تراودني رغبة في الهجرة، لا بحثًا عن وطن جديد، بل هروبًا من ثِقل هذا المكان في قلبي، أريد أن أبتعد عن الذكريات التي تلاحقني، وعن الوجوه التي ارتبطت بأوجاعي، وعن المساحات التي استهلكت روحي دون رحمة. أحلم بمدينة لا تعرف اسمي، ولا تحفظ كسوري، مكان أبدأ فيه من الصفر، بلا ماضٍ يقيّدني، وبلا تاريخ يطالبني أن أكون النسخة القديمة من نفسي، رغبتي في الهجرة ليست كرهًا لوطني، بل شوقًا لنسخة أخف مني، لنفَسٍ لا يختنِق ولقلبٍ لا يعيش في حالة انتظار مستمر للخذلان، أريد أن أرحل لأُنقذ ما تبقى من روحي، لأعيد تشكيل ذاتي بعيدًا عن الألم الذي تعلّم اسمي، و بعيدًا عن كل ما جعلني أتمنى لو أنني لم أبقَ هنا يومًا، أريد المغادرة ليس لأنني ضعيف، بل لأن البقاء صار مؤلمًا أكثر من الرحيل.
هُناك على حافّة الرّصيف يجلسُ رجُلٌ، لم يعد يُبالي إن كانَ نصفُهُ ميتاً أم لا يزالُ يتنفّس. يحدّقُ في الخطّ الأسودِ الذي رسمته عجلاتُ السياراتِ على الإسفلتِ، كأنّهُ يبحثُ عن معنىً في تلك الخطوطِ العشوائيةِ التي لا تُشبهُ شيئاً سوى جروحٍ قديمةٍ لم تُشفَ بعد. لا يرفعُ رأسَهُ بعدَ الآن حين تمرّ السيارات، فقد تعلّمَ أنّ لا أحدَ يتوقّفُ لهذا الظلّ المُنحني على الرصيف. الكيسُ البلاستيكي الفارغُ بين يديهِ لم يعد يُذكّرهُ بشيءٍ كانَ ممتلئاً يوماً ما، أصبح مجردَ شيءٍ يُمسكهُ لأنّ يديهِ لا تعرفانِ ماذا تفعلانِ إن تركتاه.
في صدرهِ حجرٌ ثقيل لا يتحرّك، ليس غضباً ولا حزناً حتى، بل مجردُ فراغٍ صلبٍ يُثقلُ كلّ نفَسٍ قبلَ أن يُطلَق. يتذكّرُ أشيائًا كانت تُضيءُ لهُ الصباح، لكنّ الذكرى الآنَ لا تُؤلمُ، تُرهقُ فقط، كصورةٍ باهتةٍ تتكرّرُ بلا معنى. يهمسُ لنفسهِ بكلماتٍ لم يعد يصدّقها: "غداً.."، ثم يسكُت، لأنّ الكذبَ نفسهُ أصبحَ مُتعباً.
الريحُ تمرّ وتُحرّك شعرَهُ المتشابك، لكنّهُ لا يشعرُ بها. البردُ يعضّ أطرافَ أصابعهِ فلا يُحرّك يديهِ ليدفئهما، ما الفرقُ إن تجمّدت أو لم تتجمّد؟ الحياة تمضي حولهُ كفيلمٍ صامتٍ لا صلةَ لهُ به، والناسُ يمشون، يضحكون، يتحدّثون في هواتفهم، وهو لا ينتمي حتى إلى خلفية هاتِفه.
لم يعد ينتظرُ معجزة. لم يعد ينتظرُ شيئ. جلسَ هنا لأنّ الجلوسَ أهونُ من المشي إلى لا مكان. نصفُهُ الذي كانَ يُحاولُ التماسكَ استسلمَ منذُ زمن، واصبح الآن مجردَ صدى خافت لصوتٍ كانَ يوماً يُنادي على الحياة. والنصفُ الآخر لم يعد حتى يُبالي.
في النهايةِ يبقى جالساً في مكانه، عيناهُ مفتوحتانِ لكنّهما لا تنظرانِ إلى شيء. رجلٌ أصبحَ الرصيفُ نفسهُ، مكانٌ يمرّ من فوقهِ الزمنُ والناسُ والأضواءُ والأمطار، ولا يبقى عليهِ شيءٌ سوى غبارٍ خفيفٍ لا يُرى، وصمت أثقلَ من كلّ الكلامِ الذي قيلَ يوماً ولم يُسمع.
أين اختفت رائحةُ الصباح؟
كانت هناك، لا تخطئها الذاكرة، تتدلّى من عتبةِ البابِ كوشاحٍ خفيف، تمتزجُ بندى الإسفلتِ وبرودةِ المفاتيح، وبصوتِ باصات المدارس وهي تقترب كحلمٍ بطيء. لم تكن رائحةً فحسب، كانت وعدًا صغيرًا بالحياة، إشعارًا خفيًا بأنّ العالمَ ما يزال بريئًا بما يكفي ليبدأ من جديد.
