أحيانًا نتهرب من الوحدة، نختلق أي ذريعةٍ من أجل أن ننجو من براثنها الحادة، لأننا حينما نكون وحدنا نبدأ في الانسياب مع ذواتنا، كأننا نتعرى أو نتجرد من هذا الرداء الذي يعتلينا، فيتضح لنا مدى هشاشتنا، وقلة حيلتنا، وكل الذعر الذي اعتدنا على إنكاره. فنحنُ نكشف تمامًا عندما نكون وحدنا.
في السابق كنتُ أفكّرُ بك كثيرًا، بل كنتَ الفكرةَ التي لا تُغادرُ عقلي، مثلَ رغبةٍ في قلبٍ شغوفٍ للتجربة، للمحاولة، للتحقيق… مثلَ ذلك الاحتراقِ للوصول. لكنني اليوم لا أجدُكَ في عقلي مطلقًا، كأنكَ تبخّرتَ في الهواء، أو لم يعد لديَّ ذلك الشغفُ نحوك.
أستغرقُ في التفكير، ثم أجدُ نفسي في دوامةٍ من الأفكار. لا أعرفُ أيَّ واحدةٍ هي التي تخطرُ على بالي، مثلَ عاصفةٍ تحطّمُ كلَّ شيءٍ أمامها. لكنني أعرفُ أنّها جميعًا تُسبّبُ لي الألم، فأحاولُ جاهدًا أن أدّعي الاستسلام، وأقولُ عن نفسي راضيًا بكلِّ هذا.
ثم تكتشف لاحقًا أن المسار الذي سرتَ فيهِ بهوادةٍ أو ركضًا لم يكن خاطئًا أو صحيحًا، هو فقط كان فصلًا لا داعيَ له، مهمةً جانبية، أو متاهةً وُضِعتَ بها من أجل تأخيرك أو تحطيمك، لكنه في الأخير نجح الأمرُ في استنفادِ عمرك واقتلاعِك من موضعك الصحيح.
تأتي هذه الكلماتُ تباعًا، تُريدُ أن تخرجَ من رأسي، وما أن أَهُمَّ بكتابتها تتلاشى، مثلَ فقاعةِ صابونٍ فُرْقِعَت في الهواء. فأنساها كأنني لم أفكّر بها، لكن مرارتَها تعلَقُ في فمي.
الحَدُّ الذي يَفصِلُ بيني وبينَ العَذاب، هو طَريقتُكَ في النَّظَرِ إليَّ. أخشى أن أعتادَ على أُسلوبِ حُبِّكَ لي، فلا أعودُ قادِرَةً على العَيشِ مِن دونِكَ.
أتذكّركَ دائمًا، من أجل تلكَ الهُدنةِ والسِّلمِ التي كانت بيني وبين الحياة، لذلك الشعورِ الذي كنتُ أُمطرُه عليك، ومدى غزارةِ ما كنتُ قادرةً على منحه. أتذكّرك ليس حنينًا، بل كي لا أنسى أنّني قدرتُ أن أُغرَمَ بأحدٍ بذلك القدر.
تساءلت لماذا العزلة بالضبط تصقل المرء بهذه الحدة، حتى يصبح سهلًا مرنًا مع الآخرين بطريقةٍ لا يمكن لأحدٍ أن يناله. بهذا الذكاء الاجتماعي، والهدوء الصارم، والنبل الواضح جدًا؛ فكان الجواب أنه شخصٌ مشاهد لا ينخرط مع بقية العالم، مهما علت الضوضاء، وتفاقمت المهمة، فهو معتكف داخل عزلته.
يصلُ الحبُّ إلى بُعدٍ آخر، حين تدركُ أن هناك تعبيرًا أفضلَ من المطارحة؛ كعناقٍ طويلٍ وقتَ الغضب، واستماعٍ مُصغٍ عند الألم، ويدٍ لا تفلتُ اليدَ الأخرى مهما حدث. هذهِ الأمورُ البسيطةُ تأخذُ العلاقةَ إلى بُعدٍ حقيقي، بُعدٍ صادقٍ، لا ينتهي ولا يبور.