما في يدها.
و بعد أن يتحرر القلب من سلطان النوم، و من سلطان المال، يأتي الإعلان الذي يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالدنيا كلها:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.
فالأرض ليست موضع الرزق، بل موضع السعي. و الأسباب ليست مصدر العطاء، بل مجاريه. أما الرزق فقد كُتب عند الله قبل أن يصل إلى الأرض، و قبل أن يجري على أيدي الناس.
ثم يختم الله هذا البناء بقسم عظيم:
﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾.
و القسم القرآني تعظيم لشأن المقسم عليه، و بذلك يلفت السياق القلوب إلى أنه حقيقة ينبغي أن تستقر في أعماقها، لا مجرد معلومة تمر عليها.
و لعل هذا هو جوهر ما أسميه هندسة القلب؛ فالقرآن لا يبدأ بتغيير ما في يد الإنسان، بل يبدأ بتغيير ما في قلبه. فإذا تحرر القلب من الغفلة، و من الشح، و من التعلق بالأسباب، و أعمل الإنسان آلة عقله، أصبح مستعدًا لأن يفهم هذه الحقيقة كما أرادها الله:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.
رزقني الله و إياكم تقواه و مخافته، و نجواه و صدق عبادته، و حبانا يقين الإيمان الخالص الكامل بما عنده و حرّرنا من ضلالة ما عندنا، و ألهمنا و سدّدنا و تولّانا و أغنانا بفضله عمن سواه.
"there's a place by the sea and that's my town
When I don't know what to say
When I don't know what to do
There's a room I need to sit in
Surrounded by my favorite view"🎶❤️✨️