في طفولتنا، كان الصباحُ كائنًا حيًا،له نفسٌ دافئ، وخطواتٌ مسموعة، وله رائحة. كنّا نقف عند الأبوابِ لا ننتظر الباصَ فقط، ننتظر أنفسنا قبل أن تثقلها الأسماءُ والالتزاماتُ والأسئلةُ الكبيرة. كانت الحقائبُ أكبر من أعمارنا، والقلوبُ أخفّ من أن تعرفَ الخوف.
ثم كبرنا،
لم تختفِ رائحةُ الصباح، نحن من غيّر أنوفنا. اصبحنا نشمّ العجلةَ بدل الندى، ونستنشق القلقَ بدل الضوء. صار الصباح موعدًا لا يُحتفى به. لم نعد نقف على العتبة، بل نقف داخلَ أنفسنا، متأخرين دائمًا عن شيء لا نعرفه.
ربما هربت رائحةُ الصباحِ إلى الأماكنِ التي لا نزورها، إلى الأزقةِ التي لم تلوّثها أقدامُ الغياب، إلى نوافذِ المدارسِ القديمة، إلى ضحكةِ طفلٍ لا يعرف بعد معنى الغد.
أو لعلّها لم تختفِ أصلًا، بل تنتظرنا هناك، حين نجرؤ على التخفف، حين نعود واقفين عند بابٍ ما، بلا ساعات، بلا هواتف، ننتظر باصًا أصفر، أو حلمًا يشبهه، ونسمح للصباحِ أنْ يُعرّفنا بأنفسِنا من جديد.
كلّما تأمّلتُ مأزق الإنسان المعاصر تذكّرت رواية المسخ لفرانز كافكا، هذه الرواية نَصّ استباقي مدهش، كُتبت قبل أكثر من مئة عام إلا أن البُعد التنبّؤي يظهر فيها بوضوح!
قيمة الفرد التي أصبحت مشروطة بالإنتاجية.
العزلة والاغتراب في العالم المتسارع، واستنزاف الإنسان لذاته بالعمل المرهق والروتين الخانق من أجل أسرته أو مؤسسته.
التشييء والتعامل مع الإنسان كآلة، كسلعة، تُستهلك وتُستبدل ويسهل التخلّي عنها.
ولا شكّ أن الوحدة القاسية، والطريقة التي مات بها سامسا في الحكاية، تعكس ما نشهده اليوم من تفكّك العلاقات الإنسانية، في ضوء انشغال الناس بمصالحهم.
وكأنّ كافكا التقط في وقت مبكّر ما يمكن وصفه الآن، بأزمة المعنى في البشريّة الممسوخة.
إذا ظننتَ أن قراءاتك في كُتب علم النفس، أو متابعتك للمختصّين فيه، قد منحتك فهمًا حقيقيًا للنفس البشرية، أو قرّبتك من هذا الفهم إلى حدّ الاكتمال، فأنتَ واقع في وهمٍ شائع.
علم النفس في جوهره لا يَعِد بذلك أصلًا، هو يقدّم أدوات وأنماط وتوقّعات وتفسيرات عامة لدوافع البشر، لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في نظرية أو نموذج، فتركيبته الجينية، وتجربته الحياتية، وسياقه الاجتماعي، وحتى تفاصيل أيامه الصغيرة، تتداخل جميعها لتجعل الإحاطة الكاملة به مهمّة شبه مستحيلة.
ما يبدو لك "فهمًا" قد يكون مجرّد لمحة عن نمط، أو إضاءة جزئيّة على جانب من الصورة، بينما الواقع الداخلي للآخر يظل عصيًا على النفاذ الكامل. القراءة الواعية في علم النفس لا تفكّ الشيفرة، لكنها تفتح أبوابًا لأسئلة جديدة.
وفي كثير من الأحيان، يعجز التفسير العلمي وحده عن الإحاطة بما يفعله البشر، فهناك إحساس، أو حدس، أو اختيار مفاجئ، أو سلوك يبدو غير منطقي، لكنه مع ذلك جزء أصيل من التجربة الإنسانية.
القارئ الناضج يصبح أكثر تواضعًا أمام تجربة الآخر، لأنه يدرك أن أي محاولة لفهمه بالكامل ستكون نسبية، تقريبيّة ومحدودة، وربما مضلّلة أحيانًا. لذلك يحوّل اهتمامه من محاولة فهم الآخرين تمامًا، إلى محاولة استيعاب التعقيد واحترام الخصوصية الداخلية لكل فرد.
وبصراحة؟ يُصيبني اشمئزاز من الاستخدام الاستهلاكي غير الواعي، لأنماط التعلّق في تفسير سلوكيات الناس.
