لماذا سورة الكهف تحديدًا؟
يقرأ ملايين المسلمين سورة الكهف كل يوم جمعة.. يحفظ بعضهم آيات منها، ويكررون قراءتها أسبوعًا بعد أسبوع، ويعرفون ما ورد في فضلها والنور المرتبط بها.
لكن سؤالًا يستحق أن نتوقف عنده قليلًا: لماذا سورة الكهف تحديدًا؟
ما الذي يمكن أن يجعل سورةً تضم قصصًا تبدو متباعدة؛ فتية يهربون إلى كهف، ورجل يملك جنتين، وموسى عليه السلام في رحلة مع عبد صالح، وملكًا عظيمًا يجوب الأرض… تجتمع كلها في سورة واحدة؟
ربما لأن هذه القصص ليست متباعدة كما تبدو.
إنها، في حقيقتها، قصة الإنسان حين يُفتن.
والأخطر أن الفتنة لا تأتي دائمًا في صورة شيء يخافه الإنسان.
أحيانًا تأتي في صورة شيء يحبه.
تبدأ السورة بقوله تعالى:
«﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾»
وكأن البداية تضع أمام الإنسان الحقيقة التي يحتاج إليها قبل أن يدخل إلى قصص السورة كلها: ميزان مستقيم.
فالإنسان لا يضل دائمًا لأنه لا يعرف، بل قد يضل لأنه فقد المعيار الذي يزن به ما يعرف.
ثم تأتي قصة أصحاب الكهف.
فتية يعيشون وسط مجتمع يعتقد ما لا يعتقدون، لكنهم لم يسمحوا للخوف من الاختلاف أن يغيّر ما استقر في قلوبهم:
«﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا﴾»
وهنا تظهر فتنة الدين.
فكم من إنسان يعرف الصواب، لكنه يخشى أن يبدو مختلفًا؟
وكم من شاب يساير الخطأ لأنه لا يريد أن يخرج عن الجماعة؟
أحيانًا لا يكون ثمن الثبات فقدان الحياة، بل فقدان بعض القبول والراحة والمكاسب.
ثم تنتقل السورة إلى رجل يملك جنتين، فينظر إلى ما بين يديه ويقول:
«﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾»
وهنا فتنة المال.
فالمشكلة ليست في أن يملك الإنسان، بل في اللحظة التي يتحول فيها ما يملكه إلى شعور بأنه لا يمكن أن يخسره.
وظيفة مستقرة.
رصيد يزداد.
صحة جيدة.
نجاح مستمر.
أشياء قد تتحول، دون أن يشعر الإنسان، من نعم يشكر الله عليها إلى أوهام يظن أنها ستبقى.
ثم يأتي المثل:
«﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ... فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾»
وكأن السورة تهمس للإنسان:
ما بين يديك حقيقي، لكنه ليس دائمًا.
ثم تأتي قصة موسى مع العبد الصالح.
أحداث تبدو في ظاهرها غير مفهومة، حتى يأتي التفسير في النهاية.
وهنا فتنة العلم.
الإنسان يرى جزءًا صغيرًا من القصة، ثم يظن أنه يعرف كل شيء.
يحدث له أمر لا يفهمه، فيعتقد أن الحياة ظلمته.
يُغلق باب في وجهه، فيظن أن مستقبله انتهى.
ويخسر شيئًا، فيظن أن الخسارة هي كل الحكاية.
لكن:
رؤية الإنسان للحظة ليست رؤيته للقصة كلها.
ثم تأتي قصة ذي القرنين.
رجل مكّنه الله في الأرض، وأعطاه من أسباب القوة، لكنه لم يرَ ما لديه سببًا للاستعلاء، بل قال بعد أن أنجز عمله:
«﴿هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾»
وهنا فتنة القوة.
فكم من إنسان يتغير حين يملك سلطة؟
مدير ينسى أنه كان يومًا موظفًا.
وأب تتحول قدرته على التربية إلى رغبة في السيطرة.
وصاحب شهرة ينسى أن تأثيره في الناس مسؤولي�� قبل أن يكون امتيازًا.
القوة ليست فيما يستطيع الإنسان أن يفعله بالآخرين، بل فيما يصنعه بهم حين يصبح قادرًا.
وهكذا، تتغير القصص، لكن الامتحان واحد.
الدين.
المال.
العلم.
القوة.
أربعة أشياء يحتاجها الإنسان في حياته، لكنها قد تتحول إلى فتن إذا فقد ميزانه.
