تتوالى السنون، فيكبرُ فينا الصمتُ وتتفاقمُ رغبتُنا في الانزواء، حتى يغدو حوارُ المرءِ مع ذاته أصدقَ وأعمقَ من كلِّ ما قد يُفصحُ عنه للآخرين.
تترسخُ في داخلنا قناعةٌ بأنَّ صخبَ العالم باتَ يستنزفُ أرواحَنا أكثرَ مما يُغنيها، وأنَّ النفسَ ما عادت تملكُ متسعاً من الصبرِ لتتحمَّلَ ضجيجاً إضافياً أو جدال لا طائلَ منه.
نوقنُ حينها أنَّ الأمانَ الحقيقيَّ يكمنُ في تلك الدائرةِ الضيقةِ التي نألفُها، وبأنَّ المرءَ ليس مُلزماً بالنصيحة في زمن تُفسَر فيه النوايا على غير حقيقتها.
ومع نضجِ العُمر، لا تتسعُ دوائرُنا كما توهَّمنا، بل تنكمشُ وتتقلصُ طوعاً، لندركَ في نهايةِ المطافِ أنَّ كلَّ كنوزِ العالمِ لا تضاهي طمأنينةَ بابٍ مُغلقٍ، نراجع فيه أنفسنا، في عزلةٍ مباركةٍ، لا نكدرُ صفوَ العالمِ ولا يطالنا منهم ما لا نريد.
…
قد تتمنى وردة، ويكون نصيبك بستان، قد تأتي إليك أمنياتك أعظم من المطلوب، وأجمل من الخيال، أنت ترجو رب كريم، خزائنه لا تنفد، وخيره واسع، لا غالب لأمره، ولا راد لفضله سبحانه!
عندما كنت على يقينٍ بمدبّر الأمر، أتى الفرج من حيث لا أحتسب، رغم أن كل أبواب الواقع مغلقة، فتحها الله بقدرته، لا تغفلوا عن تجديد اليقين، والتحلّي بروح التفاؤل، والتوكّل على القادر، الخير بيده، والفتح عنده، وهو رب الأسباب ومسببها، خلف الواقع يد الله التي تبدّل الحال❤️🩹.
"ياربّ، ما ربّيتني إلا على النّعم، وما عوّدتني إلا على إحسانك، آمنت روعاتي، وسترت عوراتي، ودبّرتَ حياتي، وأرسلت لي خيرًا غزيرًا، لستُ أهلًا له ولكنك أهله، آنستَ وحشتي، وفرّجت كربتي، وآويتني، وأسقيتني، وأطعمتني من غيرِ حولٍ مني ولا قوة، فلكَ الحمدُ والشكر"
"ولولا طول أملي بالله، وحسن ظنّي به، ورجائي المستمر، وكوني في انتظار دائم لجميل تدبيره وتلطفه بي في أسوأ الأحوال؛ لما كنت قادرًا على العيش إلى هذه اللحظة!"