الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد ..
فإن من أوسع أبواب هلاك الإنسان ما يتكلم به لسانه! ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل يَكُبُّ الناسَ على مَناخِرِهِمْ في جهنمَ إِلّا حَصائِدُ أَلْسِنَتِهمْ؟!" ..
ومن أهم أسباب الهلاك بكلمات اللسان أن الإنسان قد يستحسنها على ما فيها من الضلال، كقوله تعالى: [الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا]، أو على الأقل يهوّن الإنسان من شأنها ولا يُلقي لها بالًا ولا يرى ما فيها من أسباب الهلاك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" ..
ومن أكثر أنواع الكلام إفضاءً إلى الضلال والهلاك المزاح والسخرية و(الاستظراف) والرغبة في الضحك والإضحاك، وفي بعض روايات الحديث السابق: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِهَا جُلَسَاءَهُ ، يَهْوِي بِهَا مِنْ أَبْعَدَ مِنَ الثُّرَيَّا "، وفي رواية: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا لِيُضْحِكَ بِهَا أَصْحَابَهُ فَيَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ، لِيُضْحِكَ بِهِ النَّاسَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ"!
وأقصر الطرق للنفاق وموت القلب هو خلط هذا بأي شيء يتعلق بدين الله من قريب أو بعيد، وقد رُوي أن قومًا كانوا مع جيش المسلمين في غزوة تبوك (خارجون للجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة شديدة)، فقالوا: "ما رأينا مثل قُرّائنا هؤلاء؛ لا أرْغَب بطونًا، ولا أكْذَب ألسنةً، ولا أجْبَن عند اللقاء"، فنزل فيهم قول الله سبحانه: [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ]، وبعض هؤلاء ظل ماسكًا بحزام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يعتذر له، ويقول: "كنا نخوض ونلعب"، والنبي صلى الله عليه وسلم يجيب: "قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ"، وربما لو حضر بعض المُغفَّلين الباردين هذا الموقف لقال: "ما سخروا من الله وآياته لكن من بعض القراء الكُسالى"، أو نحو ذلك!
ولقد كان هذا الباب من أعظم أسباب هلاك بني إسرائيل، ومن ذلك أنهم لما أُمروا أن يقولوا "حِطّة" وهم داخلون إحدى القرى قال بعضهم - سخرية واستظرافًا - : "حِنْطة" أو غير ذلك، قال الله تعالى: [فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ]!
بل رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا سمع أن رجلًا طلّق امرأته ثلاث تطليقات دفعة واحدة غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُم؟!"، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من اللعب بكتاب الله! .. أي أن ينزل فيه الحُكم يُقصَد به صورة معينة فيتحايل المرء ويُنزل الحكم على غير ما أراد الله سبحانه!
وقد اختلف الفقهاء في كُفر المتكلمين بعبارات كثيرة على وجه السخرية والاستخفاف والإضحاك والاستظراف، ومما ذكروه قول القائل: "لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها"، أو "إن أعطاني الله الجنة لا أريدها دونك أو لا أدخلها دونك"، أو "إن أعطاني الله الجنة لأجلك أو لأجل هذا العمل لا أريدها"، أو أن يقول: "باسم الله" وهو يتعاطى قدح الخمر أو يقدم على الزنا، أو أن يقول لأحد: "رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت"، أو يُقال لإنسان: "كل حلالاً" فيقول: "الحرام أحب إليَّ"!
وقال ابن بيدكين التركماني الحنفي في كتابه (اللمع): "ومن البدع القولية: مزح الإنسان بشيء من كتاب الله تعالى؛ مما يكفر فاعله أو يذم قائله. أمَّا الذي يكفر فاعله كمن يصعد في مكانٍ مرتفع والناس تحته، فيتشبَّه بالواعظ والخطيب، ويتلو كلام الحبيب، ثم يأخذ في مدِّ صوته وهزِّ رأسه بقوله: أيها الناس. وهم تحته يتضاحكون، كفروا كلهم أجمعون"، وقال: "فيؤلِّف كلامًا كذبًا على الناس وعلى بعض الأئمة، ليُضحك جلساءه في وقت فرحهم وحلقهم، فينقلب ضحكهم بكاءً في جهنم وغمة"!
وهذا له نظائر كثيرة، وبغض النظر عن صحة إطلاق الكفر في هذه الأحوال = فهذه وأشباهها أقوال وأفعال شنيعة عند أهل العلم والإيمان، وإذا سمع الإنسان مثل هذا ولم تشمئز نفسه وينزعج خاطره ويُنكره فؤاده فينبغي أن يخشى على نفسه موات القلب، فضلًا عن يراه هيّنًا وينافح عن ذلك، لكن الحاصل أن بعض المعاني لا تكاد تُعلَّم في مقام واحد، مثل الأدب، من لم تتهذب نفسه به في المدة الطويلة قد لا يفهمه الإنسان ولا يرى أنه أساء الأدب، ولو أراد لشغّب بأمور كثيرة أيضًا، والله وحده هو العاصم من الضلال، والزيغ والهلاك لا يطرق أبواب القلوب دفعة واحدة، بل تظل حرمة الحق والدين تتآكل في نفوس الناس شيئًًا فشيئًا حتى لا يبقى منها شيء، كما لم تنعدم في نفوس اليهود والنصارى دفعة واحدة، لكن تساهلوا في هذه الأبواب حتى صرت تجد فيهم السخرية الفجّة من الله وملائكته وأنبيائه، وكثير من مجتمعاتهم المعاصرة لم تكن بهذا القدر من الوقاحة مع الدين من قبل، لكن ليس هذا وليد اليوم! .. وإنا لله وإنا إليه راجعون!
