معلش لا عذر على قسوة المشهد؛ فقلوب أنجاس الأرض أقسى، رحل مصطفى وفي جسده النحيل ألف لعنة عليكم، مخطوطة على جلده الملتصق بعظمه أسماؤكم واحدا واحدا، هؤلاء منعونا الغذاء والماء والدواء، وظللتُ يا ربي مادًّا يدي، فاغرًا فمي، عشرين شهرًا، ولم يمدد لي كلبٌ لقمة واحدة، بينما يعدون المآدب لكل خنزيرٍ عابر.
..
يا رب رحلت وقد كنتُ أتلوى جوعًا، يبكي لي الصادق في ميادين أوروبا، وينفق لأجلي المعسر في حارات مص�� وأزقة الأناضول والشام والمغرب العربي، ويكتب عني اللاتيني كأنني ابن أخيه، ويثور لي الأفريقي في المحاكم كأن هذه مجاعته أيض��ا، بينما كان حراس البوابات الذي سلطتهم أو وُلوا علينا، بكل ما ملكوا من قوة وزاد، لا يحيدون فتح هوة في جدار العار تدخل الأكل إلى وريد غزة!
..
يا رب جئتك وأنا ميت جوعا لا ألوي على شيء من الدنيا، كان جسمي حيويا لا يهدأ، نشيطا لا يحب السكون، أجوب غزة طولا وعرضا فلا يوقفني أحد، وسيمًا على ثناياي السرور وفي وجنتيّ أسراره، حتى انقطعتُ من الزاد يومًا فظننت أني لن أبيت بلا عَشاء.. خمسمئة يوم، وجئتك خرقةً، باليةً، محمولة على الأكتاف، ميتًا، من دون عشاء.
..
يا رب أعلم أن بطونهم ملأى وموائدهم عامرة، وصعب على خيال الإنسان أن يتصور كيف يهلكون جوعى، ولكن، على ذلكم يا رب وليس ع��يكم بعزيز.. أهلكهم جوعى، أهلكهم مرضى، أهلكهم عطشى، أهلكهم غرقى، أهلكهم وهم يرون صورتي في كل زاوية سنين حتى الموت، أهلكهم عاجلا بحقي وحق مئة ألفٍ من إخوتي، أهلكهم، أهلكهم، واحشرهم يا رب هلكى!