"تخير قرينًا من فِعالك إنما
قرينُ الفتى في القبر ما كان يفعلُ
فإن كنتَ مشغولاً بشيء فلا تكنْ
بغير الذي يَرْضَى به الله تُشغلُ
فلن يَصحب الإنسان مِنْ قَبلِ موته
ولا بعدَه إلا الذي كان يَعملُ
أَلاَ إنما الإنسانُ ضيفٌ لأهله
يُقِيم قليلًا بينهم ثم يَرحَلُ"
يتساءل ابن القيم -رحمه الله- عن القلب الذي اجتمع له التصديق مع التخلف عن العمل ويقول:
فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل؟
وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدًا إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة، أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت ساهيًا غافلًا لا يتذكر موقفه بين يدي الملك، ولا يستعد له، ولا يأخذ له أهبته؟
ويرى ابن القيم رحمه الله أن السبب وراء هذا التفاوت يكمن أساساً في
(ضعف العلم ونقص اليقين) فيقول:
فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره، أو غيبته عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده، وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع، وغلبات الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعد، وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجلة، ورخص التأويل وإلف العوائد، فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، وبهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال، حتى ينتهي إلى أدنى مثقال ذرة في القلب.
وجماع هذه الأسباب يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر، ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر واليقين، وجعلهم أئمة في الدين، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾
📌 يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب الصلاة :" فإنَّما كَبُرت على غير هؤلاءِ لِخلُوِّ قلوبهم من محبَّةِ الله تعالى وتكبيره وتعظيمه والخشوعِ له، وقِلَّةِ رغبتهم فيه؛ فإنَّ حضور العبد في الصَّلاة، وخشوعه فيها، وتكميله لها، واستفراغه وُسْعَهُ في إقامتها، وإتمامها على قدر رغبته في الله".
سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك
من الأسباب التي ذكرها الإمام أحمد في تفضيل هذا الاستفتاح :
"ومنها أنه استفتاح أخلص للثناء على الله، وغيره متضمِّن للدعاء، والثناء أفضل من الدعاء، ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، لأنها أخلصت لوصف الرحمن تبارك وتعالى، والثناء عليه، ولهذا كان «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» أفضل الكلام بعد القرآن، فيلزم أن ما تضمَّنها من الاستفتاحات أفضل من غيره من الاستفتاحات".
@Dr_Altubeshi الحياة الطيبة هي حياة الروح والقلب بالطاعة والإيمان كما أشار ابن القيم رحمه الله، فإن أعظم رحمة الله بعباده ليست في رزق الأبدان والماديات، بل فيما تحصل به حياة القلوب والأرواح
«وكلّما ازداد الذّاكر في ذكره استغراقًا ازداد المذكور محبَّة إلى لقائه واشتياقًا، وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه نسي في جنب ذكره كلّ شيء، وحفظ الله عليه كلّ شيء، وكان له عوضًا من كل شيء».
ابن القيم | مدارج السالكين
إيثارُ المحبوبِ على المَطلوب
الصلاةَ على النبي ﷺ هي من أجلِّ ألوانِ الدعاء، ودعاءُ العبد لربه نَوْعان:
أحدهما: سُؤاله حوائجَه ومهماتِه التي لا بدَّ له منها؛ وهذا دُعاءٌ فيه طلبُ العبدِ لمحبوبه وحظّ نفسه.
والآخر: سُؤاله ربه أن يُثني على خليلِه وحبيبه، وأن يزيد في تشريفه وتكريمه، وإعلاء ذكره؛ وهذا سؤالٌ لِمَا يُحبُّه اللهُ ويُحبُّه رسولُه.
فالمُصلِّي عليه ﷺ قد صَرَفَ جُلَّ رغبته وقصده إلى محابِّ الله، وآثرَ طَلَبَ ذلك على طَلَبِ حوائجه التي هي حظُّ نفسِه؛ فصارَ هذا المطلبُ من أحبِّ الأمور إليه، وأغلاها عند قلبه.
وبما أنَّ "الجزاءَ من جنس العَمَل"، فإنَّ مَن آثر اللهَ ومحابَّه على هواه وحظوظه، آثره اللهُ على غيره، وقرَّبه منه.
واعتبر هذا بملوك الدنيا؛ فإنَّ مَن أراد التقرُّبَ إليهم والظَّفَرَ بمنزلةٍ عندهم، لا يتوسَّلُ إليهم إلا بالإحسانِ والإنعامِ على مَن يعلمُ أنَّ المَلِكَ يُحبُّه ويُعظِّمُه. وكلما زادَ العبدُ في سؤاله أن يُكرِمَ اللهُ حبيبَه، زادَ قُرباً وحظوةً عند مَلِكِ الملوك؛ لأنه يعلمُ من ربه إرادةَ التشريفِ والتكريمِ لمحبوبه ﷺ.
فلا تستوِي منزلةُ مَن صرف جُلَّ هِمَّته في الثناءِ على حبيبِ الله، ومنزلةُ مَن قصرَ دعاءَه على حظِّ نفسِه! ولو لم يكن في الصلاةِ على النبي ﷺ إلا هذا المطلبُ وحده، لكفى المؤمنَ به شَرَفاً، وكفى به ذُخراً.
*مقتبس بتصرف من تأملات ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (جلاء الأفهام)
10. جعله قرينًا لجميع الأعمال الصالحة وروحها:
في الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14].
في الحج: كما قال النبي ﷺ: "إنما جُعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله".
في الجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45].
( منزلة الذِّكر )
هي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزوّدون وفيها يتَّجرون وإليها دائِمًا يَتَرَدَّدُون.
أوجه الذكر في القرآن على عشرة أوجه كما ذكرها ابن القيم -رحمه الله- :