نتكلف باللا أدري النسيان؛ شيء بها يُسكِّن يقظتنا المفرطة، إنها منطقة بيضاء بلا عنوان، مقفرة وخاوية من الخسائر، خالية من المكاسب، وواسعة. تمتدُّ تمتد حتى تصير مستراحًا بعد كل ذلك التجواب، وملاذًا من طنينِ الاحتمالات المتداخلة، وظِلًّا نلقي به عِصيَّنا ونستلقي؛ فليس علينا أن ندري.
ما أدهشني في سنواتي الأولى ظل يدهشني في كبري، الأشياء التي هويتها بقيت تنقذني كل مرة. منذ أحببتها تفجرت ينابيع لا تجف ولا يأسن ماؤها آهلةً ومهجورة، مذ سمَّيتها ما ترحَّل عنها أنسي وإن مسَّني تيه، أو صرفتني غفلة. أعود وأعود وأعود، وأُطلِع النجمة هناك على انعكاسها في الأرضِ، وأبقى.
تمتلئ الأفعال بالمعنى امتلاءَ أصحابها، وتجد مكانها في نفوسنا قدر ما يسكنوننا. يهمني الستريك في السنابشات؛ إنه نافذة حب، وإجابة صامتة عن سؤال: «كيف الحال؟». قد يعدم أن تأتي الإجابات دون سؤال إلا به، وفوق كلِّ شيء، يرفعنا هو إلى أن نتمهَّل لحظة، لحظةً لنطمئن.
ثم نُسأل: «ما معناه؟»
نحيا بأحبابنا الذين يذكِّروننا عفوًا حبَّهم، فيقطعون أيادي الغفلة قبل أن تنسل إلينا وتهوي بنا إلى لحظاتٍ أدنى، الذين يعيدون على قلوبنا التهويدة الأولى، ويدثِّرونها. يدفعون عنها رجفة الأيام الشاتية، ويحييونها بالرضا الذي عهدت؛ فنكرم الحياة حينها بالتفاتةٍ ثانية.
خضت نقاشًا، طفتُ فيه الحلبة ولم ألتقِ بمن أمامي؛ كان يقول إن التواضع مَكرمة، وكنت أراه أصلًا لا زيادة، وفرضًا لا اختيارًا يُمتدح عليه أحد. المتواضع إنسانٌ عاديٌّ عرف نفسه، ومن اختار أن يتكبَّر فقد جهلها، ومرايا الحياة كثيرة، لا بد أن تعكس له -ولو مرةً- صورته، وتريه حينها ما ترىٰ.
يعجبني أن ما في الحياة تراكم، لا ينفصل منه جزءٌ عن آخر، تركيب متصل بمعانٍ أبدية تتابع منذ ولادتنا، ومنذ معرفة الآخر لنا. نحن لا نُنسَى، ولا تمحو خطوتنا الحاضرة سالِفها. إننا نقبل التعريف كل مرة حجرًا يوضع في ذلك الصرح، وجملة تُعطف على ما قبلها، وصدى لا ينفك يكرر ما نؤمن به أبدًا.
قال ﷺ: «أنتم شهداء الله في الأرض»
اللهم أوجب له بذلك الجنة، وارحمه برحمتك التي وسعت كل شيء، واجعله اللهم راضيًا مستبشرًا في فردوسك الأعلى يا رب العالمين.
#زامل_التميمي
قليلة هي الأسئلة الجائعة حقًّا للمجهول، ثمَّة أسئلة ممتلئة البطون ترمي إلى أغراضٍ أخرى، وما بين الاثنتين فضاءٌ فاضح، وإني لأملك أن أطعم الأولى، وأدع الأخرى تتعثر بثيابها الطويلة التي تستَّرت بها، راجعةً دون مطلوبها؛ لأن الوضوح طريقٌ سهل، سهل جدًا يشقُّ على الذين فسدت بواطنهم.
يومٌ تفقد فيه المحفزات تأثيرها إلا ما أوجد صلته بالأخضر، وتستفرغ كلمات المعجم معانيها إلا كلمة اقترنت بالوطن، اليوم تخجل الأشياء من عاديَّتها فتتحول، تنمو للهواء حناجر تُردِّد هبوبَها نشيدًا وطنيًّا، وتكتشف الأرض أن خطواتنا ليست عبورًا بل جذورًا، ثم تشهد لنا أن أيامنا كلها وطن💚
نختار أحيانًا ألَّا نفهم، نرضى بالأمور مختبئةً خلف الستار دونما إزاحة، ناتئةً على وجه الأرض دون نَبْش، نطرب على همهمتها الخفية بلا طوافٍ لإدراك المغازي. نختارها في دَعةٍ، ونطفو على السطح.
من يسمح للكذبةِ أن تمرق من بين شفتيه، لن يستطيع أن يحتمي من التناقضات، ستناله أياديها، تندسُّ بين أقواله وتدنِّسها، تقطِّعها إربًا لا يعرف أحدها الآخر. إنَّ من يتوكَّأ على غير الحقيقة سيذكر يومًا من أقواله وينسى، ستُشير إليه أصابعه، ويهوي بهِ عصاه، ويمشي الزمنُ الهوينى.