كتب صاحب هذه الصورة "حسان سلطان"
صورتي من بين 200 معتقل
الناجون منهم يُحصون على الأصابع
أما الباقون، فقد ظلّوا أرقامًا ودُفنوا فيها
كانت تلك اللحظة الوحيدة طوال فترة اعتقالي
التي سُمح لي أن أرفع بصري، أن أنظر نحو الأعلى دون عصابة على عيني، ودون حذاء يهوي على رأسي..
قبل الصورة بدقائق كسرت يدي تحت التعذيب
وبعدها بنصف ساعة استُكملت طقوس العذاب
كانت الصورة بين مشهدين من الجحيم
وربما كانت تلك النظرة كافية لترجمة معنى الجحيم.
بعد التصوير، أُعيدت العصابة على أعيننا
وربطونا بسلسلة طويلة كأننا في طابور الإعدام
ثم بدأ وداعهم الأخير.
حفلة من التعذيب الوحشي نفّذها جنودٌ يصلّون للطاغية
بأجسادنا ودمائنا يتقرّبون إليه
كل ما حولهم كان أداة عذاب
كرسي، عصا ، جنزير، سير دبابة
كل شيء تلامسه أيديهم يتحول إلى وسيلة لإيذائنا
كل شيء مباح، وكل شيء مسموح مادام الألم هو الهدف.
و لا معنى للتهم
لا فائدة من الاعترافات..لا نجاة مهما كبر الجُرم أو صَغُر
في مسالخ الأسد لا يتوقف التعذيب إلا عندما يملّ الجلاد أو يتعب
وبعد ساعات وحين تعبوا أخيرا
وأخذوا جرعتهم اليومية من دمائنا
بدأ الترحيل إلى فرع آخر إلى زمرة جديدة لم تفقد شهيتها للتعذيب بعد
نُقلنا في سيارة للحوم التي كانت تُنقل فيها الأغنام
تحاصرنا رائحة الموت من كل جانب، حتى أصبحنا أكثر اعتيادًا عليها من الهواء نفسه.
أجسادٌ تتراكم كالأكياس، لا نور ولا هواء.
رؤوس تتنفس من فتحة صغيرة، نقتسمها كما كنا نقتسم فتات الطعام.
من تلك الفتحة الصدئة رأينا الشوارع!
يا الله!
الناس بملابس نظيفة شعرهم مرتب لحاهم حليقة...
حياتهم طبيعية، وضحكاتهم العالية تساعد السجان في تعذيبنا.
لماذا أنتم صامتون؟
نحن خرجنا لأجلكم،
نُكلنا، سُحِقنا، شُبحنا.
باسمنا واسمكم، دفعنا حريتنا لأجل حريتكم.
لماذا تستمرّ حياتكم كأننا لم نُكن؟
تحت أقدامكم زنزاناتنا مكتظة!
لماذا نُسينا؟
لو أدرك الجلادون كم القهر حين نرى الحياة تمر من بعيد،
لكانوا جعلوه مشهدًا يوميًا.
فالقهر نشوتهم ونصرهم الموهوم.
نجا من تلك السيارة القليل
أما الناجون فعتادهم ذاكرتهم.
يحملون في أعماقهم ما يكفي لاسترجاع حقوقهم.
وليثأروا لكل لحظة ألم.
أما أولئك الذين أصبحوا مجرد أرقام، فقد رأوكم من خلف تلك الفتحة، وقالوا في أنفسهم: لو أنهم فقط صرخوا، لما تبخرنا في هذه العتمة. أولئك الذين تبادلنا معهم وعودًا صامتة، من ينجو عليه أن يخبر العالم عنا ويحفظ حكاياتنا. أولئك الذين قُتلوا من أجل إسقاط طاغية في وطنٍ آمنوا به وكفر بهم.
لا تسمحوا أن يُمحى وجعهم من الذاكرة.
لا تسامحوا من تجبّر عليهم،
من قال أنا الله هنا، فقتل وأحيا كما شاء.
لا تسامحوا من كسر أضلاعهم، وحوّل وجوههم إلى أرقام في قوائم الموت.
لا تقتلوهم مرتين!
آمل أن تكون هذه المراجعة مفيدة.
المزة 86، حي يطل على حي المزة وأراضيه مصادرة من ملاكها، لتوطين ضباط وجنود "سرايا الدفاع" التي كان يقودها رفعت الأسد، والمسؤولة عن مجازر ثمانينيات القرن الماضي، سقطت عليه صواريخ مجهولة عدة مرات.. فماذا نعرف عنه؟
#سطور_سوريا