ونتيجة هيمنة الأنانية العاطفية على تفسير الإنسان لتجربته، لا تقتصر إعادة التأويل على الأحداث، بل تمتد إلى المفاهيم ذاتها، فيغدو الوعي تبريرًا، والرغبة حجة، بينما تظل الحقيقة أسيرة الرواية التي تحفظ للذات انسجامها.
وربما لهذا تبقى العلاقات العميقة مؤثرة. ليس لأنها تؤلم دائمًا، بل لأنها تكشف للإنسان اتساع قدرته على الشعور.
والألم في هذه الحالة ليس نقيض الحب، بل أحد الأثمان التي يدفعها الإنسان لأنه امتلك في يومٍ ما .. شيئًا كان يستحق أن يُحَب.
ربما لم تُوجد النوافذ لنرى العالم فحسب، بل لئلا تستبد العتمة بما في داخلنا. فهي ليست مجرد إطارٍ يطل على الخارج، بل اعتراضٌ هادئ على الانغلاق.
ولهذا يبدو كل ما يُدخل النور إلى حياة الإنسان .. فكرةً كانت، أو شخصًا، أو ذكرى .. أقرب إلى الخلاص من كونه مجرد حدث.
فالحياة لا تُقاس بعدد الأيام، بل بمقدار الضوء الذي يمر عبرها.
الفكرة المؤلمة هنا ليست أن الإنسان يصبح هادئًا، بل أنه يفقد تلك الحالة التي كان فيها يعبر عن نفسه دون خوف من أن يُساء فهمه أو يُستغل أو يُلام. وكأن العفوية .. بعد أن تُجرح، لا تموت تمامًا، لكنها تكف عن الظهور.