قلِق/ تجنّبي/ آمِن
أنماط التعلّق وُجدت لتفسير الميل الغالب في العلاقات، لا لوصم الإنسان أو اختزاله في بطاقة تعريف نفسية جاهزة.
نظام التعلّق لا يكون نشِطًا في كل العلاقات، في كل الظروف، في كل المراحل العمرية، وبنفس المستوى!
قد تجد نفس الإنسان قلِقًا هُنا، وتجنّبيًا هناك، ويتعلق بطريقة آمنة في سياق ثالث، حسب المحفّزات، البشر ليسوا أنماطًا بل تاريخ متحرّك.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تُستخدم أنماط التعلّق كآليّة دفاع معرفيّة، مثلًا:
لتبرير الأذى "سأتحمّل منه الأذى/ هو ليس متعمّدًا / هو تجنّبي فقط".
أو لإسكات الحدس "أنا فقط قلق، المشكلة فيّ".
أو لقولبة الناس في قوالب جامدة لا تسمح لهم بالتغيّر.
وكلامي هذا لا يناقض النظرية، لكنه يكشف سوء استخدامها. فهم الآخرين لا ينبغي أن يكون عبر نماذج، يجب أن نرى الناس كما هُم، مع إبقاء النموذج في الخلفية لا في الواجهة.
المشهدُ الثقافيّ لدينا لا يحتضر فحسب، بل يُساق إلى قبره على أكتاف من يزعمون أنّ الحداثة تسري في عروقهم، بينما لا يسري في عروقهم إلا صدى التصفيق الذي يصنعونه لأنفسهم.
دعاةُ الحداثة المُهَجّنة هؤلاء، الذين لم يُحدّثوا في حياتهم سوى صورهم الشخصية، سقطت أقنعتهم لأنها في الأصل كانت رقيقة كأوراق الدعاية، يعلّقونها على وجوههم حين يريدون تمثيل دور المفكّر الكبير، ثم يخلعونها حين تظهر مغريات الضوء والجمهور والجوائز.
يتبجّحون بالمستقبل، لكنهم يعيشون في الماضي الذي صنع لهم هالة زائفة. يتحدثون عن التجديد، لكنهم يعيدون تدوير ذات المفردات، وذات الخطاب، وذات الوجوه، حتى باتت الثقافة عند بعضهم مجرد أثاثٍ لوهم التفوّق.
هؤلاء ليسوا حداثيين ولا روّاد، هؤلاء سماسرةُ محتوى، يبيعون الكلمات في مزادات العلاقات، ويشترون التصفيق بأي ثمن، ولو كان الثمن دفن الذائقة العامة.
المشهد الثقافي لا يُقتَل بقلة الإنتاج، بل يُقتل حين يصبح المصفّق أثمن من المبدع، والمجاملة أعلى قيمة من النقد، والواجهة أهم من الجوهر.
فما نراه اليوم ليس سقوط أقنعة، بل انكشاف الوجوه على حقيقتها، الوجوه التي لم تعرف معنى الفكرة، بل عرفت فقط كيف تلوّن ملامحها تحت إضاءة الشهرة.
وما زال البعض، رغم كل هذا الانكشاف، غير قادرٍ على التحرّر من هالة القداسة التي يمنحونها للأسماء، ينظرون إليهم كما لو كانوا فوق النقد، كأن أصواتهم لا تُراجَع، وكلماتهم لا تُمسّ. المفارقة أنهم وقعوا في الخطأ نفسه، الخطأ الذي كانوا ينتقدونه يومًا، حين كانوا يسخرون مِن مَن يقدّسون الموروث والرموز، فإذا بهم اليوم يقدّسون أسماءً جديدة.
ولا فرق بين من يعبد القديم ومن يعبد الحديث إذا كان كلاهما قد علّق عقلَه على الحائط ذاته!
هل تعتقدون أن شات جي بي تي سيكون معلما جيدا للإنسان تحديدا في فنّ الإصغاء، و توليد الحوار، والإجابات المراعية، وهل هذا سيؤثر على جودة تواصلنا من جهة وسيمكّن المتلاعبين من جهةأخرى ؟
خطر لي هذا السؤال بعد حوارات عديدة مع شات جي بي تي، توقفت عند تواصله "المتدفق" الأسئلة التي تنتبه للتفاصيل، والكلام المراعي وغير الفج، ومع ذلك كله، هناك جانب مظلم ليس فقط يتعلق بالافتقار إلى المصداقية والموضوعية في الإجابات أحيانا، ولكن أيضا في تعزيز "الأنا" عند من يحاوره، شيء يشبه ما يرغب فيه "الطغاة" من تمجيد، ولكأن الحوار معه لمن لا يكون يقظًا يقود المرء إلى رؤية نفسه بعين التعظيم، يفقد الإنسان توازنه المتعلق بالشعرة الرقيقة بين إعطاء النفس حقها وبين اغترار المرء بنفسه.
