أمّي التي أعطتْ فؤاديَ نبضَهُ
وضحّتْ كي أحيا بحلمٍ مجسَّدِ
كم ليلةٍ سهرتْ لعينيَ نومُها
وكم دمعةٍ سالتْ على خدِّها الندي
فكيف أقفُّ وقد رأيتُ جهادَها
وحياتُها لي كانتِ المنجدِ؟
لا، والذي أوقدَ في روحيَ شررًا
لن أركننَّ إلى خمولٍ أو برودِ
وما الناسُ إلا بين همٍّ وفرحةٍ
يدورونَ حتى يُودِعوا التربَ موكبا
فإنْ شئتَ عيشًا لا همومَ تُكابِدُهُ
فليسَ سوى دارِ الخلودِ لهُ أبا
وأمَّا التي نُدعَى إليها بدنيانا
فما خُلِقَتْ إلا ابتلاءً ومذهبا.
فلا تطلبِ الدنيا صفاءً فإنها
سحابةُ صيفٍ، لا تدومُ ولا تُرى
ولا تحسبنَّ المجدَ يُدنى لقاعدٍ
ولا الأمنَ يُهدى للذي عاشَ لاعبًا
ولكنْ إذا ما ضاقَ صدرُكَ مرةً
فثقْ بالإلهِ، فإنَّهُ كانَ أقربا
فكم هزَّ ريحُ الدهرِ عرشَ مهيبِهِ
فأصبحَ بعدَ العسرِ بالعزِّ أهيبا
ألا يا لَقومٍ، هل جزاءُ مُحسنٍ
إذا جادَ، إلا الغدرُ بعدَ التودُّدِ؟
أأُسقي الندى كفًّا ظماءَ،
فإذا بها تُقابلُ ماءَ البرِّ كأسًا من الصَّدِّ؟
وأزرعُ في أرضِ الوفاءِ مروءةً،
فيُثمرُ شوكُ الجحودِ على خَدِّ.
وأرفعُ أقوامًا إذا الدهرُ أضنَى
بهم، فإذا عزُّوا رموني إلى الوهدِ.
ألا إنَّ للموتِ المهيبِ غوائلًا
تُوافِي الفتى من حيثُ لا يتوقَّعُ
يُوافِيكَ في يومٍ كسائرِ يومِهِ،
وقد راقَ عيشٌ، واستقامَ المطلعُ.
وفي الكفِّ رسمٌ من غدٍ كنتَ مُنشئًا،
وفي الصدرِ حلمٌ لم يزلْ يتفرَّعُ.
تمدُّ إلى الآمالِ كفًّا مُؤمِّلًا،
ويُدني إليكَ الحتفُ كفًّا تُروِّعُ.
سأمضي، وإنْ طالَ الطريقُ فإنني
أنا ابنُ المعاركِ لا ابنُ خوفٍ وانحنى
كسرتني الأيامُ، لكنْ لم أبعْ
عزيمتي، ولم أُسلمِ الروحَ للردى
فما هُزمَ الذي قامَ بعدَ سقوطِهِ
ولكنْ هُزمَ من رضيَ العيشَ مُنحنيًا.
ألا يا فؤادي لا تُطِلْ بكَ العَنا
فكمْ عانقتَ الأيامَ والليلَ والأسى
خَضَضْتَ من الدنيا حروبًا خفيّةً
بلا رايةٍ تُرفعُ، ولا فارسٍ يُرى
تجرُّ خطاكَ في ميادينِ عيشِنا
وفي الصدرِ جيشٌ من همومٍ قد احتوى
تُقيمُ صروحَ العملِ فوقَ تعبِكَ
وتبني، وفي كفّيكَ عُمرٌ قد انطوى
أنا لستُ ذاك الفتى الذي كانَ ينتظرُ
يداً تمتدُّ كي تنقذَ الروحَ من العثرِ
أنا من بنى من كسرِه عرشَ عزّهِ
وصاغَ من الآلامِ تاجاً من الظفرِ
فإن جئتَ بالهجرانِ يوماً مهدّداً
فإنّي قديمُ العهدِ بالمضيِّ والسفرِ
فأنا الذي لا يلتفتُ خلفَهُ أبداً
ولو خلّفَتْ خُطواتُهُ المدنَ في شررِ
أنا ابنُ الليالي لا أُبالي بصرفِها
إذا أقبلتْ بالنوائبِ السودِ والضررِ
رأيتُ جيوشَ اليأسِ تزحفُ حولَنا
فما لانَ عودي، لا ولا خَفَقَ الوترُ
خضتُ من الحروبِ ما لا عينُ ناظرِه
رأتْ، ولا حدّثتْ عن صمتهِ السِّيَرُ
أُساهرُ نجمي حينَ ينامُ الورى
وأحملُ وجدي فوقَ صدري كالجمرِ
وإن احترقتْ مدائنُ العمرِ حولَهُ
فما مالَ طرفُ العينِ نحوَ الذي اندثرِ
تركتُ وراءَ الظهرِ ألفَ حكايةٍ
وألفَ جرحٍ لم يجدْ موضعَ الذكرِ
فلا تسألِ القلبَ الذي ذاقَ فقدَهُ
عن الوصلِ، إنّ الشوقَ يُورثُهُ الحذرِ