الوسطاء الذين سعوا في تسليم أسرى العدو إليه بكل عزم وإخلاص
ألم يضمنوا الاتفاق؟!
أين ضماناتهم؟!
لم يجودوا علينا حتى ببيان إدانة!
هل يخجلون الآن من أن يطلبوا من المقاومة تسليم سلاحها مقابل "ضمانات" جديدة؟!
إلى أهلنا في سلطنة عُمان:
مريم محمد السيد عبد الباسط، أم مصرية مقيمة قانونيًا في عُمان، وضعت مولودها يوم 25 مايو، ثم سُجّلت داخل المستشفى بصفة «سجينة»، وهي الآن مقيّدة الحرية مع رضيعها، وتواجه خطر الترحيل إلى مصر، بعد أن رُحّل زوجها من قبل بالطريقة نفسها!
مريم أمّ لثلاثة أطفال، وليست خطرًا على عُمان وقضيتها سياسية ملفقة، ومخاوف تسليمها حقيقية، وتسليمها لطاغية مصر وعصابته قد يعرّضها للانتقام والقمع والاختفاء.
يا أهل الجوار والمروءة، كيف يُسلَّم من استجار بكم؟
وكيف تُدفع أمٌّ ورضيعها إلى مصير مجهول؟
حماية المستجير من شيم العرب، وإغاثة الملهوف من أخلاق الإسلام.
نناشد الشرفاء في سلطنة عُمان: أوقفوا أي إجراء لتسليم مريم وأطفالها، واحفظوا حقها في الأمان والعدل، وصونوا عهد الأمان الذي أعطيتموه لها.
انصروا أمًّا مستضعفة، ولا تجعلوا الإنتربول بابًا للقمع وأنتم تعلمون أن هناك آلاف المظلومين على قوائم الإنتربول.
مريم ليست ملفًا أمنيًا؛ مريم أمٌّ مستجيرة.
والحرائر لا يُسلَّمن للظالمين.
Brother Amin Abdullah was the guard at the mosque in San Diego for years. He was instrumental in stopping the shooters from reaching the children today. This was his final post on FB. On these holiest days, may Allah have mercy on him and accept him as a martyr. Ameen
بينما كان الشهيد محمد زكي حمد يكتب كتابه "تحت راية الطوفان" من داخل الأنفاق في بيت حانون ، كان يلقي الدروس الدينية من القرآن ومن قصص الصحابة والأنبياء لتعزيز صمود المقاومين ، وفي الوقت ذاته كان يشارك في المعارك في ميادين القتال.
وقد نشرت المقاومة مقطع فيديو يرثي الشهيد، عرضت فيه مشاهد له أثناء مشاركته في حرب "العصف المأكول" عام 2014، حيث كان يبلغ من العمر حينها 20 عاماً.
صرخة على الأسوار
لستُ مهتمًا بقصة رجل الأعمال الذى اقترض أربعين مليار جنيه، ولا ببيانات البنوك، ولا بتحالفات المانحين، ولا بأسعار الفائدة التى ستُحسب على الورق ثم تُرحَّل إلى أعناق الناس فى الواقع. فبعد أكثر من عشرين عامًا قضيتها فى المحاكم أدافع عن المال العام، وأفتح ملفات بيع أراضى الدولة وخصخصة شركات القطاع العام، تعلمت أن المشكلة ليست فى رجل أعمال يرتدى بدلة أنيقة، بل فى سلطةٍ تصنع له البدلة، وتلمع حذاءه، وتفتح له الأبواب المغلقة.
تسابق رجال الأعمال على نهش المال العام ليس ظاهرة نادرة، بل محطة طبيعية فى كل المجتمعات ما دامت هناك سلطة تحب أن تحيط نفسها بالبلهونات، تحركهم بخيوط خفية، تفتح لهم العين الحمراء بعض الوقت إذا لزم الأمر، وتغلقها سريعًا طالما عادوا أدراجهم، تمنحهم العطايا والمناصب والسلطة حين يطيعون، وتحميهم حين تتكشف العورات.