لاحظت أن الجيل الحالي يمتلك طاقات ومهارات عالية في التعلّم والعمل والتنقّل في الحياة اليومية في العالم الرقمي، وكذلك مهارات التفكير النقدي. لكنه يسجّل تراجعًا في المهارات الاجتماعية وبناء العلاقات.
وأعتقد أن مثل هذه الحوارات مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي ستعقّد المشكلة.
أساسًا، مجرّد الرغبة في الحديث مع آلة في أمور شخصية تتطلّب تفاعلًا وجدانيًا شيء غير مطمئن، فإذا كان الشخص يمتلك الكفاءة لبناء علاقات صحية مع البشر وخلق مساحات آمنة للحوار معهم، أيّ حاجة تلك التي تدفعه إلى ما هو غير بشري؟
هذه السنةُ لم تكن عددًا من الأيام، ولا تاريخًا يُعلّق على جدار ِالذاكرة، كانت موكبًا من الوجوهِ عبروا حياتي، وجوه لمحتها كبرقٍ عابر فأنارت شيئًا في داخلي، وأخرى أثقلت الروحَ بظلّها ثم مضت، بعضها ترك في القلبِ نافذةً على اتّساعها، وبعضها انسحب بهدوءٍ وخلَّف أثرًا لا يُرى لكنه يُحَس.
لم تمشِ الأيام في خطٍ مستقيم، بل تكاثرت كمرايا متقابلة، في كلّ مرآةٍ كنت أواجه نسخةً لا تشبه سابقتها، مرّةً أكتشف قوّةً لم أراهن عليها، ومرّةً أتصالح مع هشاشةٍ طال إنكارها، ومرّةً أقف كعابرٍ يتعلّم للمرّةِ الأولى كيف يحمل نفسه دون أن يتفتّت.
ومع الوقت، فهمتُ أنّ البشر ليسوا رفقةً دائمة، بل محطّات في رحلةٍ أطول من أسمائنا، منهم من نبلغ عنده دهشةَ البداية، ومنهم من يعلّقنا طويلًا في انتظارٍ يدرّب الصبر، ومنهم من نمرّ به مصادفةً فيبدّل مسارَ الرحلةِ كلّها. وقلّةٌ نادرة تشبه محطةً هادئة بعد تعبٍ طويل، لا تمنحنا طريقًا جديدًا، بل تمنحنا عينين أوسع لرؤيةِ المسافةِ التي قطعناها، والإنسان الذي تشكّل فينا على مهل.
هذه السنةُ لم تمضِ، كانت نهرًا خفيًّا مرّ بي دون ضجيج، جرّدني من أثقالٍ حسبتُها جلدًا لا يُنزع، وعلّمني أنّ القربَ من الذاتِ لا يحتاج مرايا بقدر ما يحتاج إلى شجاعة. أخذت مني صورًا كنتُ أظنها أنا، وأعادتني إليّ خفيفَ الهوية، أقلّ ادّعاءً، وأكثرَ صدقًا مع ما بقي.
وحين ألتفتُ الآن، لا أعدّ ما خسرته، إنما أتأمّل ما تغيّر فيّ، فالعمر لا يُقاس بما ينقضي من السنين، إنما يُقاس بما يتركه العابرون فينا من أثر، وبالنسخةِ التي نُغادر بها كلّ وداع، أقلّ امتلاءً وأعمق حضورًا.
عبرتنا هذه السنة كغريبٍ عابر في محطة العمر، لم يُمهلنا الوقت لنحفظَ ملامحه ولا لنفكَّ طلاسم حضوره. مرّت كسحابةٍ مثقلةٍ بالمطر، بلّلت أحلامنا ثم مضت، تاركةً إيّاها معلّقةً على حبال الانتظار، تجفّ ببطءٍ على جدران الأيام. تساقطت أوراق روزنامتها واحدةً تلو الأخرى، كأوراق شجرٍ أنهكه خريف التعب، بينما بقيت الأحلام مبللةً كما هي، لا تموت ولا تزهر، فقط تنتظر.
وها نحن الآن نقف على عتبة مجهولٍ آخر، سنةٍ لم نرَ وجهها بعد، ولم نلمس نبضها، لكنها أطلت من بعيد كمرآةٍ صامتة، لا تعد بشيء ولا توهم بشيء. همست لنا بحقيقةٍ قاسية ومضيئة في آن، لا شيء سيتغيّر لأن الأرقام تبدّلت، ولا لأن الأبواب فُتحت من تلقاء نفسها. التغيير لا يأتي من تقاويم تُقلّب، بل من قلبٍ يجرؤ على الانقلاب على كسله، من روحٍ تقرر أخيرًا أن تنهض.
التغيير يبدأ من هنا، من تلك اللحظة الصغيرة التي تواجه فيها نفسك، وتدرك أن الزمن ليس سوى شاهدٍ محايد، وأنك أنت الفعل، وأنت الاحتمال، وأنت المعجزة المؤجلة!