ولهذا تختم السورة بالعودة إلى الحقيقة التي ينبغي أن يبقى الإنسان متذكرًا لها مهما امتلك:
«﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾»
ربما لهذا يقرأ ملايين المسلمين سورة الكهف كل جمعة.
ليس لأن الإنسان يحتاج إلى قصة جديدة كل أسبوع.
بل لأنه يحتاج إلى أن يتذكر، كل أسبوع، أن الفتنة قد تدخل حياته من الباب الذي يحبه أكثر.
وأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يفقد شيئًا… بل أن يمتلك شيئًا، ثم يفقد نفسه بسببه.
د. عبد الكريم بكار
-أن تمتلك كثيرا، ثم لا يعود الكثير يعني لك شيئا....
- وأن تكون مُحاطا بالنعم، لكن جهاز الدهشة في داخلك قد تعطّل....
- أن تستيقظ صباحا فلا يؤلمك شيء، فتعتبر ذلك أمرا عاديا من البديهيات...
- أن تمشي إلى الحمام بقدميك، وتفتح الصنبور فتجد الماء، وتنظر في المرآة فترى بعينيك، ثم تمر بكل هذه المعجزات الصغيرة وكأن الكون مدين لك بها....
- أن يدخل عليك ابنك فتسمع صوته ...
- ويجلس أبوك أو أمك في مكانهما المعتاد ..
-ويعود زوجكِ مساء ...
-ويختلف الإخوة على أشياء تافهة ثم يتصالحون دون كلمات اعتذار ..
- وتعلو أصوات الأطفال في البيت.....
فتضيق أحيانا بالضجيج، ولا يخطر ببالك أن هناك من سيدفع عمره كله مقابل خمس دقائق فقط من هذا الضجيج الذي يزعجك !!
هذه ليست قلة أدب مع النعمة بالضرورة....
إنها ظاهرة إنسانية شديدة الخطورة.. إسمُها :
داء التعوُّد على النعم ...
فالنعمة حين تأتي أول مرة تُدهشنا، وحين تبقى طويلا تتحول في وعينا من "هبة" إلى "خلفية" ثابتة...
وهنا تبدأ المشكلة.....
نحن لا نفقد النعم حين تزول فقط… بل حين نتوقف عن رؤيتها...
في علم النفس مفهوم معروف باسم التكيّف اللذّي Hedonic Adaptation؛ ومضمونه، باختصار، أن ال��نسان يميل بعد التحولات الجيدة والسيئة إلى الاعتياد على واقعه الجديد.
الشيء الذي كان حلما بالأمس، يصبح طبيعيا اليوم، وربما يصبح غير كافٍ غدا.
أول راتب كبير يفرحك.... ثم يصبح راتبك المُعتاد....
أول سيارة تتمناها طويلا تلمس مقودها بشيء من الانبهار....
بعد سنوات قد تغضب لأن الشاشة فيها أصغر من شاشة السيارة الجديدة التي اشتراها صديقك....
البيت الذي وقفت يوما في وسطه فارغا وقلت:
الحمد لله، أصبح لي بيت...
قد يصبح بعد سنوات "قديما"، لأنك رأيتَ بيتا أجمل على إنستغرام.
وهكذا لا يسرقنا الحرمان وحده....
بل تسرقنا المقارنة أيضا....
فالإنسان القديم كان يقارن حياته غالبا بجيرانه وأقاربه، أما إنسان اليوم فيحمل في جيبه معرضا مفتوحا لأجمل ما لدى ملايين البشر.
لا ترى حياة الآخرين كاملة ...
ترى رحلاتهم، لا ديونهم....
ترى حفلات زفافهم، لا خلافاتهم....
ترى أجسادهم بعد اختيار أفضل صورة، لا أمراضهم وشهور التعافي في السرير....
ترى موائدهم، لا قلقهم....
ثم تقارن كواليس حياتك بأفضل لقطات حياة الآخرين....
فتبدأ نعمتك بالانكماش في عينيك، لا لأنها صغرت، بل لأن مقياسك تضخّم.
أخطر ما ي��عله الاعتياد أنه يُحوّل الهبة إلى استحقاق...
في القرآن الكريم كلمة شديدة العمق:
﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
لم يقل: بعض ما بكم....
بل : ما بكم من نعمة....
