نجابة الأولاد..
في مجلس والدي، كان أحد أصدقائه يتحدث عن نعمة الأبناء، مستشهدًا بقول الشاعر:
نِعَمُ الإلهِ على العبادِ كثيرةٌ
وأجلُّهُنَّ نجابةُ الأولادِ
فاستوقفني هذا البيت بما يحمله من معنى بليغ، وما انطوى عليه من التفاتة عميقة، فدفعتني الرغبة إلى تتبع قصته، فوجدت أنه يُروى أن المعتصم ذهب لعيادة أحد عمّاله، وكان لذلك العامل ولدٌ متوقد الذهن، سريع الخاطر، حاضر الجواب.
فلما رآه المعتصم سأله:
«داري أحسن أم دار أبيك؟»
فأجاب الغلام ببداهة لافتة:
ما دام أمير المؤمنين في دار أبي فهي أحسن.
فأعجب به وسُرَّ بذكائه، ثم أراه خاتمه الذي في يده وقال:
هل رأيت أحسن من هذا الخاتم؟
فقال الغلام:
نعم يا أمير المؤمنين، اليد التي هو فيها.
فازداد المعتصم إعجابًا بفطنته وسرعة بديهته، وانتزع الخاتم من يده مكافأةً له، ثم أنشد:
نِعَمُ الإلهِ على العبادِ كثيرةٌ
وأجلُّهُنَّ نجابةُ الأولادِ.
ولعل النجابة أوسع معنى من مجرد الذكاء وسرعة الخاطر؛ فهي صلاح في الدين، وحسن في الخلق، ورجاحة في العقل، وحكمة في التصرف.
فالأبناء الصالحون ليسوا زينة الحياة فحسب، بل هم امتداد الإنسان بعد رحيله، وأثره الباقي في الدنيا، كما قال النبي ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
وتأمل كيف جعل النبي ﷺ الولد الصالح من العمل الذي لا ينقطع؛ لأن أثر التربية الصادقة يمتد في دعائه، وصلاحه، ونفعه للناس.
وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في أولوياتنا التربوية؛ فليس السؤال الأهم: ماذا سيصبح ابني؟ بل: من سيكون؟ إذ كم من ناجحٍ في عمله، قليلِ الأثر في أخلاقه وقيمه.
فإذا كانت نعم الله على عباده كثيرة، فإن من أجلِّها حقًّا أن يُرزق الإنسان ولدًا صالحًا، يكون قرة عين في حياته، وامتدادًا لأثره بعد مماته.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
🔹
"طهِّروا أفواهكم فإنها طُرُق القرآنِ ومسالكُ الذِّكر والتسبيح"
• تخيل أن تنظِّف أسنانك بالفرشة والمعجون أو بالسواك أو تغسل فمك بالماء أو الغسول، وأنت تستحضر هذه النية.
• تخيل أن تعاهد الله على ترك البذاءة والفحش واللعن والغيبة والنميمة والكلمات القبيحة، حتى لا يتسخ المنفذ الذي تجري فيه آيات القرآن وتخرج منه:
- سبحان الله
- الحمد لله
- لا إله إلا الله
- الله أكبر
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
دينٌ عظيم نظيف شريف طاهر
🔹
بعيدا عن الحكم النحوي:
هل تقبل ذائقتك اللغوية أن تسمع أحدا يقول:
• حبر الأمة: عبدالله عباس، رضي الله عنه!
• أشهر المرضعات: حليمة السعدي
إضافة (ابن) و(ابنة) بين الأعلام حسب قواعدها ومطابقة نسبة الأنثى لها ليست صوابًا لغويًّا فحسب!
🔹
الكلمة الجارحة والإشارة القادحة أذاها عظيم وخطرها جسيم فهي أقسى على قلوب الأحرار من كيّ أجسادهم بالنار ولذلك أولاها القرآن اهتماما كبيرا
• لا يسخر قوم من قوم
• لا تلمزوا أنفسكم
• لا تنابزوا بالألقاب
• لا يغتب بعضكم بعضا
• ويل لكل همزة لمزة
تنبهوا فليس لجروح الكلام عيادة
🔹
[علو المقاصد وسفولها تحت سقف واحد]
• قال فرعون:
- يا هامان
- ابن لي صرحا
- لعلي أبلغ أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى
• قالت امرأة فرعون:
- يا رب
- ابن لي عندك بيتًا في الجنة
- ونجني من فرعون وعمله ومن القوم الظالمين
👈🏻 فرعون سأل هامان وامرأته سألت الله
👈🏻 فرعون طلب بناء برج في الدنيا وامرأته طلبت بناءً عند الله يكون بيتًا في الجنة
👈🏻 فرعون يسخر ويستهزئ وامرأته تستغيث وتستنجي
اللهم ارزقنا هداية وتوفيقًا وشجاعةً وثباتًا على صراطك المستقيم
🔹
كان يزيد بن الطثرية، رحمه الله، يختلق الأعذار ليمرَّ بديار محبوبته حتى نفدت أعذاره، وتلك حالة كل عاشق.