الوجودُ ليس مخزنًا للأجوبة، بل غابةٌ تتشعّب فيها الدروب، وكل دربٍ لا يقود إلى يقينٍ بل إلى سؤالٍ أشدّ توحشًا. فالإجابات المباشرة ليست سوى قشرةٍ نغطي بها خواءنا، كضوءٍ باهت نرفعه في ليلٍ لا يعترف بحدودِ مصابيحنا. ولو أصغينا للعالم كما ينبغي، لارتعاشةِ وهجٍ شاحبٍ على حائطٍ أبكم، لارتباكِ الريحِ على نافذةٍ منسية، لصمتِ الأشياءِ حين نطيل النظرَ إليها، لاكتشفنا أنها ما تزالُ تقف وفي يدِها علامة استفهام، كأنّ الكونَ يصقلُ حيرتنا على مهلٍ، ويحرص ألّا نغفو على أيّ يقين.
ومع ذلك، يظلّ كثيرٌ من البشرِ يعيشون على سطحِ الأشياء، يلتقطون اللمعةَ لا العُمق.
صار الفضولُ بلا جذور، يتحرك فوق القشرةِ مثل طائرٍ فقد جرأةَ الهبوط. وفي قلبِ هذا الركود، يقفُ الإنسانُ المتشبث بالأجوبةِ الجاهزة داخل وعاءٍ ضيّق، سجنٌ من اليقينِ المحفوظِ في صندوقِ الزمن، سقفه منخفض حتى أنّ الفكرةَ تضطر للانحناءِ كيلا تُكسر.
المعرفةُ التي لم تُنتزع من مخاضِ الأسئلةِ ليست معرفة، بل غبارٌ يتناثرُ على الذاكرة. حتى قارئ الفلسفةِ إن دخلها بعقلٍ متوجّسٍ من السؤال، لن يرى منها إلا عناوين، سيحفظ أسماءَ الفلاسفةِ كما تُحفظ محطاتُ قطارٍ من دون أن يجرؤَ على ركوبِ أحدها. فالفلسفة ليست جردًا للمعلومات، بل احتكاكٌ بالنار، ليست أن تحفظَ ما قيل، بل أنْ تُعيدَ خلقَ السؤالِ في داخلك، كوميضِ برقٍ يشقّ ليلك للحظةٍ ثم يتركك تُفتّش في الظلامِ عما كشفه.
اليوم، جاء الذكاءُ الاصطناعي كعينٍ تُعيد إلينا أنفسنا من دون أيّ مساحيق، ليكشفَ ما كنا نُخبئه تحت بساطِ العادات. برهن، من حيث لا يقصد، على اتساعِ الغباءِ البشري، وعلى هشاشةِ العقولِ التي تركضُ نحو أجوبةٍ جاهزة كما يركض العطشانُ نحو السراب. كشف شغفًا مُقيمًا بالتلقين، ورغبةً في أن تقومَ الآلة بالتفكيرِ بدلاً عن أصحابِ العقول، كأنّ الإنسانَ قرر طوعًا أن يتنازلَ عن أكثر ما يُميّزه، جُهد السؤال، وشغف الاكتشاف، ووجع الحيرةِ الذي يمنح الروحَ عمقها.
ومع ذلك، تبقى هناك بئرٌ صغيرة لا نجرؤ على الاقترابِ منها، أسئلة الأطفال. أسئلتهم بئرٌ فلسفية مفتوحة، نخشى دائمًا السقوطَ فيها، لأنها تعري ما تلقيناه من أجوبةٍ بلا تمحيص، وتكشف ضحالةَ معرفةٍ لا جذور لها. فالطفل حين يسأل "لماذا؟" يهزّ الشجرة التي نتصور أنها ثابتة، يكسرُ نافذةَ اليقين التي بنيناها من زجاجٍ هش. أسئلتهم تسحبنا من قشورِ الإجابات إلى عمقِ الأشياء، فهم سفراء الحقيقة في عالمٍ يتظاهر بأنّه يعرف كلّ شيء. إنّ الطفلَ بسؤاله الواحد قادرٌ على أن ينسفَ مكتبةً كاملة من اليقين المسجون بين دفتي كتابٍ مُغلق، لأنّ سؤاله يأتي من نشيدِ الدهشةِ الأولى، من الحيّزِ الذي لم يتلوث بعد بتعوّدِ الكبار على كلّ شيء.
وهنا تكمن المفارقة: يمكن لأحدهم أن يكونَ فيلسوفًا دون أن يفتحَ كتابًا واحدًا عن الفلسفة، بينما قارئ التهم جميع كتبها كما تُلتهم وجبةٌ سريعة. الأول يسير في عتمةِ السؤال، يحفر بعقله، يغني روحه بالدهشة، ويسبر أغوارَ الوجودِ بجرأة، أما الثاني، فقد قرأ الكلمةَ تلو الأخرى، لكنه لم يجرؤ على العيشِ بين الأسئلة، لم يُسمح له أن ينكسرَ أمامها، فلا شيء خلفَ قراءةِ كتبه سوى التباهي بالعناوين ووزنِ ما جمعه دون أن يُولدَ أثرٌ في ذاته. الفلسفة إذن ليست ما تقرؤه، بل ما يقتحمك، ما يُزلزل ثباتك، ما يُوقظك في كلّ لحظةٍ لتسألَ نفسك ثانية، ثالثة، بلا توقف.