الفكرة الإيمانية هنا ليست أن تتوقف عن الأخذ بالأسباب، ولا أن تنسب نجاحك إلى الصدفة، وإنما ألا تنسى أن الأسباب نفسها ليست ملكا مطلقا لك.
تقول: أنا أعمل ولذلك أملك المال....
صحيح....
لكن من أعطاك جسدا يستطيع العمل؟
وعقلا يستطيع التخطيط؟
وبلدا فيه أمان وفيه سوق؟
وطريقا تصل منه؟
وعينين تقرآن العقد؟
ويدا تُوقّعه؟
وقلبا ظل ينبض بينما كنت مشغولا بكل ذلك؟
إننا بارعون جدا في رؤية السبب الأخي��، وننسى سلسلة الأسباب التي جعلته ممكنا....
ولهذا كان قارون نموذجا نفسيا قبل أن يكون قصة عن المال:
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾
المشكلة لم تكن أنه يملك علما ... المشكلة في كلمة:
"إنما" ... أي اختزال النعمة كلها في الذات.
أنا....
مهارتي.....
ذكائي.....
عملي....
استحقاقي....
وهنا يتحول الإنسان، دون أن يشعر، من مُمتنّ للنعم إلى شخص يعتقد أن الكون يُنفّذ عقدا مستحقا معه.
جرّب أن تنظر إلى بيتك بعيني شخص فقد بيته...
هناك تمرين قاسٍ، لكنه يعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية:
فكر بغيرك لثوانٍ.....
حين تدخل بيتك وتجد أهلك جميعا، تخيل شخصا يدخل بيتا كان مزدحما، فأصبح فيه كرسي واحد لا يجلس عليه صاحبه الأقرب إلى قلبك....
حين يرن هاتف أمك أو أبيك، قبل أن تقول: "سأتصل لاحقا"، تذكّر أن هناك أرقاما محفوظة في هواتف أصحابها منذ سنوات، يعرفون أن الاتصال بها لن يُجاب أبدا، ومع ذلك لا يملكون شجاعة حذفها.....
حين يوقظك طفلك ليلا، تذكّر بيتا آخر نام فيه الأبوان ثماني ساعات متواصلة، لكنهما مستعدان لمقايضة ذلك الهدوء كله بصوت طفل مُزعِج جميل.
حين تتذمر من ازدحام بيتك، فكر بمن يعرف تماما أن بعض أنواع الهدوء ليست راحة.
بعض الهدوء فَقْد....
** من أكثر مفارقات الإنسان قسوة أنه قد يحتاج إلى الألم كي يتعلم أسماء الأشياء.
كان يستطيع أن ينام على جنبه، ولم يسمِّ ذلك نعمة.
حتى جاءت ليلة لا يستطيع فيها.
كان يصعد الدرج دون تفكير.
حتى أصبح الصعود مشروعا يحتاج إلى حساب.
كان يأكل بلا خوف.... ويستحم وحده.... ويلبس ملابسه دون مساعدة.
ويذهب إلى الحمام حين يريد....
ثم يأتي مرض أو عملية جراحية كُبرى أو إصابة، وفجأة تتحول هذه الأشياء الصغيرة إلى أمنيات ضخمة.....
عندها يكتشف الإنسان شيئا مذهلا:
أن كثيرا مما كان يسميه "حياة عادية" كان في الحقيقة قائمة طويلة جدا من النِعَم.
الصحة خصوصا نعمة متخفية.... لا تُصدر صوتا حين تكون موجودة.
الكبد لا يرسل إليك كل صباح إشعارا يقول: "عملتُ طوال الليل بنجاح"..!
الكليتان لا تطلبان تصفيقا على القيام بمهامّها المُعقّدة على أكمل وجه.
القلب لا يوقظك بعد النبضة رق�� مئة ألف ليقول: "أكملت واجباتي الليلة"
الأعضاء الصامتة تؤدي وظائفها، ولذلك نتجاهلها.
وحين يتعطل عضو صغير، يستطيع وحده أن يحتل وعينا كله....
ولهذا نُسب إلى شوبنهاور معنى بالغ الدقة: أن الصحة ليست كل شيء، ولكن بدونها يكاد كل شيء يصبح بلا قيمة.....
ونحن غالبا نفهم العبارة متأخرين....
** تدخل المتجر.... السوبرماركت او المؤسسة التموينية...
تأخذ خبزا وحليبا وفاكهة ومنظفات وقهوة وأشياء ربما لا تحتاج إليها أصلا.
