السعادة المزيفة التي يروج لها يوسف أبو عواد!
تحريف واضح يفضح بأول نظرة في كتاب الله!
يمزج كتب التنمية البشرية والفلسفات الغربية بآيات القرآن الكريم، ليخرج لنا بدين جديد مفرغ من العبودية لله، ولا علاقة له بما أنزله الله على محمد ﷺ.
في هذا الفيديو حصر السعادة والسلام القرآني في العيش في "لحظة الآن" على طريقة كتب تطوير الذات الغربية (تجاهل المستقبل والماضي).
وزعم بأن "الإسلام" في القرآن هو مجرد "بعد اجتماعي" يسلم فيه الناس من بعضهم!
وادعى بأن هذا البعد الاجتماعي هو "المعنى الحقيقي لدين الإسلام" (إلغاء البعد التعبدي والعقدي).
سأرد على كل واحد منها بالتفصيل، ادعاءً ادعاءً وآيةً آية.
الخدعة الأولى: ليّ أعناق آيات الآخرة لتسويغ كتب التنمية البشرية!
يقول يوسف أبو عواد: "السعادة إذاً هي السلام... وهو عدم الحزن على الماضي ولا الخوف من المستقبل إنه يعني أن تعيش لحظتك التي أنت فيها الآن... وقد ألف بعض من كتب في تطوير الذات في ذلك كتباً مثل كتاب قوة الآن".
وهنا نحن أمام كارثة منهجية مروعة!
المتحدث أتى بآيات تتحدث حصراً عن (الجنة والآخرة)، وأسقطها قسراً على حياة الإنسان في (الدنيا) ليوافق نظرية كاتب غربي (إيكهارت تول) في كتابه "قوة الآن"!
لنتأمل الآيات التي استدل بها هو بنفسه وكيف تنقضه:
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود:108] — الآية تنص صراحة أنها في الجنة (المستقبل الأخروي)، فكيف يجعلها دليلاً على العيش في "الآن" الدنيوي؟!
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس:25] — دار السلام هي الجنة بإجماع المفسرين، وهي غاية مستقبلية يعمل لها المؤمن، وليست حالة نفسية لحظية في الدنيا!
﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:68] — الآية تتحدث عن يوم القيامة ("اليوم" هنا هو يوم الحساب)، حيث يأمن المؤمنون من الخوف.
فكيف يجرؤ على أخذ آيات تتحدث عن "المآل النهائي والمستقبل الأبدي"، ليقول إن القرآن يطلب منا عدم التفكير في المستقبل والعيش في "الآن"؟!
بل إن الله زاد على ذلك فأمرنا صراحة بالتفكير في المستقبل والخوف منه (بالمعنى الإيجابي الذي يدفع للعمل)، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:18]
﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ:40]
﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:10] — هؤلاء الأبرار خافوا من المستقبل (يوم القيامة) في دنياهم، فكان جزاؤهم: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:11].
ومن زاوية أخرى، فإن اختزال السعادة القرآنية في مصطلح "الآن" الغربي هو تسطيح ساذج؛ فالسعادة في الإسلام هي طمأنينة القلب بالإيمان بالله، ورجاء ما عنده في المستقبل.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:28]، لا بمجرد الغفلة عن الأمس والغد!
الخدعة الثانية: اختزال "الإسلام" في "كف الأذى" وإسقاط التوحيد!
يقول أبو عواد: "هذا البعد الاجتماعي هو ما يسميه القرآن الإسلام... يعني أن تعيش في ظروف قد أسلم الناس فيها بعضهم بعضاً وذلك هو المعنى الحقيقي لدين الإسلام".
هنا نصل إلى جوهر المشروع الشحروري التخريبي: إفراغ الدين من محتواه الرأسي (عبادة الله والتوحيد والتكاليف)، وحصره في محتوى أفقي بحت (علاقات اجتماعية سلمية)!
يزعم أن "الإسلام" مأخوذ فقط من (السلامة من الأذى)، متعمداً إخفاء المعنى الشرعي والقرآني الأعظم للإسلام وهو: الاستسلام والخضوع والانقياد لله رب العالمين.
لندع القرآن ينطق، ولنقرأ كيف عرّف الله "الإسلام" في كتابه:
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:131] — إبراهيم عليه السلام أسلم لمن؟ لرب العالمين!
أم أنه أسلم لـ"البعد الاجتماعي"؟!
﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [البقرة:112] — إسلام الوجه لله هو الانقياد التام له.
﴿فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:34] — أمر صريح بأن الإسلام يكون للإله الواحد الخالق، لا مجرد مسالمة البشر!
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:125]
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:162-163] — الصلاة، النسك، الحياة والممات لله وحده.. هذا هو منتهى الإسلام، فأين حصر الدين في "البعد الاجتماعي" من هذه الآية الكاسحة؟!