يقول:
وكنتُ إذا ما جئتُ جئتُ بعلةٍ
وأفنيتُ عِلَّاتي … فكيف أقولُ؟
(كيف أقولُ؟) هنا بمعنى: ماذا أفعل؟ فـ(قال) عند العرب ترد بمعنى (القول) ومعنى (الفعل) ومعنى (الظن) وما زالت قبائل الجزيرة العربية على هذا حتى اليوم.
🔹
[(أرقتُ) وما شوقًا إلى البِيض (آرقُ)]
رأيت اليوم مقطعًا أبى أن يفارق ذهني:
اجتماعٌ كبيرٌ، وقد وُضعت مبخرةٌ ضخمةٌ في حوض سيارة؛ تطأ الزلَّ وتجول؛ لتطييب الهواء بكمياتٍ كبيرةٍ من العود.
ومنذ أن رأيته والسؤال يلحُّ عليَّ ويطرد النوم عن عينيَّ:
أهكذا تُشكر نعم الله؟
لا أدري حقيقة ما وراء هذا المشهد، ولا أحبُّ أن أحكم على واقعةٍ لا أعرف جميع ملابساتها، لكنها أيقظت في نفسي سؤالًا مُرًّا حارقًا:
أين ينتهي (إظهار النعمة)، وأين يبدأ (الإسراف)؟
إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لكنه سبحانه نهى عن الإسراف، وما بين الأمرين حدٌّ دقيق، لا يحسن بالمؤمن أن يغفل عنه.
ليس كلُّ ما نقدر عليه يحسن أن نفعله، وليس كلُّ ما يلفت الأنظار يرضي ربَّ الأنظار.
اللهم أوزعنا شكر نعمك، وأجرنا من تحوُّل عافيتك، وفجاءة نقمتك!
🔹
• قال أحد أصدقاء ضيغم العابد له:
هممت أن أشتري دارًا في جوارك حتى ألقاك كل وقت، لأني أحبك
فقال ضيغم:
المحبة التي يفسدها تأخر اللقاء مدخولة
• فرحم الله كل خفيف ظل على صاحبه، مودته مأمونة الجانب، لا يفسدها التراخي، ولا يقطعها البعد، فهي درة مكنونة في جفون (حسن الظن).
• ومن أعظم ما قيل في هذا المعنى من أشعار العرب قول الأول:
وإني وإن أخَّـــرتُ عنكم زيـارتي
لعذرٍ، فإني في المــــــــحبةِ أولُ
فما الـــودُّ تكـــــرارُ الزيارةِ دائمًا
ولكنْ على ما في القلوبِ المعوَّلُ
🔹
يا نساء المُؤمِنين:
إذا أذنبَت إحداكنَّ ذنبًا، فلا تُخبِرَنَّ به النَّاسَ، ولتستغفرِ اللهَ تعالى، ولتتب إليه؛ فإنَّ العبادَ يُعيِّرونَ ولا يُغيِّرونَ، واللهُ تعالى يُغيِّرُ ولا يُعَيِّرُ.
أمُّنا عائشة بنت الصِّدِّيق، رضي الله عنهما!
كلام نفيس لا تدري أتعجب من ضياء معناه أم من بهاء مبناه! وقد ورد ما يقاربه عن ابن مسعودٍ، رضي الله عنه!
🔹
[ابنا خالة]
حبر الأمة عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، وسيف الله المسلول خالد بن الوليد: ابنا خالة.
فأم ابن عباس هي لُبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية.
وأم خالد بن الوليد هي لُبابة الصغرى بنت الحارث الهلالية.
وهما أختان، وأختهما هي ميمونة بنت الحارث، أم المؤمنين، وآخر من تزوجها النبي، صلى الله عليه وسلم، ورضي عنها!
ما أعظم هذا الشرف!
ثلاث أخوات:
• إحداهن أم المؤمنين
• والثانية أم عبدالله بن عباس
• والثالثة أم خالد بن الوليد
وهن من بني هلال بن عامر بن صعصعة.