تمتلئ العربة....
يظهر الرقم على الشاشة...
تمد البطاقة....
تسمع صوت الموافقة....
وتغادر....
مشهد عادي جدا..... صح ؟!
لكن لو فككته قليلا ستكتشف كم هو استثنائي....
هناك طعام متاح....
ولديك حرية الاختيار....
ولديك قدرة على الدفع....
ولديك بيت تحمل إليه الطعام....
وربما هناك أشخاص ينتظرونك لتطهو وتأكل معهم....
في اللحظة نفسها، هناك إنسان يقف أمام رف في متجر ويحسب القطع النقدية قبل أن يقرر أي سلع�� سيعيدها.
وهناك أم لا تسأل طفلها: "ماذا تريد أن تأكل؟"
بل تسأل نفسها:
كيف أجعله ينام دون أن يشعر بالجوع؟
ليس المقصود أن تشعر بالذنب لأنك تستطيع الشراء....
الشكر ليس شعورا بالذنب تجاه النعمة....
بل وعيٌ بمصدرها، ورحمة بمن حُرم منها، وحُسن استعمال لها.
فالمال الذي يجعلك أكثر تواضعا قد صار نعمة مضاعفة.
والمال الذي يجعلك أكثر استعلاء ربما نجح في زيادة رصيدك، لكنه أفقر شيئا آخر فيك....
حتى الأمان نعمة لا نشعر بها لأننا لا نسمع صوتها ...
قال النبي ﷺ:
"مَن أصبح منكم آمنًا في سِربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا"...
تأمل الأشياء الثلاثة:
الأم��ن،،، العافية،،، قوت اليوم ...
لا قصور.... لا شهرة.... لا ملايين.... بل أن تستيقظ ولا تخاف أن يُكسر باب بيتك.
أن يتحرك جسدك.... وأن تعرف أنك ستجد ما تأكله اليوم....
ونحن في عصر نجح في إقناع الإنسان بأن السعادة موجودة دائما في الترقية التالية:
الهاتف القادم....
البيت الأكبر....
الوزن الأقل....
المنصب الأعلى....
الرحلة القادمة....
المتابعون الأكثر.....
وكأن الحياة غرفة انتظار، والحياة الحقيقية ستبدأ عندما يصل الشيء التالي....
وهكذا قد يموت الإنسان وهو ينتظر أن تبدأ حياته، مع أنها كانت تحدث أمامه طوال الوقت.....
لماذا قال الله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾؟
ربما نفهم الزيادة عادة بمعناها المادي فقط:
تشكر على المال فيزيد المال.... لكن للزيادة وجها أعمق.
قد تكون الزيادة أن يزيد إحساسك بما لديك....
لأن إنسانا يملك عشرة أشياء ويستشعرها أغنى نفسيا من إنسان يملك مائة ولا يرى منها إلا الشيء المفقود....
الشكر بهذا المعنى ليس مجرد مكاف��ة بعد النعمة....
إنه آلة تكبير للنعمة في الوعي....
فالنعمة الواحدة يمكن أن تُعاش مرتين:
مرة حين تُعطى لك....
ومرة حين تدرك أنها أُعطيت لك....
* أما الغافل فيأخذ النعمة مرة واحدة... ثم يستهلكها الاعتياد.!
كم من رجل تضايق من أسئلة أبيه، ثم صار بعد وفاته يتمنى سؤالا واحدا.
وكم من أم كانت تقول: "لقد أتعبني هؤلاء الأطفال"، ثم كبروا وغادروا، فأصبحت تدخل غرفهم لتشم رائحة زمنٍ كانت تشتكي فيه منه.
وكم من زوجين تشاجرا على تفاصيل سخيفة، ثم دخل المرض بينهما، فاكتشفا أن كل معاركهما القديمة كانت ترفا صحيا.
وكم من إنسان كان يكره الذهاب إلى العمل، ثم فقد وظيفته، فأصبح يحن حتى إلى الطريق الذي كان يلعنه كل صباح ..
ليست الدعوة هنا إلى قبول الظلم أو إنكار المشكلات.
بل إلى التفريق بين أمرين:
أن تريد تحسين حياتك، وأن تحتقر حياتك الحالية....
الأول طموح...
والثاني عمى....
- يمكنك أن تسعى إلى بيت أكبر وأنت مُمتن لبيتك...
- أن تسعى إلى دخل أعلى وأنت شاكر لدخلك....
