إلى أي مدى من اليأس وصل الجواهري حيّنما قال:
«وكم سئمتُ بالأوهامِ نفسي
وغطّيتُ الحقيقةَ بالخيال»
خططتُ على الرمالِ فلمّا
تطامى السيلُ، سيلٌ مع الرمال»
إلى أي درجة بلغ به اليأس حتى أصبح يعترف بأنه عاش طويلًا على الأوهام، وأن ما بناه من أحلام لم يكن إلا كتابةً على الرمل.
أشياء كثيرة يتعلّمها المرء في وقتٍ متأخر من حياته، ويتصورها يقينًا لا يقبل الشك، ثم تمضي به الحياة، وتوسّع نظرته، وتريه أن ما ظنّه يومًا حقائق ثابتة لم يكن إلا توقعاتٍ بناها في داخله، وأن الحياة علّمته في النهاية أن كثيرًا مما آمن به لم يكن سوى وهمٍ يتبعه خذلان.
الإنسان يتلقى أقسى دروسه
من الأشياء التي ظنّها بين ضلوعه
وأمِنَ لها قلبه،
واستأمنها على أصدق ما فيه
فتغدو بعض الجراح أشدّ ألمًا
لأنها جاءت من مواضع الأمان،
لا من جهات الأعداء.
لحظةٌ واحدة، كفيلة بأن تترك فيك حذرًا لا يُغادرك، يسكنك طوال عُمرك، تجعلك مفزوعًا من فكرة التصديق، كأن اليقين بعد الخذلان صار مخيفًا،
ومن بعدها، لا تخشى الكذب بقدر ما تخشى أن تُصدّق،
ثم تكتشف أن قلبك كان أكثر أمانًا مما ينبغي.
كل شيء مسمّوح و قابل للسماح ، إلا تمثيّل العواطف
الخداع يثيّر في قلبي الجراح .
وبتبدأ يا إنته العواصف
تخلف أسامح، تخطي أسامح
تعتب أسامح
لكن تمثل علي
يا سيدي أنا أسف.
أدرك مكانتي في حياة الآخرين، لكنني لا أفتح لهم كل الأبواب. أُبقي بيني وبينهم مسافةً تحرس أعماقي، فلا كلُّ قريبٍ يعرف، ولا كلُّ حاضرٍ يُدرك، ليس لأنني أرغب في الابتعاد، بل لأن في داخلي زوايا لا تليق إلا أن تبقى لي وحدي.