في أحيانٍ كثيرة.. ستشكر الظلام الذي حَلّ عليك رغم ثقله، لأنّك من خلاله رأيت نجومًا مُضِيئة، ما كان لها أن تُضِيء وتُبدّد عنك العتمة لولا حلول الظلام من حولك، مثل شُكرك للمواقف الصعبة التي أوضحت لك حقيقة المعادن المحيطة بك.
عندما يتوقّف الإنسان مع نفسه، ويتأمّل في مسيرة حياته، سيجد أنّ هناك أقدارٌ لم يخترها، لكنها اختارته، ودروبٌ لم ينوِ المُضِيّ فيها، لكنه مضى فيها، وسيدرك أن هذا هو دَيْدن الحياة، والأهم في كل ذلك أن يحمل في قلبه الرِضا في كل خطوة، فهو سِرّ الهناء.
يمضي بك الزمن، وتصقلك التجارب والمواقف، فلا يعود ما كان يهمّك سابقًا في حيّز اهتمامك الآن، ولا تعود الأمور التي كانت تُقلقك تُشكِّل شيئًا لديك، ويتغيّر ترتيب أولويّاتك، وترى الحياة من منظور آخر؛ أكثر اتّزانًا، وأناةً، وسدادًا، وهذا أثمَن ما يهديك إيّاه النُضج.
أرى أنّ حُسن الكلام، ولُطف القول، ولباقة المنطق؛ تُشكِّل نصف جمال شخصيّة الإنسان، فلا شيء يُوازِي بهاء اللفظ إذا تهذّب، ولا شيء يُماثِل وَقْع الكلمة الصادقة إذا كانت مُغلّفة بالعذوبة، وأرى أنّ أدب ورُقِيّ الشخص بالإمكان قياسه من خلال منطوق لسانه.
ستباغتنا دومًا الوحشة في دهاليز الحياة، ستدخل قلوبنا من حيث لا نعلم. والوحشة ليست غريبة على الإنسان، بل ربما هي الأصل في بشريّته. علينا بالمسرّات يا أصدقاء، وإن كانت صغيرة ومفتعلة. الأرض غربة، وعلى الغريب أن يمضي، لا أن يقاوم.
كل شيء يُبنَى على أساسات ضعيفة لن يُكتَب له البقاء، سيتهاوى مع عبور الرياح، ولن يحتمل تقلُّبات الزمان، واختبارات المواقف والأيام، ولن يبقى راسخًا، ثابتًا كجذعٍ أصيل؛ إلا ما كانت أساساته قويّة وحقيقية، لأجل ذلك قبل أن تتطلّع إلى الثمار، رَكِّز على البذور والجذور.
نِعَم الله عليك لا تُعَدّ ولا تُحصَى، منها ما تدركه بحواسك، ومنها ما لا تدركه، منذ طفولتك يتولّاك بعنايته، وتكبر في مدارج الحياة فيحفّك بألطافه، ولو تفكّرت ستجد أن توفيقه وتيسيره هو أصل الأقدار الجميلة في حياتك، ومن حقّ الوهّاب عليك أن تشكره، لتستديم وتزدهر عطاياه لك.
إذا زرع الله في قلبك الرحمة، فاعلَم بأنّهُ أراد بك الخير، فالرُحماء هم وَجه الحياة اللطيف، كالنسمة الباردة في لهيب الصيف، فيهم من الرِفق ما يجبر الكسور، ومن اللِين ما يُخفّف الآلام، ومن الحُنوّ ما يحتوي الأتعاب، ويكفيهم أنّ الرحمن يفيض عليهم بالرحمات والبركات.