- أن تريد ��حة أفضل وأنت تحمد الله على الجزء السليم من جسدك.
فالامتنان لا يقتل الطموح.... بل يمنع الطموح من أن يتحول إلى جوع لا يشبع.
ولهذا كانت العبادة نفسها تدريبا على مقاومة الاعتياد ...
نقول:
الحمد لله رب العالمين....
مرارا....
لماذا يحتاج الإنسان إلى تكرار الحمد؟
لأن النسيان يتكرر....
ولأن الاعتياد يعمل ��ل يوم....
ولأن القلب، مثل المرآة، لا يكفي أن تنظفه مرة واحدة.
الصلاة تقطع اندفاع اليوم خمس مرات لتقول للإنسان:
مهلا.... أنت لست آلة إنتاج....
ولست حسابا بنكيا.
ولست عدد متابعين.
ولست مشروعا يجب أن ينجح بأي ثمن...
هناك من أعطاك هذا اليوم أصلا.
ولهذا جاء في القرآن العظيم: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾
لاحظ:
"اعملوا شكرا" ... لأن الشكر ليس كلمة فقط... الشكر سلوك.
شكر المال أن يكون فيه حق لغيرك...
وشكر العلم ألا تتكبر به...
وشكر الصحة ألا تهلكها....
وشكر الأبناء أن تحسن تربيتهم....
وشكر الزوج أو الزوجة ألا تجعل طول العشرة سببا لإطفاء التقدير.
وشكر الوطن ألا تعرف قيمة أمنه فقط حين ترى أوطانا تنهار.
وشكر الوقت ألا تقتله ثم تشكو قصر العمر.
هناك فرق بين أن تملك النعمة وأن تسكن النعمة في وعيك...
قد يجلس شخصان إلى المائدة نفسها...
أحدهما يرى طعاما عاديا.... والآخر يرى رزقا....
ينامان تحت السقف نفسه....
أحدهما يرى غرفة.... والآخر يرى مأوى.
يستيقظان بالصحة نفسها....
أحدهما يقول: يوم آخر ثقيل.... والآخر يقول: ��ُنحتُ يوما آخر.
لم تتغير الأشياء.... الذي تغير هو الوعي بالأشياء.
وهنا نفهم أن الغنى ليس دائما في زيادة الممتلكات؛ أحيانا يحتاج الإنسان فقط إلى استعادة قدرته على رؤية ما يملك.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
والمفارقة أننا لا نستطيع إحصاءها، ومع ذلك نستطيع نسيانها....
ربما أجمل طريقة لمقاومة هذا المرض ليست أن نخاف كل يوم من فقد ما نحب.... فالحياة التي تقوم على توقع الفقد تصبح قلقة لا ممتنة.
المطلوب شيء أكثر اتزانا:
- أن ترى الموجود قبل أن يتحول إلى مفقود....
- أن تنظر أحيانا إلى أبيك وكأنك تعرف أن العمر ليس عقدا مفتوحا.
- أن تسمع ضحكة أمك دون أن تعبُرَ أذنيكَ فقط.
- أن تنظر إلى أطفالك وهم يكبرون وتفهم أن هذه النسخة منهم لن تعود.
- أن تدخل بيتك وتدرك أن مجرد وجود مكان تستطيع أن تغلق بابه وتقول "بيتي" نعمة عظيمة....
- أن تقف على قدميك فتتذكر أن هناك من يتدرب أشهرا ليقف... وأن هناك من فقد أطرافه ...
- أن تأكل لقمة طعام فتتذكر أن البلع نفسه وظيفة عصبية معقدة مجرد التفكير فيها مرهِق..
- أن تنام فتتذكر أن النوم الذي تسميه "شيئا طبيعيا" يتوسل إليه ملايين البشر كل ليلة....
وفي النهاية، ربما ليست المأساة الكبرى أن نخسر النعم... فالخسارة جزء من طبيعة الدنيا، وكل شيء فيها مؤقت إلى زوال....
المأساة الأشد أن نعيش داخل النعمة سنوات طويلة دون أن نعيشها فعلا، ثم لا نعرف مقدارها إلا عندما تصبح ذكرى....
فنقول بعد رحيل شخص:
ليتني أطلت الجلوس معه.
وبعد المرض:
ليتني عرفت قيمة جسدي حين كان معافى.
وبعد الفقر:
ليتني شكرت أيام السعة....
وبعد الغربة:
ليتني أدركت معنى الوطن....