وكانت أم ابن عباس ترى فيه، وهو صغير، مخايل العز والسيادة، فكانت تُرقِّصه بقولها:
ثكِلتُ نفسي وثكِلتُ بِكري
إن لم يسُد فِهرًا وغيرَ فِهرِ
فاستجاب الله رجاءها، فأصبح ابنها حبر الأمة، وترجمان القرآن، وإمامًا من أئمة العلم، رضي الله عنه وعن والديه!
🔹
من الأخطاء الشائعة الذائعة:
أن تثبت المرأة اسمها ثم تتبعه بالاسم المنسوب دون تأنيثه بالتاء، فتقول أو تكثب، مثلا: (فاطمة القرشي)، والصواب أن تقول: (فاطمة القرشية) حتى تطابق الصفةُ موصوفَها في التأنيث.
فإن أثبتت اسم أبيها فالصواب أن تثبت الصفة (بنت) أو (ابنة) بينهما، ثم إن أرادت أن تجعل الاسم المنسوب صفة لأبيها فالتذكير حينئذ صواب:
• فاطمة بنت محمد القرشي
• فاطمة بنة محمد القرشي: (بنة) كتابة و(ابنة) نطقًا، وهي قاعدة تحتاج إعادة نظر، وسأكتب عنها، إن شاء الله!
🔹
همزة: (ابن) و(ابنة)
كان العرب يحذفون همزة (ابن) و(ابنة) الواقعتين بين علمين؛ لكثرة ورودهما في كتاباتهم، ولأن الكتابة في ذلك العصر كانت شاقة، وموادها محدودة، فكان الاقتصاد في الرسم مقصدًا مفهومًا.
أما اليوم فقد زال ذلك المسوغ، وبقيت القاعدة، ثم أُلحق بها عدد من القيود والاستثناءات؛ فاشترط بعضهم أن يكون الثاني أبًا مباشرًا للأول لا جدًّا، واشترط بعضهم قصد الوصفية، واشترط آخرون أن يكون الاسمان في سطر واحد، إلى غير ذلك من الفروع التي لا تزيد القاعدة إلا تعقيدًا.
وقد أسهمت هذه القاعدة في إحداث ارتباكٍ قرائي واضح؛ فمن أكثر الأخطاء شيوعًا أن تُقرأ كلمة (ابن) المحذوفة الهمزة: (بِن) بكسر الباء، اتباعًا للرسم، مما يدل على أن القاعدة لم تستطع أن ترسخ في أذهان القراء رسوخًا يقي من هذا الخطأ.
إن حذف هذه القاعدة بجميع فروعها من مناهج التعليم، وإحالتها إلى (تاريخ الكتابة العربية)، مع إثبات همزة (ابن) و(ابنة) في جميع المواضع، سيخفف من الاستثناءات في نظامنا الإملائي، ويقضي على هذا الخطأ الشائع، ويجعل قواعد الكتابة العربية أكثر رشاقةً واطرادًا، من غير أن يمسَّ ذلك جوهر اللغة أو يخلَّ بسلامتها.
ويبقى السؤال:
هل سيضيع شيءٌ من العلم، أو يُساء إلى تراثنا، لو كتبنا:
محمد ابن عبدالله
اتباعًا للنطق
بدلًا من:
محمد بن عبدالله
اتباعًا لرسمٍ وُضع لظروفٍ تاريخيةٍ مخصوصة، ثم زالت تلك الظروف وبقي حكمها؟
وصلى الله وسلم على نبينا محمد!
🔹
[مِائة - ماءَه - مِئة]
الإملاء غير المطرد لا يربك الكتابة وحدها، بل قد يربك القراءة أيضًا؛ ومن أشهر الأمثلة على ذلك:
أن (مِئة) كانت تُكتب قديمًا بألفٍ زائدة في الرسم لا في النطق، هكذا: (مائة)، وشاع على ألسنة بعض القراء قراءتها: (ماءَة)، ولا سيما على المنابر وفي المحافل الرسمية، حتى ظن بعضهم أن النطق بها على هذه الصورة درجةٌ عليا من الفصاحة.
وقد زِيدت هذه الألف حين كانت الكتابة العربية خاليةً من النقط، احترازًا من الخلط بين (مئة) و(فئة) و(منه)؛ لأنها قد تتوارد في السياق الواحد.
ومع أن هذه العلة زالت منذ أن أُصلح النظام الكتابي في أواخر القرن الهجري الأول وأوائل الثاني، بوضع النقط وعلامات الشكل والهمزة: بقيت هذه الألف الزائدة في الرسم قرونًا طويلة، حتى حذفتها بعض الدول العربية من تعليمها الرسمي، ومن أبرزها المملكة العربية السعودية، فأصبحت تكتب: (مئة)، وهو اختيارٌ موفق أحسنَ إلى الإملاء وقرَّبه إلى الكمال والاطراد.
