كان معلم الرياضيات في معظم مراحل دراستي يتسم بصفة السرعة، كان يفضل الطالب سريع الإجابة، ويقتنص منه ذلك البريق الذي نُحب أن نملكه.
في ذاكرتي، كان أفضل معلم للرياضيات هو أبطؤهم، كان يمنعنا من أي سؤال عندما يهمّ بكتابة الدرس على السبورة، يكتب ويمسح يكتب ويمسح، لو أراد أن يخلد حضارة في سبورته لفعل، وما أن ننتهي من نقل ما كتب حتى يشرع بشرح درسه، وتلك الطريقة هي أسلوبي الذي كسرت فيه مصاعب الجامعة.
وعندما أُقلب الأمر أجد أن أحد الذين كانوا يسرقون إجاباتنا بسرعة كان الأشدّ حماقة في صفوف من درست لديهم، كان من الصعب إقناعه إذا أخطأ الطالب "الأول"، وكُنت أتردد لأني أتحاشى هذا الخطأ.
وبعدما دخلت عالم الكبار، اكتشفت أن هذا المعلم درّس طلابًا كُثرًا وإن لم يدرسوا عنده، فتلك السرعة، تلك الإجابة التي لا يهم إن كانت صحيحة أم خاطئة هي الإجابة الصحيحة ما دامت هي الأولى.
وحينما تتساءل أمام حماقات يرتكبها الكبار وتريد أن تبحث عن إجابة لكنك لا تجد، فتش عن ذلك المعلم الساذج وستجده "نائمًا" في رؤسهم.
مثل هذه التغريدات تترك في داخلي سؤال
من يعمل في هذه الوظائف، كيف يراعي ضميره وهو يعلم أن ما يفعله خطير؟
هل يكتفي بالتعذر بأنه مجرد موظف؟ يحتاج للمال؟
الأسئلة هذه مهمة، تعيد ترتيب بوصلتنا الأخلاقية وتكشف لنا من يُسخر المال لنفسه ومن يُسخر نفسه للمال.
((الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ))
أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه
اليوم رتبت غرفتي، وفرغت أدراج مكتبي .. وجدت أوراقًا كنت أظن أنها مهمة لكني نسيتها وتفاجأت فيها، معظم ماكان مهمًا مزقته وألقيته في السلّة، عدى ورقة واحدة وضعتها في دفتر قلّ ما استخدمته.
بين "باريس، تاكساس" و "أيام تامّة الكمال" يظهر الإنسان الأقرب إلى القلب، الأبعد عن الناس.
يبدأ فيلم "باريس، تاكساس" برجل رث الهيئة يسير لوجهة غير معلومة، في صحراء خليّة من البشر ومليئة به، مكانٌ لا تحتاج به إلى الكلمات؛ لأنها لن تصل. يحمل قنينة لا تكفي إلّا لآخر رشفة، سيتخلى عنها ويمضي قدر ما يستطيع.
ينتقل الفيلم في مشاهده وهو يحمّل المشاهد ثقل سكوت هذا البطل
مالذي يخفيه وراءه؟
تاركًا توجسًا اتجاه شخصيته فـ"الساكت" سمٌّ ناكت، والبشر لا يرتاحون لمن يُخفي عنهم طبيعته.
ومع أول كلمة، يزول هذا التوجس، لم يكن سوى رجل يبحث عن أرض اشتراها لأنها تملك شعورًا عاطفيًّا يخص والديه، على حد قوله: هناك ولدت أنا.
بمرور أحداث الفيلم يتبين أن لهذه الشخصية قلبًا شديد الرقة، فعندما التقى بولده أول مرة كان الطفل متوجسًا منه، لكنه برقة قلبه ألانه حتى أصبحا رفيقين في السفر، وحينها يصبح هذا الصمت جاذبًا في كل كلمة تكسره، وتريد أن تعرف ما السر الذي جعله يغيب لأربع أعوام؟!
لتحكى قصته في المشاهد الأخيرة وهو يتحدث إلى زوجته، كان مليئًا بالتوجس من أنها تخونه، لكنها تطفئ لهيب هذه النار بقولها: لا نلتقي بزوار هذا المكان.