وبعد الخوف:
ليتني فهمت ماذا كان يعني أن أنام آمنا.
لا تنتظر أن يشرح لك الفقد قيمة الأشياء...
افهمها وهي بين يديك....
لا تنتظر السرير الأبيض كي تعرف نعمة المشي...
ولا القبر كي تعرف نعمة الصوت الذي يناديك من الغرفة الأخرى...
ولا كشف الحساب الفارغ كي تتذكر الأيام التي كنت تضع فيها حاجاتك في عربة التسوق بلا خوف أو حساب...
ولا الوحدة كي تفهم أن بعض الأشخاص الذين اعتدت وجودهم كانوا هم أنفسهم شكلا من أشكال الرزق.
نحن لا نحتاج دائما إلى ��عم جديدة.... أحيانا نحتاج إلى عين جديدة للنعم القديمة.
ولهذا، لا تدرب نفسك على ألّا تعتاد الأشياء؛ فهذا يكاد يكون مستحيلا، فالإنسان مخلوق يعتاد....
لكن درّب قلبك على عادة أقوى من الاعتياد:
أن يتجدد فيه الحمد....
كلما جعل الاعتياد النعمة عادية، أعدها بالشكر إلى مقام المعجزة...
وقل الحمد لله، لا لأن حياتك كاملة، بل لأنك أدركت أخيرا أن الحياة لم تكن مطالبة أصلا بأن تمنحك كل هذا....
لا تألف النعمة حتى تنساها؛ ائْلَفَ الحمد حتى إذا غفلتَ عنها، أعادها الحمد إلى عينيك.... فالنعمة التي لا يشكرها القلب قد تبقى في اليد، لكنها تفقد بريقها في الروح.
وأحد أجمل أشكال الغنى أن ��نظر إلى ما اعتدته منذ سنوات، ثم تستطيع، رغم كل هذا الاعتياد، أن تقول من قلبك وكأنك تراه للمرة الأولى:
يا رب… كل هذا كان عندي، ولم أكن أنتبه....
يارب ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر ..
==
إحسان الفقيه
يجب أن تسعك نفسك داخلياً
حتى يسعك العالم الخارجي
{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }
[ ومن هنا كانت نهاية العُسر وبداية اليُسر ]
ليس أن يتغيّر العالم من حولك ..
بل أن يتّسع صدرك داخلك ��
من قوانين الله الثابتة :
[ معايرة الآخرين بما يعانون ��نه سيعود لك ]
كان الأنبياء يمثلون الكمال البشري وعياً وخلقاً
ورغم ذلك لم يعايروا أحداً ولم يحتقروه
وكانوا يسعون بكل رحمة لأن يرتفع الناس إليهم 🤍
فمن يحب أن يرى الناس تحته ..
لن تنتهي حياته ��تى يصبح تحتهم
لا تخجل من بدايةٍ جديدة مهما كان عمرك!
فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات التي مضت، بل بما تستطيع أن تصنع فيما بقي
كم من إنسان ظن أن أجمل أيامه قد انتهت…
وما علم أن القادم من الأيام أجمل مما مضى
ملحمة أسر فيها المسلمون الإمبراطور البيزنطي.. ماذا حدث في #ملاذكرد؟ نأخذكم في رحلة بصرية فريدة، عبر مشاهد مولَّدة بالذكاء الصناعي، لنشهد كيف توحد الأتراك والأكراد والعرب وكيف انعكس تأثير المعركة على تاريخ الأناضول والعالم.
من إنتاج TRT عربي.. #نرويها_كما_لم_ترو_من_قبل
Malazgirt’te hem dehasının hem de bileğinin kuvvetiyle bize bu aziz vatanın kapılarını açan Sultan Alparslan’ı, onun kutlu ve yiğit ordusunu, şehit ve gazilerimizi bugün bir kez daha kemaliedeple yâd ediyorum.
Malazgirt Zaferimizin 955’inci yıl dönümü mübarek olsun.
Bugün bir kez daha, hangi siyasi görüşte olursa olsun herkesi Terörsüz Türkiye sürecinin bir parçası olmaya çağırıyorum.
Gelin, Türkiye’yi terörden kurtararak şehitlerimize ve gazilerimize olan şükran borcumuzu layıkıyla ödeyelim.
Gelin, sizler de bir ucundan tutun ve bu ağırlığı Türkiye’mizin üstünden hep beraber kaldıralım.
