كان العرب يعتبرون رثاء المرأة عيبًا وضعفًا لذلك قلَّت القصائد في رثاء النساء قديمًا
فكان جرير من أوائل من كسروا هذا الحاجز بقصيدة طويلة رثى زوجته فيها ويقول:
أريد أن أعرف لذة الصداقة والحب، حين لا أجد من الحياة إلا الالام، أريد من أقول له ها أنا ذا بعذابي وضعفي وها أنا ذا بقوتي وصبري، أريد من أقول له هذة جروحي التي تنفث الدم، لا ترْقأ ولا تستريح ولا تبرأُ إلاّ على وعيٍ من دمها.
أريدُ أن أجد بعدك من أضعُ في يديه الرفيقتين، هذه الجروح الدامية النابضة في صدري، أريدُ أن أضع أفكاري التائهة في بيداء الظنون المقفرة، بحيث تجد من يتولى أمر إرشادها إلى روضة اليقين الناضرة، أريدُ أن أجد ملجئي المؤمن حينَ تطارني من الظنِّ صعاليكُه الكافرة.
الآن وأنا أشتعلُ وأتفانى من جميع نواحيَّ، الآن وأنا أتوثَّبُ في قيودٍ مُرخاةٍ تمنحني الحركة وتمنُعني دون الغاية، الآن وأنا أُمزِّقُ جوَّ حياتي بزئيري وأنيابي ومخالبي، وأُحرِقُه بوجدي ولوعتي واشتياقي.
فالان وقد جدّدت الدنيا أساليب تعذيبي، عذابًا ضعفًا من الالام، الان وقد أوجدتني الحياة ما أريده، ثم وضعت بيني وبينه سدًا، يصف ماوراءه من أشواقي ويقف دوني فلا أنفذ منه.
تطاول هذا الليل تسري كواكبهْ
وأرّقني أنَّ لا ضجيع ألاعبهْ
ألاعبهُ طورًا وطورًا كأنما
بدا قمرًا في ظلمةِ الليل حاجبهْ
فوالله لولا الله لا شيءَ غيرهُ
لحُرّكَ من هذا السريرِ جوانبهْ
ولكنني أخشى رقيبًا موكلاً
بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبهْ!
مهما أبحرت في الأدب واللغة، بين الفينةِ والأخرى تجد دهشةً جديدة لم تخطر في بالك قط! فعلى سبيل المثال؛ أحد النساء اللاواتي غلبهنَّ الشوق، والتشوّق لحضن الزوج ومصارعة الرغبة، تقول شعرًا وتتغنّى في هذة اللحظات المفقودة:
طاولة الغداء؛ التي تحتمل حرارة النقاش وبرودة أخبار اليوم، ورائحة الودّ مضبوط الملح، حركة أرجل أحمد الصغيرة الملولة، وبقايا العصير المذنب بسوء اختيار موضع وقوفه، كفوف التأييد من فوقها، وقرصة التحذير من تحتها؛ طاولة الغداء هي السيرة الذاتية للعائلة.
أتصوَّر أن أكثر الأشخاص وحدةً في العالم؛ ليسوا منبوذين تمامًا أو منغلقين على أنفسهم، إنما أولئك الاجتماعيين الذين يرتاح لهم الجميع، وتنكشف عندهم الأسرار دون قصدٍ أو طلب، غير أن أحدًا منهم لم يجد في -الجميع- شيئًا من ترف الانكشاف والإبانه، إبانة سرٍ واحد يعتمل داخله.