ورغم أنه لا أحد يعرف صدقها من خداعها تظل تاركة لونًا من ألوان حبها وتقول: كم هي المرات التي تحدثت معك دون أن تدري
فإن كان للحب معجزة ثابتة فهي هذه، إذ أنها ظلّت تحمله في قلبها رغم استحالة لقائه، ولا تدري أهو حيٌّ أم لم ميت.
وعلى كل حال، يظل بينهما حاجز زجاجي، على أحدهما أن ينطفئ ليرى الآخر، ومن يحاول أن يكسر هذا الزجاج سينزف بلون بين الأحمر والأرجواني.
ويحمل هذا الفيلم آخر مشاهده بألوان ثلاثة: الأخضر، والأحمر، والأسود.
ثلاثة تشير إلى شكٍّ لا خلاص منه، إلى بعد لابد أن يحدث، إلى إنسان يعلم أنه لن يصل مهما كان قريبًا.
ومن هنا نبدأ رحلتنا مع أيام تامّة الكمال، إذ نرى رجلاً في حدود الستين من عمره ينظف حمامات مدينته برضى تام، ينظفها لتتسخ دون تذمر ولا أي انزعاج، مثل الأول لا يتحدث، يضع صمته آية له، ولكن كل كلمة منه وإمالة تملك شيئًا لطيفًا بها، يملك تلك الابتسامة التي تُعبّر عن الكثير، وذلك الرضى الذي تريد أن تحصل عليه.
لكنه وحيد، رفقته هي شجيراته الصغيرة، كتبه التي يقرأها ساعة النوم، وأغاني الصباح العتيقة، وكاميرته القديمة التي صنعت لجمع الأسود والأبيض، أهكذا يرى عالمه؟
لا يبدو لي، فهو إنسان ينظر إلى السماء عند خروجه صباح كل يوم، ويحمل زرقة فجرها في ردائه الذي يملك رقة الفجر وسكينته.
ومع ذلك، ذلك القلب اللين حينما فارق ابنة أخته شعر باهتزاز شديد، كأنما سُرق منه أجمل ساعاته، وإنّي أؤكد لكم أيها القراء الأعزاء أن من يعتاد حياة منفردة ثم يدخل بها إنسان ثم يفقده تصبح مرارته شديدة لا تختلف عن من لتوه دفن ميتًا، لأن عالم كل إنسان يمتلك ألوان تصبح أكثر وضوحًا حينما ينيرها إنسان آخر، وبالإنسان يرى الإنسان نفسه بوضوح، ولا شيء غير ذلك يمكن أن يراه.
ولأجل هذا بكى بشدة بعد الفراق، ولم يعد بسهولة لما كان عليه، لكنه اعتاد، ومن يعتاد لابد أن يعود، وفي مشاهد الفيلم المتأخرة حينما يزوره الرجل الذي أصيب بالسرطان وأدرك أن أيامه معدودة، يوصيه على طليقته لأنه يعلم عن دنو أجله، ويطرح سؤالاً: هل تصبح الظلال أشد قتامة حينما يكون داخلها إنسانين؟
ويجيب بطلنا: نعم تزداد قتامة.
وبعين كاميراته التي ترى الشمس في أوراق الشجر باللونين، ستكون لوحة رائعة تستحق أن تُخلد في صندوق أيامه.
في وقت مضى كان التقاط صورة للشمس أمرًا محرمًا خشية أن يحرق الفيلم، ولكن حينما نضاعف الورق لن تحترق الصورة.
وربما، مهما كانت حياة غريبة وناقصة، تظل كاملة في عيونه، تظل شيئًا يستحق أن يُحيا كاملاً.
يقول: الآن هو الآن، والمرة القادمة هي القادمة.
لن أدعي فهمي لهذين الرجلين، لكني أشعر بشيء منهما في نفسي، لحظة تريد فيها أن تبتعد رغم رقة قلبك، وتخشى الوداع لكنك لا تحتمل أي بقاء، لأنك تشعر أكثر مما يجب؟ أم لأن رقة قلبك تشبه زجاجًا لا يمكن أن يُجمع؟
وبين الاثنين يوجد بشرٌ كثيرون، نراهم كل يوم، من منّا حاول أن يتحدث معهم ويسرق كلماتهم؟