Gelin, tarih boyunca diz kırıp aynı sofraya oturmuş, aynı türküyü beraberce söylemiş, vatanı savunmak için aynı cephede şehit düşmüş insanlarımızın kardeşliğini daha da güçlendirelim.
Bu samimi çağrımız “önce milletim, önce memleketim” anlayışına sahip herkesedir.
“Türkiye artık bedel ödemesin” diyen…
“Gencecik fidanlarımızı gözyaşlarıyla toprağa vermeyelim” diyen…
“Anaların ipekten yüreği yeni acılarla kavrulmasın” diyen herkesi sürece omuz vermeye, sürece destek olmaya davet ediyorum.
Özellikle bölgedeki sivil toplum kuruluşlarının, kanaat önderlerinin sürece daha fazla katkı sunmasını bekliyorum.
Şunu hatırlatmak isterim ki bir miladı yaşamakta olduğumuz bugünlerde sürece katkı sunan herkes tarihin yeniden inşasında rol sahibi olacaktır.
Aynı şekilde süreci zora sokan, süreci dinamitleyen, tahrik eden, karşısında yer alan her türlü girişim de tarih karşısında mesul olacaktır.
Sorumluluk mevkisinde olanların, bilhassa günübirlik hesaplarla siyaset yapan kimi partilerin Mecliste 467 kabul oyuyla tecessüm eden iradeyi iyi okumalarını, oradan gerekli mesajı çıkartmalarını temenni ediyorum.
سوريا التي يريدها نتنياهو ...
لم يكن نظام بشار الأسد يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإسرائيلي على الرغم من وقوع الجولان بقبضة الاحتلال منذ عام 1967، لذا لم يكن غريبًا أيضًا ما صرح به نتنياهو أنه لا مشكلة لديه مع بشار الأسد فهو لم يطلق رصاصة واحدة على الإسرائيليين.
النشاط العسكري للاحتلال في الأجواء السورية بهذه الحقبة، كان يستهدف مواقع انتشار عناصر الحرس الثوري الإيراني وقطع الإمدادات التي تمر إلى حزب الله اللبناني عبر الأراضي السورية، وكان بشار الأسد يخرج بعد كل اعتداء يردد العبارة ذاتها: "نحتفظ بحق الرد"، والعالم كله قد أدرك أن هذا الرد لن يأتي أبدًا.
لم يكن ضمن أجندة الاحتلال الإجهاض على القدرات الصاروخية والأسلحة الكيمائية التي يمتلكها نظام الأسد، نظرًا لأن الاحتلال يعلم تماما أنه غير مستهدف بها و��ن الهدف منها حماية النظام نفسه.
تغير كل شيء مع سقوط نظام الأسد، فسارع الاحتلال الإسرائيلي إلى اجتياح المنطقة العازلة على الحدود السورية التي أُنشئت وفقا لاتفاقية فك الاشتباك بين سوريا والاحتلال في مايو/أيار 1974، وتوغلت قواته في مناطق بجبل الشيخ، بدعوى تأمين حدوده، كما شنت غارات عنيفة على قواعد عسكرية وطائرات وأنظمة صواريخ ومخازن أسلحة لتدمير القدرات العسكرية السورية خشية وقوعها بقبضة الحكومة الجديدة.
وعلى الرغم من سياسة النأي عن الصراعات التي انتهجتها إدارة الرئيس أحمد الشرع، والانكفاء على إعادة البناء الداخلي، والتصريحات المتعاقبة على المستوى الرس��ي بالرغبة في عقد تفاهمات أمنية مع الاحتلال، إلا أن الجيش الإسرائيلي لم يكف عن استهداف الأراضي السورية، وتأجيج النزعة الانفصالية في الجنوب والعمل على وجود منطقة منزوعة السلاح، إضافة إلى الزحف الاستيطاني الممنهج في الجنوب.
الحكومة ال��ورية التي تعي أبعاد الاستفزازات الإسرائيلية والرغبة في جرّها إلى حرب تقوض جهود البناء وتفتح الطريق إلى تفتيت البلاد، تقابل الاعتداءات الإسرائيلية بسياسة ضبط النفس وإحالة الملف إلى المجتمع الدولي للضغط على الكيان، ومد جسور التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت نفسه تعمل على بناء شراكات استراتيجية مع دول ذات ثقل سياسي واقتصادي وعسكري مثل تركيا، من أجل الاستفادة منها في بناء المؤسسات بما فيها المؤسسة العسكرية.