وهكذا، تبقى الفلسفةُ سواءً جاءت من عقلٍ متأمل أو من فمِ طفل، نافذتنا الأخيرة على الوجود. فالحكمةُ ليست النهاية ولا الجواب، الحكمةُ هي قدرةُ الروحِ على أن تحملَ السؤال دون أن تنكسر، ودون أن تتوقفَ عن الحفرِ في ظلامِ العالم، حتى حين يظنّ الجميعُ أنّ الليل اكتفى بنا.
ويبقى السؤالُ مهما خفَت هو آخر ما يُنقذنا من التحوّلِ إلى مرايا تبتلعُ كلّ صورة، لأنه باختصار، الفأسُ الذي نشقّ به جليدَ المعنى، والإصبعُ الذي يُشير دائمًا نحو المجهول!
لقد كبرت، ولا مفر من ذلك، أصبحت أفهم، وما من طريقة أستطيع بها تظليل نفسي. حصلت على المعرفة، وندمت .. نعم ندمت لأني عرفت وأدركت كم هو سيء أن تعرف، والأسوأ أن تمسك الحقيقة دون أن تضيف عليها شيئا من المنفعة، كبرت بدواعٍ كثيرة، والمؤلم أنك تراهُ ضرورة، وأنه لا بد من أن تمر كغيرك على العمر الذي يركض كأن شبحًا ما يرغمه على الهرب تجاهك. عمر يمضي بك، ويفتك بك، ويقتلك رويدا.. رويدا..
لتعيش متأقلمًا بموت من خصائِصه أن يبقيك على قيد الحياة. لستُ أسف على موتي هذا.. ولست أطمح لأن تنحرف الخطة عن مسارها الذي قدّر لها أن تسلكه. كل ما أريده أن أنجح في إتمام دوري كأي مُمثل اختار أن يكون بطل أول قصة مرعبة ومخيفة في تاريخه. أقف أمام مرآتي، فأرى العمر في أنحاء وجه اختاره لأن يكون مرئيًا ومسموعًا، فأسأل نفسي: متى حدث كل هذا؟ فيضحك العمر وتتواطؤ معه كل الملامح. ضحكة لا صوت لها، ولا إيحاء يعبّر عن قبوله أو رفضه، غير أنني أشعر بحدتها مثل كل المشاعر التي تخشبت في داخلي. أحدق في المرآة وأغرق بتفاصيلها أكثر، لقد كبرت فى كل موضع يقع عليه بصري ولا مفر من ذلك إلا أن أتجاهل الآن حبل الأرجوحة الذي يتدلى أمامي وتهزه الرياح.
أحيانًا يكون الخير في أن تسمح للآخر أن يعيش وهمه كاملًا، إلى أن يصطدم بالحقيقة التي كان يهرب منها ويخدّر وعيه بعيدًا عنها، عندها ينهار نظام الحماية عنده ويضطر إلى المواجهة.
انتزاع هذا النظام بالقوة قد لا يوقظ صاحبه، على العكس تمامًا، يدفعه إلى بناء وهم جديد أكثر صلابة.
من حق الآخرين أن يختبروا تجاربهم الصادمة، من حقهم أن يتألموا ليتغيروا. السماح لهم بذلك فعل احترام لرحلتهم الإنسانية.
حرّر ذاتك من دور المنقذ دائمًا.
شعرت بالخوف حين عرفت أن داخلي لا يسامح، و أني على الرغم من كل تلك المحاولات لا أنجح بشكل حقيقي في أن أنسى و أتجاوز و أكمل الطريق، ملأني الخوف بالفعل لأني في نقطة ما من الذكريات ومن التداعيات أجد أني لا أسامح ولا أستطيع أن أسامح وأنا أتوسد حطامي هذا ، حطام أيامي.
حين أصفُ الحياةَ بالعبث، فلستُ أتهمها بجرمٍ اقترفته، بل أُديننا نحن، نحنُ الذين نزَعنا عنها معناها كما يُنزَع الجلد عن جسدٍ حي، ثم ألقينا بها عاريةً في برد العدم. لم تكن الحياةُ يومًا عبثية، لكنها صارت كذلك حين ألبسناها رداءً رماديًا خانقًا، وصادرنا عنها حقّها في الدهشة، وفي كلّ مرةٍ لاحَ بصيصُ أملٍ كقنديلٍ يتيم في آخر النفق، أسرعنا إلى إطفائه، لا خوفًا من العتمة، بل ألفةً بها، فقد اعتدنا الظلام حتى صار الضوءُ فضيحةً، وصار الوعيُ تهمة، وأصبح الجهلُ ملاذًا مريحًا لا يوجِع الرأس.
