إِنَّ حجَّ القلوبِ إِلىٰ ربِّها لا يتقيدُ بزمانٍ ولا بمكانٍ، ولا بحالٍ دون حال، إِنَّه قصدٌ وتوجهٌ للهِ ربِّ العالمين في كلِّ وقتٍ وحين، حتىٰ يقْدُمَ العبدُ علىٰ ربِّه، وما حجُّ البيتً الحرامِ إِلاَّ خُطوةٌ من خُطوات حجِّ القلوب قبل حجِّ الأَبدان.
فلينظرْ كلُّ واحدٍ منَّا إِلىٰ قلبه، فيجمعهُ علىٰ مولاه، ويتقي الله فيه في أَمره كلَّه، ولا يلْتفِتْ لغيره، بل إِسلامٌ كاملٌ للقلب والوجه له وحده لا شريكَ له، فذاكَ الحجُّ الحقُّ، حتىٰ يبلغَ كتابُ العبدِ أَجَلَهُ، وينتهي عُمره.
مضتْ نصفُ الأَيامِ العشرِ المُباركة، كالبرقِ الخاطف، ولمحِ البصر، وعمَّا قريب سيرحلُ نصفها الباقي.
فالله الله في اِغْتنام ما بقي منها، فما يُدْرينا لعلَّه أَخر عهدنا بها، ولِمثلِ أَيامها قد لا نعود.
فيا باغي الخيرِ أَقْبلْ على الطاعات، ويا باغي الشرِّ أَقْصرْ وتُبْ عن المُخالفات.
أَيامنا المُباركة هذه مغانمُ رِبْحٍ، وغنائمُ فوزٍ، ورحماتُ لُطف، تُغْسلُ فيها القلوبُ بماءِ التَّوبة، وتسْتيقظ فيها النَّفوسُ من الغفلة، الطَّاعاتُ فيها مُيسرة، والحسناتُ فيها مُضاعفة، والمُوفقُ من تعرَّضَ لِفضل ربِّه في خيرِ أَيام عامه، وشمرَ لاِغتنام زمانها في تجارةٍ أَقسمَ اللهُ بها، من تاجرَ فيها فنِعْمتِ المُتاجرة، ونِعْمتِ المُرابحة.
اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ علىٰ خيْرِ من عظَّمَ عشر ذي الحِجَّة الحرام، وفتحَ لنا فيها أَيْسرَّ أَبوابَ الطَّاعات، تهليلاً، وتسبيحاً، وتحميداً، وتكبيراً للهِ قيُّومِ الأَرضِ والسموات، فمن ذِكْرِ الله فلْنُكْثر، ومن الصلاة والسلام علىٰ رسول اللهِ فلْنُكرر ﷺ.
علىٰ جلالةِ قدْرِ ومنزلةِ (شهرِ رمضان) هناك من دخل عليه الشهر وخرجَ، وهو في غفلةٍ من أَمره، وهمُّه هوىٰ نفسه.
وعلىٰ جلالة قدْرِ (الشهرِ الحرام) هناك -أَيضاً- من دخل عليه الشهر وخرجَ، وهو كالحالِ السابق.
فهل علىٰ جلالة قدْرِ خيرِ (أَيام العام) -أَيضاً- تدخل وهناك من ما زالَ من النُّوام!؟
وجبتْ التَّوبة واليقظة -الآن- قبل فواتِ الأَوان.
خيرُ أَيام حياتنا على الإِطلاق، وأَحبَّها إِلى الله يومُ توبتنا، وطهارتنا من الآثام، التي أَثقلتْ ظهورنا بالليل وبالنهار.
إِنَّهُ يومُ الحياءِ من الله الحليمِ الغفور، ويومُ الإِفاقة من غيبوبة الغفلة والذنوب، وخيرُ أَيام عامنا على الأَبواب، تُنادينا أَن هلموا إِلى الله التَّواب.
اللهمَّ يا من تفرَّدَ بِالخَلْقِ والإِحياءِ والإِماتةِ، أَحْيِنَا حياةً طيِّبةً تُبلْغنا بها خيرَ أَيامِ العام، عشر ذي الحِجَّةِ الحرام، ونحن وجميع أَهلِ الإِسلام نرْتعُ في عِزٍّ وأَمْنٍ وأَمان، ومعونةٍ من عندكَ علىٰ إِحسانِ إِكرامها بالليل والنَّهار يا ذا الجلالِ والإِكرام.آمين.
يقينك بالقدوم علىٰ الله -في أَيِّ ساعةٍ من ليلٍ أَو نهار- يجعلُ لحياتك معنىً وقيمةً لا تصفها العبارات، يكفي في وصفها أَنَّها حياةٌ عامرةٌ بالأَعمال الصّالحات، وكم لهذا اليقين من أَثرٍ علىٰ قلبك عند قُرب أَيام خير العام، وذلك بتجويد التَّوبة، وصدقِ العزيمة في تسخير زمانها في مرضاة الله؛ لأَنَّك لا تعلمُ أَيهما أَسبقُ قدوماً إِليك هي، أَم هادمُ اللذَّات؟
(يا أَيُّها الذين آمنُوا صَلُّوا عليهِ وسَلِّمُوا تسْلِيماً).
حَسْبُنا أَن نُكْثرَ من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ أَن اللهَ أَمرنا بذلك عُبوديةً له ورِقاً، كما أَن من كرمه جعلَ من صلَّىٰ صلاةً واحدةً على مُصطفاه ﷺ صلَّىٰ عليه بها عشراً؛ رحمةً منه وفضلاً، فكم سنُصلي عليه ﷺ ؟
عُمْدةُ زادِ القلب في طريق سيره في هذه الدار إِلىٰ دار القرار هو: تعظيمُ اللهِ وإِجلاله وتوقيره، هذا الزادُ يُحِيلُ أَيامَ العُمر والعام إِلىٰ مُراقبةٍ دائمةٍ للهِ في السِّرِّ والإِعلان؛ لذا من رحمة اللهِ المنَّان أَن ساقَ لنا أَشهراً حُرماً، وعشراً حراماً، هي صفوةُ أَيامِ العام؛ حتىٰ نسْقي قلوبنا العطشىٰ تمجيداً وتعظيماً، وحياءً وأَدباً للهِ الواحدِ القهَّار. (ولعلَّهُمْ يرْجِعُون).
عِدةُ أَيامٍ بقيتْ من شهرنا الحرام، تفْصلنا عن شهر ذي الحِجَّة الحرام، وعن أَيامهِ العشرِ زِينة أَيامِ الدُّنيا والعام، الشَّوقُ لها كبير، والرَّجاءُ ببلاغها من الله -الكريمِ- عظيم، وإِن صِدقَ القلوبِ بالتوبة لهو برهانُ الحنينِ لزمان التَّكبير، والتَّحميد، والتَّسبيح، والتَّهليل.