مؤخرًا، استهدف الاحتلال الإسرائيلي قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب شمال غربي سوريا، لمنع أي تموضع عسكري تركي على الساحة السورية، وفقا للرواية الإسرائيلية التي ترى أن الانتشار الجوي التركي يقيد حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي فوق الأراضي السورية، ما دفع للقصف الاستباقي لتثبيت الخطوط الحمراء على المستوى الميداني.
الاستهداف الإسرائيلي المستمر للأراضي السورية، والتوسيع المتعسف لدائرة المخاطر الأمنية من قبل الاحتلال، والتمادي في اختلاق مبررات الضربات الوقائية، إضافة إلى إظهار إمكانية التصعيد مع تركيا في الميدان السوري، يمكن مع ذلك كله الوقوف على التصور الإسرائيلي لسوريا التي تجب أن تكون وفق أحلام نتنياهو واليمين المتطرف.
نتنياهو لا يعمل على نزع السلاح في المناطق الجنوبية السورية فحسب، وإنما يريد سوريا منزوعة السلاح بما لا يُمكّن سوريا من السيطرة على أجوائها والتصدي للعربدة الإسرائيلية. فأشد ما يقلق حكومة الاحتلال أن يعاد تأسيس الجيش السوري في ظل وجود حكومة الشرع.
ينطلق نتنياهو في تلك الرؤية من رؤية أخرى تتضمن تجريد دول الطوق من قوتها العسكرية التي يمكن أن تهدد أمن دولة الاحتلال، ونقل الحدود الإسرائيلية التي يجب تأمينها إلى خطوط وهمية داخل أراضي تلك الدول.
تأسيسًا على ذلك، ترى دولة الاحتلال أن محاولات سوريا لإعادة بناء قدراتها العسكرية يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإسرائيلي، فسياسة النأي عن الصراع التي تنتهجها سوريا وتفاهماتها مع الولايات المتحدة وسعيها المستمر لطمأنة واشنطن وتل أبيب، ليست ضمانات كافية للكيان الإسرائيلي كي يعتبر دمشق بلدا مأمون الجانب في الجوار، وذلك بسبب الخلفية الأيديولوجية للنظام الحاكم، وانفتاحه على قوى إقليمية مقلقة لحكومة الاحتلال.
نتنياهو كذلك يعمل على قطع الطريق أمام تركيا لمد نفوذها في سوريا أو إسهامها في إعادة البناء العسكري لسوريا من خلال الشراكات الاستراتيجية بين البلدين.
تدرك حكومة الاحتلال جيدًا أن سوريا تمثل عمقًا استراتيجيا لتركيا وأن من ضروريات الأمن القومي التركي تحقيق الاستقرار على الأراضي السورية، وتجنيبها التقسيم والتفتيت الذي تسعى إليه حكومة الاحتلال.
من هذا المنطلق تعتبر دولة الاحتلال أن الوجود العسكري التركي على الأراضي السورية خط أحمر، وعلى الرغم من أن الجانبين الإسرائيلي والتركي يتعامل كل منهما مع الآخر كقوة إق��يمية كبرى، ولا تتجاوز مظاهر التوتر بينهما التصريحات الساخنة، إلا أن نتنياهو عمد إلى التصعيد الذي جعل بعض التوقعات تتجه إلى حدوث صدام مباشر بينهما في المنطقة.
يرتبط هذا التصعيد بالظرف السياسي الذي يمر به نتنياهو، الذي يفتح هذه الجبهة لمواجهة الاستحقاقات الانتخابية والهروب من المحاسبة القضائية والسياسية والفرار من مواجهة تشكيل لجنة تحقيق حكومية بشأن إخفاقات السابع من أكتوبر.
هذا هو التصور الذي يعمل عليها ��تنياهو فيما يتعلق بسوريا حال فشل مخطط التقسيم وإقامة دولة للدروز موالية لها في الجنوب السوري: دولة منزوعة السيادة، لا تملك قدرات عسكرية تستطيع التصدي للعربدة الإسرائيلية، والحيلولة دون أن يكون لشراكاتها الاستراتيجية أي أثر في التطوير العسكري، ومنع تمدد نفوذ دول تصنفها دولة الاحتلال على أنها معادية - أو ذات تهديد محتمل لأمنها- على الأراضي السورية.
==
إحسان الفقيه
https://t.co/MK3DceXrj0