نؤثر الجهلَ لا لأننا نريده، بل لأن الضجيجَ من حولنا أقنعنا أن الصمتَ تفكير، وأن التكرارَ وعي، وأن الخواءَ رأي. حشدٌ كبير من البشرِ يُعلّق خيباته على أكتافِ أشباه فنانين، لا يحملون من الفنِ سوى اسمه، اسمًا صلبوه حيًّا على مسارحهم البلاستيكية، وسكبوا عليه تصفيقًا أجوف ليخفي رائحةَ الفراغ. هناك، يُباع الوهم على أنه رسالة، ويُقدّم السطح بوصفِه عمقًا، ويُسوّق الرديء باعتباره ذائقة العصر.
لستُ ممن يتعقّب أخبارَ هؤلاء أو يتأمل وجوههم المصقولة بالكاميرات، فهم عندي أقل من أن يُكرهوا، وأصغر من أن يُعارَضوا. لا شيء، بل أقل من لا شيء. فحتى مفردة "قيمة" حين تُنطَق إلى جوارهم تبدو كمعطفٍ واسعٍ على أكتافٍ هزيلة، يمنحهم حجمًا لا تملكه عقولهم. ومع ذلك، لا بد أن أقعَ بين حينٍ وآخر، مصادفةً لا اختيارًا، على شذراتٍ من تصريحاتهم، فتستفزني.
تراهم يتقمّصون الفضيلةَ كما يتقمّص الممثلُ دورًا عابرًا، يتحدثون عن المبادئ بلسانٍ ملساء، ثم يرقصون فوقها كأنها أرضيةُ مسرحٍ لا قداسة لها. يوزّعون الحكمَ كما تُوزع المنشورات الرخيصة، ويتزيّون بثوبِ الحكيمِ الزاهد، بينما حقيقتهم لا تتجاوز مهرجين يلقون نكاتهم في جنازةِ المعنى. هم مرايا مكسورة تعكس وجوهًا مشوّهة، ومع ذلك يُطلب منا أن نرى فيها صورنا، وأن نُصدّقَ أن هذا هو الفن، وهذا هو الوعي، وهذا هو صوت العصر.
وهكذا، لا تموت الحياةُ عبثًا، بل نقتلها كلّ يوم، حين نُسلّم مفاتيح المعنى لمن لا يعرفون فَتحَ نافذة، وحين نُصدّق أن الصخبَ حكمة، والتفاهة قدر، والعتمة وطن!
مَن عاش طويلًا وهو غارق في "الإثارة الفوريّة" عبر إدمانات تشبع الرغبات بالمُتَع اللحظيّة، تضعف عنده عضلة الصبر، ويغدو "الالتزام" تجاه أي مسؤولية كابوس اليقظة، وعبئًا ثقيلًا لا يُحتمَل.
الالتزام في العلاقات هو الأصعب غالبًا، لأنها تحتاج إلى وقتٍ طويل لبناء الثقة والأمان والانسجام، ومدمن المكافآت الفوريّة لا يجد في الصبر ما يشبع حاجته. كما أن الالتزام في العلاقات لا نهاية له، بخلاف الالتزام في الدراسة والعمل والمشروع مثلًا، وهذا يضاعف الإحساس بالثِقل لدى مَن لا يحتمل طول النفَس.
ولأن العلاقات تتطلّب مواجهات دائمة مع الذات، بوصفها مرآة تكشف عيوبنا وضعفنا وأنانيّتنا، فإن من اعتاد الهروب من نفسه بأي نمط إدماني، لن تكون العلاقات العميقة طويلة المدى -بكل أنواعها- مساحات مريحة بالنسبة له، حتى لو كانت مساحات صحيّة.
عقليّة المتعة اللحظيّة تدور حول "أنا وما أريد الآن"، ولا شكّ أن الالتزام في العلاقات يعني التنازل عن جزء كبير من الحريّة الفرديّة، وهذا يصطدم مباشرةً مع تلك العقلية.
وتظل المراوغة والتبرير الوجه الناعم للتنصّل من الالتزام، حين لا يواجه الشخص مسؤوليته اعترافًا وإقرارًا، ويظل مختبئًا خلف حُجَج منطقيّة في ظاهرها، واهية في جوهرها.