إن إصلاح القواعد الكتابية في العربية، بتقليل الاستثناءات إلى أقصى حدٍّ ممكن، يجعل نظامنا الكتابي أقرب إلى الكمال منهجًا، وأسهل في التعليم، وأدنى إلى تحقيق الأصل الذي ينبغي أن يقوم عليه الإملاء، وهو أن يكون الرسم مرآةً للنطق ما أمكن، فلا يُكلَّف المتعلم أن يحفظ (ما يُكتب ولا يُنطق)، أو (ما يُنطق ولا يُكتب)، إلا في أضيق الحدود التي لا غنى عنها.
ولو كان رسم (مِائة) قد استُحدث في عصرنا هذا؛ لاعترض عليه كلُّ فقيهٍ فطن؛ لأنه يخالف هذا الأصل، ولكن إلف القديم يجعل كثيرًا من الناس يدافعون عن بعض الاستثناءات لمجرد أنها مألوفة، لا لأنها ما زالت تؤدي وظيفةً حقيقية.
العربية لغةٌ عظيمة، ومن حقها علينا أن نسعى إلى جعل نظامها الكتابي أكثر اطرادًا واتساقًا، بما ييسر تعلمها، ويحفظ جمالها، ويليق بتاريخها العريق، وفرادتها بين لغات العالم في طول العمر وامتداد الحياة …
🔹
رجاء لكلِّ متابعي الأفاضل:
- أضف (بن) بين اسمك واسم أبيك، فإنها، بالإضافة إلى تحقيق الصحة اللغوية، تزيد اسمك مهابة ووقارا.
- لا تدرج نون الوقاية بين حرف الجر (في) وياء المتكلم (ي)؛ لا تقل ولا تكتب (فيني) تحت أي ظرف، واعلم أنها في قبحها وبشاعتها كما لو قلت: (عليني دَين).
كبار السن على فطرهم السوية حتى اليوم يقولون: (فيّ) و(فيَّه) و(عليّ) و(عليَّه) على عادة العرب الفصحاء الصرحاء الأقحاح.
🔹
🔹
لم تكن الأخطاء العلمية في يومٍ من الأيام تنتشر بالسرعة التي تنتشر بها اليوم؛ فقد اجتمع في عصر وسائل التواصل ثلاثة أمورٍ خطيرة:
• سهولة النشر؛ فقد أصبح كلُّ هاتفٍ مطبعةً وقناةً ومنبرًا إعلاميًّا في آنٍ واحدٍ، وصار الوصول إلى ملايين الناس لا يحتاج إلا إلى ضغطة زر.
• شغف الجمهور بالمثير والغريب؛ فـ(المعلومة الصادمة) غالبًا ما تجد من يروِّجها أكثر من (المعلومة الدقيقة).
• خوارزميات المنصات؛ التي لا تراعي الصحة العلمية ولا دقة المحتوى.
ومع اجتماع هذه العوامل أصبح الخطأ الواحد ينتشر انتشار النار في الهشيم، وبصورةٍ تتعذَّر معها ملاحقة كلِّ خطأ وتصحيحه.
ولذلك أصبح (تمييز الصحيح من السقيم) من أعظم مهارات العصر وأشدها حاجةً وإلحاحًا؛ ولن تنجح معالجة هذا الوباء المعرفي ما لم يتغير [سلوك التلقي] نفسه عند الناس؛ ليجعل الأصل فيما يُنشر في وسائل التواصل، في قضايا الدين والعلم، أن يُستقبل بعين الفاحص لا بعين المسلِّم، وأن يكون (الشك المنهجي) هو باب التلقي، أما الانتقال من الشك إلى التصديق فلا يكون إلا بعد التثبت والتحقق من المصدر والدليل، أو سؤال الثقات من أهل الاختصاص.
النفسيات لن يبتسموا
شاب في مقابلة وظيفية في إحدى الشركات سأله مسؤول التوظيف:
ماذا يعني الارتكاز المحوري المتبلور في بوتقة الهيمنة الأيدلوجية المنبثقة عن الوجدان الجمعي المنصهر من كينونة الأنا واللا أنا؟
قال الشاب: يعني أنك تريد تعيين قريبك.
😄
🔹
الصمتُ في حرمِ الجلالِ جلالُ
وصفُ ما فعله هذا النبيلُ يفوقُ طاقةَ الكلمات!
اللهم اجمعه بابنه بندر في الفردوس الأعلى من الجنة، واجزه عن صبره واحتسابه وعفوه خير الجزاء!
#يحيى_بن_قانص_البشري