ثم انظر كيف يربط القرآن الإسلام بعبادات وشعائر وتكاليف لا علاقة لها بالبعد الاجتماعي المباشر:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:19]
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:85]
وهنا المأزق الذي يكشف تلاعبهم: إذا كان الإسلام يعني فقط "أن يسلم الناس من بعضهم"، فما هو المصطلح القرآني الذي يعبر عن الأخلاق وكف الأذى وحسن التعامل مع البشر؟
القرآن دقيق، وقد استخدم لذلك مصطلحات أخرى واضحة: (الإحسان، البر، القسط، العدل).
قال تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:8].
القرآن سمّى مسالمة الكفار الذين لا يؤذوننا "براً وقسطاً"، ولم يُسمِّ أولئك الكفار المسالمين "مسلمين"!
لأن الإسلام دين وعقيدة وانقياد لله، بينما القسط والبر معاملات بين البشر. فالتسوية بينهما تحريف مفضوح!
لنأخذ زعم أبي عواد إلى نهايته المنطقية الحتمية: إذا كان "المعنى الحقيقي لدين الإسلام" هو فقط البعد الاجتماعي ومسالمة الناس لبعضهم.. فهذا يعني الكوارث التالية:
الملحد الذي يعيش في سويسرا، لا يؤذي أحداً، يدفع ضرائبه ويبتسم لجيرانه.. هو بمعيار أبي عواد يعيش "المعنى الحقيقي للإسلام"، بل هو "مسلم" كامل الإسلام، حتى وهو يسب الله وينكر وجوده! أهذا هو دين الله؟!
إبليس لعنه الله، جريمته الأولى لم تكن أذية مخلوق، بل رفض السجود استكباراً على أمر الله ﴿أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
بمعيارهم الاجتماعي: إبليس لم يؤذِ أحداً وقتها، فهل كان بريئاً؟!
إلغاء كل العبادات والتكاليف: إذا كان الدين هو كف الأذى فقط، فلماذا نصلي؟ الصلاة لا علاقة لها بكف الأذى!
ولماذا نصوم؟ ولماذا نحج؟
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:5].
الله سمّى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص التوحيد "دين القيمة"، وهم يقولون إن المعنى الحقيقي للدين هو فقط "ألا نؤذي بعضنا"!
والعجيب في هؤلاء القوم أنهم يرفعون لواء "عدم الأذى"، وهم يمارسون أبشع أنواع الأذى المعنوي والعقدي لملياري مسلم!
يطعنون في مقدسات الأمة، يسفهون إجماع علمائها أربعة عشر قرناً، يفرغون كتاب الله من معانيه، ويتجرؤون على تفسير القرآن بلا أثارة من علم ولا لغة، فقط ليرضوا الثقافة العلمانية المادية!
أليس سلب المسلم يقينه بدينه هو أعظم الأذى؟!
فإذا كان "المعنى الحقيقي للإسلام" قد غاب عن النبي ﷺ والصحابة وأئمة اللغة والتفسير أربعة عشر قرناً، ليأتيهم به كاتب كندي في كتاب "قوة الآن" ويترجمه لهم أتباع شحرور... فاقرأ على العقول السلام!
الإسلام ليس مجرد معاهدة اجتماعية لفض النزاعات ولا جلسة تأمل بوذية، بل هو توحيد وعبودية مطلقة لرب الأرض والسماوات.
فمن أراد "سلاماً" بلا تكليف ولا عبودية، فليبحث عنه في قاعات الفلسفة المادية، لا في كتاب الله!
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة:208]
أي عبث هذا بكتاب الله؟!
يطل علينا يوسف أبو عواد بجرأة لا نظير لها، ينزع النبوة عن أبي البشر!
يقول يوسف أبو عواد بثقة يحسده عليها الجاهل: "حتى آدم نفسه لم يكن نبياً ولا رسولاً، ولا توجد ولا آية في النص القرآني تقول إن آدم نبي ولا رسول".
هذا كذب صريح على الله وكتابه.
فما هو تعريف "النبي" في القرآن ولغة العرب؟
النبي هو من يوحى إليه ويُنَبَّأ بخبر السماء.
فهل أوحى الله لآدم وكلمه أم لا؟
لنفتح كتاب الله ونقرأ:
﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:37]
تأمل التعبير الإلهي: {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}. اتصال مباشر، وتلقٍّ للوحي.
ثم انظر كيف رفع الله آدم إلى أعلى درجات الاصطفاء التي لا تكون إلا للأنبياء والرسل:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:33]
فالله جمع آدم مع نوح وإبراهيم وعمران في "الاصطفاء".
ولم يكتف ربنا بهذا، بل بيّن صراحة أنه علّم آدم ما لم يعلم أحداً من خلقه، في تحدٍّ علني للملائكة:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:31]
ثم تأتي الضربة القاضية لهذا الادعاء المتهافت، حين يثبت القرآن التكليف المباشر، ثم المعصية، ثم الاجتباء والهداية:
﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه:121-122]
السؤال الذي لن يجد له هذا المتفلسف جواباً: كيف يتلقى آدم الكلمات من ربه، ويعلّمه الله الأسماء كلها، ويصطفيه على العالمين، ويجتبيه ويهديه، ثم يُقال إنه لم يكن نبياً ولا رسولا؟!