النضج الحقيقي لا يكمن في الانتصار في الخصام، بل في استيعاب أن الحقيقة ليست ملكًا لطرف واحد. أن تمتلك القدرة على رؤية الصورة من زاويتين، أن تفهم أن المشاعر ليست أحادية البعد، وأن الألم ليس حكرًا عليك وحدك، هو دليل على أنك لم تعد أسيرًا لذاتك فقط، بل متصالحًا مع حقيقة أن كل موقف يحمل أكثر من وجه، وأن كل حكاية تُروى بصيغ متعددة، لا بصوتٍ واحد. الوعي لا يعني التنازل، لكنه يعني ألا تحوّل نفسك إلى ضحية دائمة، وألا تفرط في جلد ذاتك بلا سبب. أن تدرك أن الاعتدال في الرؤية لا يلغي مشاعرك، لكنه يمنحك حكمة التعامل معها. في النهاية، نحن لا نعيش لنكون مصيبين دائمًا، بل لنتعلم كيف نوازن بين حقنا في الشعور وبين حق الآخرين في امتلاك روايتهم الخاصة.
تكشف الجدالات في السوشال ميديا العدد الكبير ممّن يتبنّون خطاب احترام الحريّات الشخصية، لكن هذه القيمة غالبًا ما تُفعّل بشروط:
حريّتك مقبولة طالما لا تهدّد خياراتي.
آراؤك مرحّب بها طالما لا تهدّد تصوّري الأخلاقي والهويّاتي.
وعند أوّل اختلاف جذري، تعال وراقب كيف تتحوّل الحريّة إلى سلوك إشكالي يحتاج إلى تفسير.
هل لاحظتم "الفرض الناعم"؟
الأسلوب الجديد في فرض الآراء، سلطة المعرفة بدل سلطة القمع المباشر المكشوف.
- الدراسات تقول..
- الأبحاث أثبتت أن من يفعل كذا سيعاني من كذا…
- علم النفس الحديث يفسّر السلوك على أنه…
وهذا ليس علمًا خالصًا بريئًا، بل انتقاء دراسات تخدم موقف شخصي مُسبق، وتحويل للوصف إلى حُكم معياري، وإخفاء السلطة خلف قناع الموضوعيّة.
ستجد من بين الفلاسفة، الأخصائيين والأطباء النفسيين على وجه الخصوص من يدينك إذا اخترتَ خارج الإطار المدعوم علميًا. عندها تصبح بالضرورة، غير واعٍ، أو غير متصالح، أو لم تتعافَ بعد. وهذا شكل من الوصاية أقل فظاظة لكنه أعمق اختراقًا.
اقرأ وراقب بيقظة،
هل ما تقرأه يوسّع وعيك، أم يضيّقه باسم الوعي؟ هل هذا علمٌ يفتح الباب للأسئلة، أم خطابٌ يغلقها؟
ليست الحياةُ مساحةً آمنة نتحرك فيها بهدوء، بل ساحة اختبارٍ مفتوحة لا تُمهل ولا تُنذر. تُمطرنا بصدماتِها فجأة، وتدفعنا إلى مواجهاتٍ أثقل من أعمارنا، كأنها تُصرّ على أن نكبر قسرًا، وأن نشتدّ ونحن مثقوبون من الداخل. نتعلّم فيها رغمًا عنّا أنّ البقاءَ ليس للأقوى جسدًا ولا للأكثرِ صخبًا، بل لمن يستطيع أن يتماسكَ وهو يتصدّع بصمت، ويُواصل السيرَ رغم انكساراتٍ لم يُمنح وقتًا لفهمها.
ومع الزمن، لا تُعلّمنا الحياةُ قسوتها فقط، بل تضعنا أمام وجوهٍ أكثر إيلامًا، وجوهٍ نعرفها لم نكن نعرف حقيقتها، وجوهٍ كانت قريبة بما يكفي لتُطمئن القلب، ثم تراجعت عند أولِ امتحان، لا لأننا اخترنا الأنا، ولا لأننا قدّمنا أنفسنا، بل لأن بعضهم حين وُضع أمام مفترقِ القيم، أنقذ صورتَه وترك الإنسانَ خلفه.
يسقط الناسُ من أعينِنا تباعًا، لا بفعلِ تقصيرٍ منّا، بل لأنهم حين خُيّروا بين الإنسانِ والمنفعة، اختاروا أنفسَهم ومضوا. يمضون غير ملتفتين إلى الخرابِ الذي خلّفوه، إلى الأرواحِ التي كانت ترى فيهم وطنًا كاملًا، وتمنحهم الثقةَ بلا شروط. عندها نفهم أنّ الخذلان ليس دائمًا نتيجة خطأ ارتكبناه، بل قد يكون ثمن صدقٍ لم يُقابَل بصدقٍ مماثل.
هكذا يتشكّل الخذلانُ في صورتِه الأقسى، أن تُقصى دون ذنب، وأن تُغادرَ من حياةٍ لم تطلب الرحيلَ منها، وأن يُطلبَ منك أن تتفهّمَ غيابَ من اختار نفسه عليك.
عندها فقط يتضح أن أشد الصدمات لا تصنعها قسوة الأيام، بل سقوط القيم حين تُختبر، وبشرٌ قدّموا الأنا على الوفاء، وتركوا وراءهم درسًا موجعًا لا يُنسى!