وعندما نذهب إلى المحاكم ونفضح كل الفساد الذى شاب عمليات التفريط فى المال العام، لدرجة تجعل القاضى يكتب فى حكمه (أن هذه الحيثيات بلاغ لكل الجهات الرقابية)، لا يكون الرد تحقيقًا شفافًا، بل قانونًا جديدًا يغلق الأبواب، ويُسكت الأصوات، ويمنع المواطن العادى (الذى ليس طرفًا من المتعاقدين) من الطعن على عقود الدولة إلا إذا صدر حكم بات بإدانة طرفى التعاقد أو أحدهما فى جريمة من جرائم المال العام.
ثم يُفتح باب آخر فى الوقت ذاته، باب واسع للتصالح على هذه الجرائم فى أى مرحلة من مراحل الدعوى الجنائية، حتى لو كانت القضية قد أضحت أمام محكمة النقض، للحيلولة دون صدور حكم بات، مما يفتح بابًا يمر منه المتهمون فى جرائم المال العام كما يمر الهواء فى الصحراء.
لهذا كله، لم أجد نفسى منجذبًا لما يُثار حول الأربعين مليار جنيه. ليس لأن الحدث بلا قيمة، لكن لأمرين:
الأمر الأول: أننى شهدت نهاية مثل هذه الأحداث ألف مرة.
الأمر الثانى: أن الحدث الأبرز فى حياتنا هو الحقيقة التى لم تُروَ فى قاعة بنك، بل على سور القومسيون الطبى الذى يقف أمامه الفقراء.
هناك فى دمياط، يوم الخميس الموافق ٢ أبريل ٢٠٢٦، وقف عم ماهر ع. ح. ع.، 64 سنة، مقيم بالزعاترة مركز الزرقا، ويعمل سائقًا، حيث قام بشنق نفسه بسور المركز الطبى بغيط النصارى فى السابعة صباحًا، فى عدم وجود مارة بالشارع بدمياط.
أفنى عمره ممسكًا بعجلة القيادة، يقود الناس إلى أعمالهم، وإلى بيوتهم، وإلى أحلامهم الصغيرة.
حادثٌ واحد كسر ساقه، فكسرت معه مهنته.
وقف أمام القومسيون الطبى، لا يطلب امتيازًا، ولا قرضًا، ولا قطعة أرض، بل يطلب فقط اعترافًا بعجزٍ واضح، ومعاشًا صغيرًا يُبقيه حيًا.
لكنه لم يحصل على المعاش، فأضحى بلا عمل ولا معاش ولا مصدر دخل، فكيف يعيش؟
فأجاب الرجل، لا بكلمات، بل بحبل.
لم يمت فى صمت داخل بيته، ولم يُلقِ نفسه فى طريقٍ مزدحم، بل اختار أن يشنق نفسه على سور القومسيون الطبى، كأنما أراد أن يعلّق السؤال ذاته على الحديد:
كم يساوى الإنسان فى ميزان القوانين؟
السلطة التى تسمح بإقراض مليارات لرجل واحد، هى ذاتها التى عجزت عن منح معاش لرجل لا يملك سوى ساقٍ مكسورة وعمرٍ أنهكه الجهاد من أجل لقمة العيش.
السلطة التى تجيد توقيع العقود الكبرى، عجزت عن توقيع ورقة رحمة صغيرة.
والقوانين التى تُفصَّل بدقة لحماية الاستثمارات، تُترك فضفاضة حين يتعلق الأمر بحماية الفقراء.
ليست المأساة فى انتحار رجل واحد، بل فى أن موته لم يعد استثناءً صادمًا، بل صار صرخة يمكن أن تتكرر فى أى وقت، وعلى أى سور.
كم من مواطنٍ يقف الآن على حافة اليأس ذاتها؟ كم من شيخٍ خذلته الأوراق؟ وكم من أمٍ تنتظر قرارًا لا يأتى؟
نحن لا نعيش أزمة أموال، فالمليارات كثيرة كما نرى ونسمع، بل نعيش أزمة ميزانٍ يميل حين يُوزَن الذهب الفالصو، ويختل حين يُوزَن الإنسان.
امنحوا رجال الأعمال ما شئتم من امتيازات، قسّموا عليهم الأراضى والمدن والمصانع، افتحوا لهم الطرق السريعة إلى الثروة والسلطة، لكن تذكروا أن تحت هذه الطرق بشرًا يمشون حفاة.
يمكنكم أن تدهسوا الفقراء بأقدام القرارات، لكن تذكروا أنكم، فى النهاية، تحتاجونهم ليعملوا فى مصانعكم، وليحرسوا بواباتكم، وليقفوا فى الصفوف الأولى حين تشتعل الحروب.
الرجل الذى علّق نفسه على السور لم يكن يبحث عن الموت، بل عن حياة لم يجدها. كان يطلب مكانًا فى هذا الوطن، فلم يجد سوى حبلٍ يربطه بالعدم. كان الحبل له أصدق من القانون، وكان السور له أعدل من المؤسسات، وكان انتحاره رسالةً أعلى صوتًا من أى خطاب رسمى، وصرخة تحذر من مخاطر اليأس التى تحاوط الطبقات الوسطى والفقيرة.
اللهم بلغت، اللهم فاشهد.